في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

الروس يضللون العرب


إن الروس لا يقولون ما يعلمون، أو ما يجب أن يعلموه.. فحين طالب الكسى كوسيغين، نيابة عن العرب، في المنظمة العالمية بإدانة العدوان الإسرائيلي كان يعلم أن خرق العرب لهدنة 1949م ((التي أشار إليها السيد جمال عبد الناصر في حديثه مع السيد دنقل فوت إشارة اعتراف)) ذلك الخرق الذي تمثل في السماح لفدائيي منظمة التحرير الفلسطينية أن يتسللوا من أرض سورية عبر حدود إسرائيل كان يشكل حالة عدوان من العرب على إسرائيل.. وكان يمكنه أن ينصح أصدقاءه العرب في ذلك، ولكنه لم يفعل..
وكوسيغين، الذي يطالب بإدانة العدوان الإسرائيلي على العرب، كان يعلم أن مباشرة السيد جمال عبد الناصر لقفل خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية بعد أن ظلت تمخر فيه عشر سنوات، يشكل عملاً ستعتبره إسرائيل عدوانياً، وستجد في اعتبارها هذا عطف الرأي العام العالمي، أكثر مما تلقاه مصر.. وكان يمكنه أن ينصح أصدقاءه العرب في ذلك، ولكنه لم يفعل..
وكوسيغين، والزعماء السوفيت، الذين معه، والذين سبقوه، كانوا يعلمون أن سياسة العرب المعلنة هي رمي دولة إسرائيل في البحر، وهؤلاء الزعماء السوفيت هم من أول من ناصر خطة تقسيم أرض فلسطين، وهم من أول من اعترف بدولة إسرائيل.. وظلوا يبادلونها التمثيل الدبلوماسي، وظلوا، ولا يزالون يعترفون لها بحق البقاء.. ولكنهم ظلوا كذلك يوافقون العرب على سياستهم هذه، وظلت صحفهم تشجع العرب وتحرضهم على المضي فيما تسميه، مكراً ((تأمين سيادتهم على أراضيهم))..
وفى هذه الأيام طلبت مصر، على لسان مندوبها الدائم في الأمم المتحدة، السيد محمد عوض القوني، من رئيس مجلس الأمن، وهو في هذه الدورة مندوب مالي السيد محمود كانتى، أن يعقد جلسة خاصة مستعجلة لدراسة الموقف الخطير في الشرق الأوسط.. وأمام المجلس، في جلسته هذه الخاصة، التي عقدها في الخامسة والنصف من بعد ظهر الخميس 9/11/1967م، مشروعان وهما المشروع الأمريكي، والمشروع الذي قدمته الدول الأفروآسيوية، وهي الهند، ومالي، ونيجريا.. وهذا المشروع الأخير ((يؤكد حق كل دولة في الحياة بسلام، وأمن، واحترام لسيادتها، ووحدة أراضيها، واستقلالها السياسي، ويدعو لإنهاء حالة الحرب، كما يطالب بتسوية عادلة لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، ويطالب بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية التي احتلتها أثناء القتال الذي بدأ في الخامس من شهر يونيو الماضي، كما يطالب أيضاً بإرسال مبعوث خاص للأمم المتحدة بغية تنسيق الجهود لتنفيذ المشروع المقترح.. على أن يقدم تقريراً لمجلس الأمن خلال 30 يوما))..
