في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

الفصل السابع



شجاعة المواجهة


يجب أن نكون واضحين، فإن الشيوعية الدولية ليست صديقة لأحد.. بل إنها، لفرط جهلها، عدوة حتى لنفسها.. ويجب أن يكون واضحاً أن الشيوعية الدولية، التي تتخذ فلسفتها من الماركسية اللينينية هي أمر غير الاشتراكية العلمية ـ وإن كان كارل ماركس يسميها ((الاشتراكية العلمية)) وإن عرفت في التاريخ بهذا الاسم ـ لأن صفة ((العلمية)) يجب ألا يفوز بها إلا المجهود البشري الذي يقوم على الحقائق الثوابت، التي تقف بنا على عتبة المجهول، وتترك لنا الفرصة باستمرار، لنمدد خطوط مجهودنا هذا إلى الأمام، في المجهول، كلما أصبحت مواطئ أقدامنا فيه معلومة لدينا.. ونحن يجب أن نعلم، كل يوم جديد، أمراً جديداً، من هذا المجهول.. وهكذا يكون عملنا العلمي تطوراً مستمراً، وتجدداً مستمراً، وانطلاقاً مستمراً من منطقة المحدود إلى منطقة المطلق.. ولم تسمَّ الماركسية ((علمية)) بهذا المعنى، وإنما سميت علمية في مقابلة الاشتراكية ((المثالية)) أو اليوتوبية الغامضة، التي كانت سائدة قبل ذلك التاريخ.. فإن كارل ماركس قد عالج تطور التاريخ الاقتصادي بأسلوب سلس، واضح، لم يلجأ فيه إلى الغموض، أو المثل العليا، وخاصة تاريخ الحضارة الصناعية، الناجمة عن الآلات الجبارة ووضع استنتاجات ذكية، وبعيدة المدى، عن التطور والتاريخ والتنازع بين الطبقات في المجتمع الإنساني.. ولكن سلسلة تفكيره في التطور تفقد حلقة هامة، عجز هو عن إدراكها، فلم يعترف بالعجز، فيترك، بذلك، السبيل مفتوحة لمن عساه يتمم ما نقص، وإنما اتخذ من عجزه هذا فضيلة فأنكر وجود تلك الحلقة المفقودة.. وبذلك ضلّ وأضلّ كثيرا..
وعن هذه الحلقة المفقودة في التفكير الماركسي وردت إشارة في كتيب الحزب الجمهوري ((التحدي الذي يواجه العرب)) وذلك حيث قال ((والحديث عن الماركسية كدين مستغرب بالطبع، والسبب في الاستغراب أن الناس ألفوا الماركسية كفكرة اشتراكية فقط، وما ذاك إلا لأن ماركس أعطى الاهتمام الأول، في فلسفته، للاقتصاد، واختفى أصل الفلسفة، إلا عن الذين يبحثون، ولهؤلاء تظهر الماركسية كفلسفة للإنسان والكون.. وههنا يظهر خطلها وقصورها، ((فالمادية الديلكتيكية)) وهي فلسفتها، تقول ((إن حركة الفكر هي انعكاس للحركة الواقعية منقولة إلى دماغ الإنسان ومستقرة فيه)) ((والحركة الواقعية)) عندهم هي حركة العناصر، بما في ذلك الصراع الطبقي، وهي حركة حتمية ميكانيكية، وحتميتها تلقائية فيها.. فهم لا يعترفون أن هذه الحتمية تنبعث عن إرادة محيطة، في عقل كلي، هو الذي يخلق الطبقية، والتاريخ، ويصنعهما.. وههنا يجيء انفصام السلسلة، ((وانقطاع الدورة))..

واشتراكية كارل ماركس التي يسميها علمية تقوم على أسس خمسة وهي: ـ
1- مجرى التاريخ تتحكم فيه القوى الإقتصادية..
2- التاريخ ما هو إلا سجل لحرب الطبقات..
3- الحكومة ما هي إلا أداة تستخدمها طبقة في اضطهاد طبقة أخرى..
4- العنف والقوة هما الوسيلتان الوحيدتان لتحقيق أي تغيير أساسي في المجتمع..
وقد أضاف لينين الأساس الخامس وهو:
5- يجب مراعاة الدقة في تدريب كبار المخططين، والمنفذين للثورة الشيوعية، في الوطن، وفي الخارج، على السواء، ليكونوا ثوريين محترفين متفرغين.. وإنما أضاف لينين هذا الأساس الخامس من أسس ما أسموه ((الاشتراكية العلمية)) لأنه كان مقتنعاً بأن العمال تنقصهم القدرة على التفكير، والتخطيط.. ولهذا يجب عليهم أن يخضعوا لزعامة فئة قليلة مختارة، وهي الحزب الشيوعي.. فتجدهم يتحدثون عن دكتاتورية العمال، والمزارعين، والمثقفين الوطنيين..
وقد كتب كارل ماركس في كتابه ((رأس المال)) يقول ((إن العنف هو المولّد لكل مجتمع قديم يتمخّض بمجتمع جديد))..
وكارل ماركس في هذه الملاحظة، وفي سابقاتها، يرصد التاريخ، ويكاد يحسب ما هو ظاهرة مرحلية في تطور المجتمع البشري، لازمة أبدية من لوازم هذا المجتمع ((هي على كل حال عنده لا تنتهي إلا بانتهاء الصراع الطبقي، وذلك بأن تصفِّي بالعنف، طبقة واحدة بقية الطبقات.. وهذه الطبقة هي طبقة البروليتاريا، التي يجب أن يكون النشاط العملي لحزبها (مؤسساً لا على الرغبات المحدودة ((لنخبة من الأفراد)) ولا على مقتضيات ((العقل)) و((الأخلاقية الكلية)).. الخ.. بل على قوانين التطور الاجتماعي، وعلى دراسة هذه القوانين).. وبذلك، عندهم، تصبح الاشتراكية علمية.. ونحن نتساءل هل يفهمون حقاً قوانين التطور الاجتماعي؟
اسمعوا ماركس يقول: ((ليس إدراك الناس هو الذي يحدد معيشتهم، بل على العكس من ذلك، إن معيشتهم الإجتماعية هي التي تحدد إدراكهم)) فهل من يقول مثل هذا القول يمكن أن يفهم قوانين التطور الاجتماعي؟ إن قوانين التطور الإجتماعي تحكيها هذه الآية ((يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)) وملاقاة الله ليست بقطع المسافات إليه، ولكن بتقريب صفات الإنسان من صفاته، وذلك بترقي الإنسان في سلم التطوّر من الحرية المحدودة إلى الحرية المطلقة، وهذا يقتضي تنظيم مجتمعه على أسس الديمقراطية الاقتصادية، والديمقراطية السياسية.. والديمقراطية الاقتصادية هي ما تسمي ((بالاشتراكية العلمية)) وشرط لازم لها أن تكون صنواً للديمقراطية السياسية، فلكأنهما جناحان بهما معا ينهض المجتمع كما ينهض الطائر مستقلاً في الجو.. ونحن لن نذهب في تفصيل ذلك هنا، وإنما موعدنا مع القارئ بهذا التفصيل صدور كتابنا ((الإسلام ديمقراطي اشتراكي)) ولكننا نحب هنا أن نكشف بعض الشئ عن جهل الماركسية التي عليها تقوم الشيوعية الدولية، ويحاول الشيوعيون أن يوهموا الناس أن الاشتراكية العلمية لا سبيل إليها إلا عن طريـق الماركسـية ـ اللينينية.. وقـد انطلى هـذا التضليل الشيوعي على العرب، وعلى غيـر العرب من الشعوب..
والآن فإن العرب، باسم صداقة الاتحاد السوفيتي، وتوهُّم عداوة الولايات المتحدة، والمبالغة في تصوير هذه العداوة، قد جعلوا قضية فلسطين فرصة نادرة للشيوعية الدولية لتباشر المؤامرة المبيتة لاغتيال حرية البشرية على هذا الكوكب.. وقد وجب، منذ اليوم، على العرب أن يواجهوا قضيتهم بأنفسهم، وأن يتجهوا بها إلى الحل السياسي، وأن يقطعوا الطريق على التضليل الشيوعي للبشرية فلا يأتي عن طريقهم هم.. ومن مواجهتهم لقضيتهم أن يعترفوا بإسرائيل وأن يأخذوا الرأي العام العالمي إلى جانبهم بالدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لتحقيق القرارين اللذين اتخذتهما الأمم المتحدة أحدهما في 29 نوفمبر عام 1947 م، وهو (قرار التقسيم) والثاني في الحادي عشر من ديسمبر 1948م، وهو (قرار إعادة اللاجئين)..