وأما المشروع الأمريكي فيطالب بتسوية كاملة للأزمة على أساس فرض الصلح بين العرب وإسرائيل، ويعتمد على المبادئ الخمسة التي أعلنها الرئيس جونسون في خطاب له ألقاه قبل انعقاد الجمعية العامة، في أعقاب العدوان، وكان جونسون قد أوضح أن مقترحاته للسلام في الشرق الأوسط هى: ضرورة الاعتراف بأن لكل دولة حقاً سياسياً في العيش بسلام، وحقاً قانونياً في المرور البرئ في جميع الممرات المائية.. وقال إن مسئولية الحرب في الشرق الأوسط تقع على عاتق العمل الخطير، التعسفي، الذي يتسم بالحماقة، والذي يبدو في إغلاق خليج العقبة.. ودعا جونسون لوضع حد لسباق التسلح بين الدول العربية وإسرائيل، وقال إن إقرار السلام يستدعي حل مشكلة اللاجئين، وأن على الدول المعنية أن تصل لاتفاق مباشر في هذا الصدد.. وعنده أنه لدى الوصول إلى هذا الاتفاق تجلو القوات الإسرائيلية عن الأراضي العربية التي احتلتها.. وجاء، على اقتراحه بأن تصل الدول المعنية لاتفاق مباشر، تمسك إسرائيل بالاعتراف، والمفاوضات المباشرة بينهما وبين العرب.. كما جاء، من رأيه في مسئولية الحرب، رفض الولايات المتحدة لنقطة الاتحاد السوفيتي الأولى التي تدعو الجمعية العامة لإدانة إسرائيل بالعدوان على الدول العربية.. وجرى في هذا المضمار أيضاً الاقتراح الثاني الذي تقدمت به دول الحياد، إذ خلا من المطالبة بإدانة إسرائيل بالعدوان، بعد أن كان مشروع هذه الدول الأول يقوم على أربع نقاط أولها إدانة العدوان.. وهذا المشروع الأمريكي يتفق مع مشروع الدول الافروآسيوية على ضرورة إرسال مبعوث عن الأمم المتحدة.. ويختلف معه في تحديد مهمة هذا المبعوث، ويجئ هذا الاختلاف من اختلاف المشروعين نفسيهما..
وتقول الأخبار لا المشروع الأمريكي، ولا المشروع الأفروآسيوى، ينتظر له أن يُحظى بتسعة الأصوات اللازمة لنجاحه في مجلس الأمن الذي يضم خمس عشرة دولة.. وذلك لأن الولايات المتحدة وحلفاؤها يعارضون المشروع الأفروآسيوي لأنه يعطي الأولوية لانسحاب القوات الإسرائيلية، ويترك أمر التسوية الكاملة للمستقبل، وهم يريدونها أولاً، وشرطاً مقدماً على الانسحاب.. ومن الجهة الأخرى فإن الاتحاد السوفيتي، وحلفاؤه، يعارضون المشروع الأمريكي لأنه يعطي الأولوية لتسوية دائمة في المنطقة، فيربط انسحاب القوات ((المعتدية)) بالصلح بين العرب وإسرائيل..
وهذا الموقف الذي يقفه الاتحاد السوفيتي هو الموقف الذي يروق العرب، وللعرب بعض العذر في ذلك.. فإنهم قد ظنوا أن في هذه المغالطة، وهذه المماحكة، تضميداً لجراح كرامة وجدت نفسها تعترف عملياً بإسرائيل، بعد أن بنت سمعتها على عدم الاعتراف.. فلم يبق إلا أن تغالط وتماحك.. هذا أمر قد نفهمه للعرب، وإن أسفنا له.. ولكن ما عذر الاتحاد السوفيتي حين يقف هذا الموقف وهو يعترف بدولة إسرائيل، وقد أسهم في مشروع تقسيم أرض فلسطين بغرض إقامة دولة إسرائيل؟ هل تريدون أن تعرفوا دافع الاتحاد السوفيتي لهذا الموقف؟؟ إذن فاسمعوا!! إن الاتحاد السوفيتى لا يريد لمشكلة الشرق الأوسط أن تُسوَّى!! لماذا؟ لأن عدم تسويتها يشيع جو الخوف، والحيرة، والقلق، وهو جو يناسب التخطيط الشيوعي لسوق الشعوب العربية، والحكومات العربية، إلى حظيرة الشيوعية، ولأن حالة الحرب تزيد من عداوة الشعوب العربية، والحكومات العربية للدول الغربية وبوجه خاص للولايات المتحدة، ولأن الحرب تستنزف من طاقة أمريكا، خصوصاً إذا ما أضيفت إلى الحرب القائمة الآن في فيتنام، والتى لا يريد لها الاتحاد السوفيتي أيضاً أن تُسوَّى – ويمكن أن يقال إن الحروب الإقليمية، على مستوى حرب فيتنام، وحرب الشرق الأوسط، تعطي الاتحاد السوفيتي فرصة تجربة أسلحته الجديدة بصورة ملفتة ودعائية، فقد حققت صواريخ (كومار) السوفيتية، التي استعملت في إغراق المدمرة الإسرائيلية ((ايلات)) سمعة عسكرية ذات أثر دبلوماسي كبير، وهذا الأثر الدبلوماسي هو ما يهم الروس، في المكان الأول، لأنه يحقق إخلال توازن القوى لمصلحتهم هم ضد الكتلة الغربية، وقد فعل!! فقد أوردنا لك خطاب بريجنيف بمناسبة العيد الذهبي للثورة الشيوعية حيث قال فيه: ((إن ميزان القوى في العالم قد تغير بصورة جذرية لصالح الطبقة العاملة)) وهو، بالطبع، يقصد أن يقول لصالح الدول الشيوعية.. وهو أمر معلوم، وهوأيضاً أمر لا يسر عاقلاً، مهتما بمصير الإنسان على هذا الكوكب..