المفاوضات المباشرة


كما قلنا، فإن اعتراف العرب بإسرائيل واقعياً، وعملياً حاصل، وكل المشاريع التي تقدم في المنظمة العالمية الآن ترمي إلى تسجيل هذا الإعتراف.. لا يختلف في ذلك أصدقاء العرب، أو أصدقاء إسرائيل.. ولعل كل ما هناك من اختلاف بين الفريقين هو هل يكون الجلاء قبل تسجيل هذا الاعتراف أم بعده؟؟ وهناك إصرار إسرائيل على التفاوض المباشر.. وأمام هذه الإصرار فإن إسرائيل ستكون مستعدة لتنازل كبير، قد لا يكون ممكناً بغير قوة المساومة التي يحملها هذا الاعتراف من جانب العرب، ومن مصلحة القضية العربية ألا تضيع قوة المساومة هذه بتمسك العرب بعدم الاعتراف اللفظي، مع إن الاعتراف عملياً واقع، ومع الزمن، فإن إسرائيل ستحصل على هذا الاعتراف، بدون أن تدفع عليه ثمناً كافياً للعرب..
ثم إنه يجب أن يكون واضحاً فإن أي حل سياسي لا يمكن أن يفرض على العرب، كما هو لا يمكن أن يفرض على إسرائيل، بقوة السلاح، وذلك لأسباب عديدة، منها أن السلاح لم يعد يحل المشاكل بين الأمم، ومنها أن المنظمة الدولية، إلى الآن، لا تملك سلطة تنفذ بها قراراتها.. فلم يبق إلا أن تكون الحلول السياسية قائمة على الموافقة المتبادلة، والتراضي بين الفريقين المتنازعين، ومن أجل ذلك، فإن التفاوض المباشر هو أسلم السبل، وأقربها إلى التراضي..
ونحن نعلم صعوبة الاعتراف على الزعماء العرب، ولكننا لا نحترمها، ذلك بأنها صعوبة تقوم على الكبرياء الزائف، وعلى المظهر الفارغ، وهي تستهدف خداع الشعوب العربية، ذلك بأن الزعماء قد ظلوا يحدّثونها، على طول المدى، عن رمي دولة إسرائيل في البحر.. وحتى في مؤتمر الخرطوم الذي التقى فيه هؤلاء الزعماء مؤخراً لم ينسوا، تمشياً مع الأوهام القديمة، المزمنة، والمعلنة على الشعوب، أن يعلنوا، من جديد، أنهم سيعملون على تحقيق انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية التي احتلتها في الحرب الأخيرة ((وذلك في نطاق المبادئ الأساسية التي تلتزم بها الدول العربية وهي: عدم الصلح مع إسرائيل، أو الاعتراف بها، وعدم التفاوض معها))..
وقد قلنا إن هذا الاعتراف عملياً قد حصل، فهل ما يهم الشعوب العربية هو مظهر الاعتراف، أم جوهره؟؟ إن الزعماء العرب هم اليوم أسارى التضليل الذي ظلوا، ولا يزالون، يمارسمونه مع شعوبهم.. فهم، ((عملياً))، يعترفون بدولة إسرائيل، لأن الاعتراف ضروري لإحراز الحل السياسي الذي لا يجدون عنه منصرفاً، ولكنهم، ((قولياً))، يرفضون هذا الاعتراف ليظل المظهر محفوظاً أمام الشعوب، ريثما يعمل الزمن عمله في ذاكرتها..
ومن سوء طالع الشعوب العربية، في الوقت الحاضر، أن الزعماء، وحملة الأقلام، ورجال الإعلام فيها، موكلون بتضليلها عن قصد، وعن غير قصد.. وهذا الصحفي الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي يعتبر ناطقاً باسم السيد جمال عبد الناصر، يكتب في جريدة الإهرام فيقـول: ((وحساب الأسبوعين الأخيرين على أي حال، يظهر أن الفجوة ما بين المحاولة والهدف واسعة، بل إنها تزداد اتساعاً مع كل يوم، وبالتالي فإن المشكلة تبتعد كما يبدو عن إمكانية الحل السياسي وقدرتـه!! ))
((وحتى لو افترضنا جدلاً أننا استطعنا أو استطاع أصدقاؤنا بعمل شامل ومركّز إقناع الجمعية العامة للأمم المتحدة ـ بعد أن استحال التقدم تماماً في مجلس الأمن ـ بإصدار مشروع قرار يمكن أن يكون بالنسبة لنا أساسا مقبولا للحل.. فإن مثل هذا المشروع سوف يظل مجرد مشروع ـ حبراً على ورق ـ ما لم تقبله إسرائيل برضاها، أو مفروضا عليها.. ))
((ولن تقبل إسرائيل برضاها شيئاً يرضى به العرب.. وهذه بدهية!! ))
((والبدهية الأخرى المكملة لها ـ وبها وليس بغيرها تتم الحلقة وتستحكم، هي أن الولايات المتحدة الأمريكية بالذات وبغير بديل هي القوة التي تستطيع أن تفرض على إسرائيل شيئاً لا تقبله إسرائيل برضاها..))
((أي أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تملك فرصة الحل السياسي المعقول ـ أو الذي يمكن أن يكون معقولاً ـ للأزمة كما أنه في يدها أن تحول مشروع القرار إلى مفتاح لباب الحل السياسي..))
((وذلك أمر لا يلوح حتى الآن أن الولايات المتحدة الأمريكية على استعداد له، كما أنه ليست هناك أية دلائل تومئ إلى استعدادها له في المستقبل المرئي..))
((بل إن جميع الشواهد تشير إلى العكس..))
((1ـ تراجعت الولايات المتحدة عن خطوط مشروع القرار الذي كانت هي نفسها قد طرحته للبحث في نهاية الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي كان مضمونه أساساً أن تنسحب القوات الإسرائيلية إلى مواقع ما قبل 5 يونيو في مقابل إنهاء حالة الحرب كما أنها تراجعت عن الخطوط العامة التي أعلنها الرئيس لندون جونسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية نفسه، وكان أبرز ما فيها أنه لا يستطيع أي طرف من أطراف النزاع في الشرق الأوسط أن يحقق أية مكاسب إقليمية نتيجة للحرب المسلحة.. كما أنها تراجعت عن الفهم العام الذي كانت تدرك بـه - حسب ما جاء في تصريحات وزير خارجيتها دين رسك - أنه من المستحيل على العرب أن يقبلوا التفاوض مع إسرائيل..
((تراجعت الولايات المتحدة الأمريكية عن هذه المواقف كلها، وكانت هي التي اختارتها لنفسها قبل شهور قليلة وأسابيع وأصبح موقفها الآن هو موقف إسرائيل لا يختلف في كثير أو قليل:-
((* على العرب أن يقبلوا التفاوض مع إسرائيل..
((* على العرب أن يقبلوا ضم أجزاء من أوطانهم التي تعرضت لمؤامرة يونيو1967م لكي تضاف إلى الأرض المغتصبة في مؤامرة مايو 1948م..
((* على العرب أن يفتحوا قناة السويس للملاحة الإسرائيلية..
((* على العرب أن ينتظروا بمشكلة اللاجئين إلى أن يمن عليهم الإحسان الأمريكي ـ أو الإسرائيلي ـ بالجود والعطاء))
هذا ماقاله في الاهرام يوم 3/11/1967م الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي هو من أولي حملة الأقلام الذين ينتظر منهم الصدق، والدقة، سواء نظرت إليه من حيث إنه الناطق باسم السيد جمال عبد الناصر، أو من حيث إنه من ألمع، وأقدر الصحفيين العرب المعاصرين..
ونحن لكي نظهر لك عدم الدقة، وعدم الأمانة، في أقوال الاستاذ هيكل لابد أن نعرض لك ما قاله الأمريكان في مجلس الأمن حتى الأمس القريب.. ونحن هنا ننقل من صحيفة ((الرأي العام)) السودانية بتاريخ 9/11/1967م، قالت: (( يجتمع في الساعة الخامسة والنصف من بعد ظهر اليوم مجلس الأمن بناء على الطلب الذي تقدّم به السيد محمد عوض القوني، الممثل الدائم للجمهورية العربية المتحدة، لرئيس مجلس الأمن، وهو مندوب مالي السيد محمود كانتي، وكان السيد القوني قد طلب عقد جلسة عاجلة للمجلس لدراسة الموقف الخطير في الشرق الأوسط، وقد بدأ أعضاء الوفود مشاوراتهم حول المشروعين المطروحين أمام المجلس، وهما المشروع الأمريكي، والمشروع الذي قدمته الدول الأفرو آسيوية، وهي: الهند، ومالي، ونيجيريا..