الأمم المتحدة ومشكلة الشرق الأوسط


إن الأمم المتحدة، رغم كل ما تتسم به من عجز، هي أمل الإنسانية الوحيد في إيجاد حلول للمشاكل عن طريق التفاوض، بدلاً عن السلاح، وهي جهاز يمثل خلاصة المجهود البشري، على مدى القرون، في تجنب الحروب.. وللدول الصغيرة، بخاصة، فرصة فيها يجب أن تحرص عليها، وأن تتمسك بها بكل ثمن.. وتعمل على أن يتطور هذا الجهاز في طريق الكفاية حتى يصبح ذا سلطة تنفيذية ـ سلطة تتخذ القرارات، وتملك القدرة على تنفيذ هذه القرارات ـ ولكن، مع الأسف، فإن الاتحاد السوفيتي، جرياً وراء سياسته التي يبيِّتها للعالم، قد استطاع أن يضلل العرب حتى تمسكوا بمطالب، في مشكلة الشرق الأوسط، عرَّضت هذا الجهاز العظيم لسوء القالة، ولا تزال تعرِّضه لسوء المنقلب.. ألم ينسب لوزير خارجية السودان، وهو يتحدث، يومئذ، باسم الدول العربية أنه قـال: ((إن الدول العربية ستعيد النظر في عضويتها في الأمم المتحدة؟؟))
إن الاتحاد السوفيتي، كما أسلفنا إلى ذلك القول، قد اتخذ، في الجمعية العامة، مع أغلبية أعضائها، قرار تقسيم أرض فلسطين، بغرض إقامة دولة إسرائيل، وهو يعترف لهذه الدولة بحق البقاء، ولكنه في الوقت الحاضر، قد بدا له، ولمصلحة سياسته المبيتة، أن يؤيد العرب في موقفهم الذي يعارض حق إسرائيل في البقاء.. فهو يعارض الاقتراح الأمريكي لحل هذه المشكلة، لماذا؟؟ ((لأنه يعطي الأولوية لتسوية دائمة في المنطقة، ويربط بين انسحاب القوات الإسرائيلية عن الأراضي العربية وبين الصـلح بين العرب وإسرائيل)) فهل سمع الناس مثل هذا المنطق من مسئول؟؟ أليس ميثاق الأمم المتحدة يتطلب مثل هذه التسوية، إن كنا نفكر بأمانة وبغير غرض؟؟
إن العرب قد سقطوا في الفخ الذي نصبته لهم الشيوعية الدولية، وهم يتورطون كل صبح جديد معها في رباط جديد.. ومع إن أباطيل الشيوعية الدولية ظاهرة، إلا أن العداوة التي احتملها العرب للدول الاستعمارية، وعجزهم عن النهوض بهذه العداوة، قد حجبت عنهم الرؤية..