((ويتفق المشروعان في ضرورة إرسال مبعوث عن الأمم المتحدة للشرق الأوسط ولكنهما يختلفان في تحديد مهمة المبعوث، وفي مدى تأكيد كل منهما على انسحاب القوات المعتدية وارتباط ذلك بإنهاء حالة النـزاع، ويطالب المشروع الأمريكي بتسوية كاملة للأزمة على أساس فرض الصلح بين العرب وإسرائيل، ويعتمد على المبادئ الخمسة التي كررها الرئيس الأمريكي جونسون.. ويقوم المشروع الأفرو آسيوي على أساس مشروع دول أمريكا اللاتينية، الذي لم يحصل على الأغلبية في الجمعية العامة (وكانت الدول العربية آنذاك تعتبره أقرب للمصالح الإسرائيلية)..
((ويؤكد المشروع الأمريكي أن تحقيق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة يتطلب التوصل لحالة السلام الدائم، القائم على العدل، في الشرق الأوسط، وإنهاء حالة الحرب، والدعوة إليها، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة.. وينص على الإحترام المتبادل لحق كل دولة في العيش في سلام، والتمتع بالسيادة، والحرية، مع الحد من خطر استخدام القوة، أو التهديد بها.. وضمان حدودها، وسلامة أراضيها، ومنحها حرية الملاحة في الممرات الدولية.. كما يدعو للحد من سباق التسلح في المنطقة.. ويطلب المشروع الأمريكي من السكرتير العام إرسال مبعوث خاص لتنفيذ المشروع، وتحقيق السلام الدائم في الشرق الأوسط على أن يقدم تقريراً لمجلس الأمن..
((أما المشروع المقدم من الهند، ومالي، ونيجيريا، فيؤكد حق كل دولة في الحياة بسلام، وأمن، واحترام سيادتها، واستقلالها السياسي، ويدعو لإنهاء حالة الحرب، كما يطالب بتسوية عادلة لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.. ويطالب بسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي العربية التي احتلتها أثناء القتال الذي بدأ في الخامس من شهر يونيو الماضي، كما يطالب أيضاً بإرسال مبعوث خاص للأمم المتحدة بغية تنسيق الجهود لتنفيذ المشروع المقترح، على أن يقدم تقريراً لمجلس الأمن خلال 30 يوما)) هذا ما أوردته صحيفة ((الرأي العام)) ونحن الذين وضعنا الخطوط تحت الكلام لنعين القارئ على متابعة ما جاء في المشروع الأمريكي مما يظهر، بوضوح، عدم أمانة السيد هيكل، وبخاصة حين قال إن أمريكا (( تراجعت عن الخطوط العامة التي أعلنها الرئيس لندون جونسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية نفسه)).. وحين قال: (وكأنه يخبرنا عما قاله الأمريكان) ((على العرب أن يقبلوا ضم أجزاء من أوطانهم التي تعرضت لمؤامرة يونيو1967م لكي تضاف إلى الأرض المغتصبة في مؤامرة مايو 1948م))..