جاء في حديث نشرته مجلة ((الجديد)) البيروتية في عدد لها بتاريخ 10 نوفمبر قولـها ((لخص أحد المطلعين العارفين الموقف من الحرب أو السلم على الصورة التالية: (إن أمريكا تدفع مصر للانتحار.. وهي تريد منها إما انتحاراً عسكرياً عاجلاً في الجبهة، أو انتحاراً سياسياً عن طريق فرض الصلح.. إن سياسة مصر هي عدم الوصول إلى حافة الانتحار))).. ثم تمضي المجلة فتقـول ((من ناحية ثانية فإن استعدادت مصر العسكرية قائمة على قدم وساق، وأن التعليمات الرسمية للعسكريين هي الحرب، الحرب، الحرب في أية لحظة.. وهناك قناعة في بعض الأوساط المصرية أن جبهة السويس ستكون الجبهة الوحيدة القادرة على القتال أو أنها ستحمل العـبء الأكبر ـ كما كانت الحال في حرب حزيران ـ وأن أشهر اختصاصيي حروب الدفاع، والتكتيك الحربـي السـريـع، فـي الاتحـاد السوفيتي يضعـون ثقلهـم كلـه لمساعـدة، ومؤازرة العسكريين المصريين)).
لعمر الحق، إن الدول الصغيرة يجب أن تأخذ حذرها من أمريكا ولكن ما يجب أن يصيبها الذعر بهذه الصورة التي وردت في عبارة من وصفته المجلة بالاطلاع والمعرفة.. فلا أمريكا، ولا أي دولة أخرى من الدول المسئولة، تريد لمصر أن تنتحر عسكرياً، أو سياسياً، ولكن مصر هي التي، بسوء تفكيرها، وجهلها السياسي، سعت إلى الانتحار العسكري، والانتحار السياسي، ولا تزال تسعى، وهي تسعى سعياً حثيثاً لا تملك أن تستمع معه، نصيحة الناصح الأمين..
إن تضليل الاتحاد السوفيتي لزعيم مصر قد بلغ اليوم مبلغاً يدعو لأشد الأسى.. فإن السيد جمال عبد الناصر الآن يمكّن للخبراء الروس من الجيش المصري، كما تخبرنا مجلة ((الجديد)) في حديثها الذي أوردنا لك منه نبذة.. اقرأ مرة أخرى: ((وإن أشهر اختصاصيي حروب الدفاع، والتكتيك الحربي السريع، في الاتحاد السوفيتي يضعون ثقلهم كله لمساعدة ومؤازرة العسكريين المصريين))..
هناك من المراقبين السياسيين من يقول إن الإعلام في مصر في يد الشيوعيين، والجيش في يد عبد الناصر، وها قد بدأ الجيش يكون في يد الشيوعيين، بحجة خبرة الخبراء السوفيت التي لا غنى عنها.. وبحجة إبعاد الضباط الذين ينتمون إلى عوائل رأسمالية، وإقطاعية، لأنهم، في تعليل من ينصحون السيد جمال عبد الناصر، ويشيرون عليه، قد كانوا سبب الهزيمة العسكرية المشئومة.. ويبلغ عدد الضباط المبعدين، في تقدير بعض العارفين، ما يزيد على الألف، وهم في رتبة لواء فما فوق.. ((وتقدّم، على ذلك، ضباط الصف الثاني، أي العمدة وما تحت إلى الصفوف الأمامية، وغالبيتهم من الذين تدربوا في الاتحاد السوفيتي))..
والاتحاد السوفيتي الذي يسعى إلى تمكين قبضته على الشعوب العربية بتضليل سياستها نحو الكتلة الغربية، مستعينا على ذلك بجهل الزعماء العرب، وبغرور الدكتاتورية العربية، سيحاول أن يجر مصر، ومن ورائها الدول العربية، إلى مواجهة رابعة، تتم فيها هزيمة العرب النهائية، على أيدي الكتلة الغربية، وينتهي بهم المطاف إلى القطيعة التامة مع الكتلة الغربية والاستقرار التام في خيام الكتلة الشرقية.. وهذا هو السر الذي يقبع وراء معارضة الاتحاد السوفيتي للمشروع الأمريكي الذي ((يعطي الأولوية لتسوية دائمة في المنطقة.. ويربط بين انسحاب القوات الإسرائيلية عن الأراضي العربية وبين الصلح بين العرب واسرائيل))