ومن أسوأ أنواع التضليل زعمه أن الأمريكان يضمرون أو يقولون:((على العرب أن ينتظروا بمشكلة اللاجئين إلى أن يمن عليهم الإحسان الأمريكي ـ أو الإسرائيلي ـ بالجود والعطاء)) مع إن المبادئ الخمسة التي كررها الرئيس جونسون، والتي يعتمد عليها المشروع الأمريكي الأخير، تقول، ((إن اقرار السلام يستدعي حل مشكلة اللاجئين، وأن على الدول المعنية أن تصل لاتفاق مباشر في هذا الصدد، وأن أمريكا ستبذل ما في وسعها في هذا الصدد))

والأستاذ هيكل يقول عن أمريكا (( كما تراجعت عن الفهم العام الذي كانت تدرك به - حسب ما جاء في تصريحات وزير خارجيتها دين رسك - أنه من المستحيل على العرب أن يقبلوا التفاوض مع إسرائيل)) ومن الغريب جداً أن يعتقد العرب أن أمريكا، أو أي دولة عاقلة من دول العالم، تحترم مثل هذا الموقف من العرب.. إن قول دين رسك يعني أن الزعماء العرب، وأن الشعوب العربية قد عاشت، مدى العشرين سنة الماضية، وهم يحلمون أحلام اليقظة بأنهم، يوماً ما، سيرمون إسرائيل في البحر، فلما أزعجهم الواقع المرير، عن حلمهم اللذيذ، بكل هذه الفجيعة، وبكل هذه الفجاءة، لم يعد من الممكن للدول أن تنتظر منهم أن يواجهوا واقعهم، وأن يتجاوبوا معه بهذه السرعة.. فاذا وجد زعيم، بينهم، يستطيع أن يفيـق على هذه الحقائق المُرة ((كما أفاق السيد جمال عبد الناصر الآن)) فإنه لا ينتظر منه أن يملك الشجاعة ليقول للشعوب العربية، صراحة، وبدون التواء، إنه من الخير لنا الآن أن نتفاوض مع إسرائيل.. هذا ما يعنيه دين رسك.. وهذا هو رأي أصدقاء العرب، وأعداء العرب، على السواء، وهو رأي لا يشرّف العرب على الإطلاق.. بل إنه رأي يظهرهم بمظهر المراهقين، القُصّر، الذين يحبون أن تغلف لهم الحقائق المرّة بطلاء يلذ لهم طعمه، ويطيب مساغه..
ولقد أوردنا لك تفاصيل المشروع الأفـروآسـيوي لتتمكن من المقارنة بينه وبين المشروع الأمريكي.. وسيظهر لك أن ليس هناك فرق بينهما إلا في مدى إصرار الأمريكان على ألا يتم الانسحاب إلا بعد إجراء التسوية النهائية للسلام في المنطقة بالمفاوضات المباشرة، وتسامح الدول الآفرو آسيوية في هذا الأمر.. وهو تسامح لم تملِه مصلحة السلام في المنطقة، وإنما أملته مجاملة العرب في أمر عاطفي، وشكلي..
إن مشكلة الولايات المتحدة أنها دولة، على ما بها من تقصير، تقدر مسئوليتها نحو السلام أكثر مما يفعل الاتحاد السوفيتي الذي تخلى عن مسئوليته بصورة مزرية ليمارس خدمة أغراضه المبيتة لاغتيال حرية البشرية على هذا الكوكب، وذلك بتضليل الشعوب، والزعماء السذج، وبإيهامهم أنه صديقهم، وأن الأمريكان أعداؤهم.. وقد انطلى هذا التضليل على رجال السياسة، ورجال الفكر العرب، حتى رأيناهم يعملون على تعميق الخلاف بين شعوبهم، وحكوماتهم، وبين الولايات المتحدة، ويتجهون نحو الاتحاد السوفيتي، يصفونه بأنه الصديق الوفي، والحصن الآمن، وبأنه ((ديدبان السلام)) في العالم..
إن عداوة الأمريكان قد جرّها على العرب، بغير موجب، قصر نظر سياسة السيد جمال عبد الناصر، ولا تزال صحافة مصر، والبلاد العربية الأخرى، تعمل على تعميق هذه العداوة، وبغير موجب أيضاً، بل بغير أمانة، كما رأينا من مقال الأستاذ هيكل.. وهذه العداوة قد دفعت بالعرب إلى أحضان الاتحاد السوفيتي، فيما توهموه صداقة، وتسببت بذلك في تعريضهم لأسوأ أنواع التضليل الذي تعرضوا له في تاريخهم الطويل..

والآن فإنا نحن لا ندعو العرب إلى صداقة أمريكا، وإنما ندعوهم إلى الرجوع عن عداوتها.. ونحن لا ندعوهم إلى عداوة الاتحاد السوفيتي، وإنما ندعوهم إلى الرجوع عما توهموه صداقته.. وأنجع طريقة لهذا الاعتدال، وأسرعها هي مواجهة إسرائيل في مفاوضات مباشرة تقطع الطريق على عبث من يعبث بالعرب، وبالمنظمة العالمية، وتفرغ العرب ليباشروا مشكلتهم الحقيقية، وهم معتدلون، مستقلون عن السير، لا في ركاب الكتلة الشرقية، ولا في ركاب الكتلة الغربية..