في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الدستور الإسلامى؟ نعم .. ولا !!

بسم الله الرحمن الرحيم
(( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ))
صدق الله العظيم


المقدمــة


جبهة الميثاق:


لقد سقط الدستور الإسلامي الكامل في اللجنة القومية للدستور الدائم للسودان!!
وعن بعض ملابسات سقوطه يحدثنا محضر مداولات هذه اللجنة في مجلده الثاني على النحو التالي:-
((السيد موسى المبارك: جاء في مذكرة اللجنة الفنية نبذة حول الدستور الإسلامي في صفحة (7) أن يكون رأس الدولة مسلما، أود أن أسأل هل لغير المسلمين الحق في الاشتراك لانتخاب هذا الرئيس؟))
((السيد حسن الترابي: ليس هناك ما يمنع غير المسلمين من انتخاب الرئيس المسلم، الدولة تعتبر المسلمين وغير المسلمين مواطنين، أما فيما يتعلق بالمسائل الاجتهادية فإذا لم يكن هناك نص يترك الأمر للمواطنين عموما، لأن الأمر يكون عندئذ متوقفا على المصلحة، ويترك للمواطنين عموما أن يقدروا هذه المصلحة، وليس هناك ما يمنع غير المسلمين أن يشتركوا في انتخاب المسلم، أو أن يشتركوا في البرلمان لوضع القوانين الإجتهادية التي لا تقيدها نصوص من الشريعة.))
((السيد فيليب عباس غبوش: أود أن أسأل ياسيدي الرئيس، فهل من الممكن للرجل غير المسلم أن يكون في نفس المستوى فيختار ليكون رئيسا للدولة؟))
((الدكتور حسن الترابي: الجواب واضح ياسيدي الرئيس فهناك شروط أهلية أخرى كالعمر والعدالة مثلا، وأن يكون غير مرتكب جريمة، والجنسية، وما إلى مثل هذه الشروط القانونية.))
((السيد الرئيس: السيد فيليب عباس غبوش يكرر السؤال مرة أخرى.))
((السيد فيليب عباس غبوش: سؤالي يا سيدي الرئيس هو نفس السؤال الذي سأله زميلي قبل حين – فقط هذا الكلام بالعكس – فهل من الممكن أن يختار في الدولة – في إطار الدولة بالذات – رجل غير مسلم ليكون رئيسا للدولة؟))
((الدكتور حسن الترابي: لا يا سيدي الرئيس.))
هذه صورة مما جرى في بداية معارضة اقتراح الدستور الإسلامي الكامل.. ويلاحظ محاولة الدكتور الترابي التهرب من الإجابة مما أضطر معه السيد رئيس الجلسة أن يطلب من السيد فيليب عباس غبوش ليعيد السؤال ، بغية أن يتلقى عليه إجابة محددة، لأنه سؤال في حد ذاته، محدد.. فلما أعاده، لم يجد الدكتور الترابي بدا من الإجابة، فأجاب ب "لا"!! ومن تلك اللحظة بدأت المعارضة التي انتهت بهزيمة اقتراح الدستور الإسلامي الكامل، وهي معارضة قد رصدت كلها في محاضر مداولات اللجنة القومية للدستور، فلتراجع..
وتهرب الدكتور الترابي في أول أمره عن الرد المحدد ليس أمرا عرضيا، وإنما هو أمر شديد الدلالة على مبلغ التناقض الذي يرزح تحته الدكتور الترابي وزملاؤه من دعاة الإسلام، ممن تلقوا ثقافة غربية واسعة.. فهم يشعرون بضرورة مسايرة العصر الحاضر في منشآته التقدمية، وبصورة خاصة الديمقراطية، والاشتراكية، ثم انهم لا يجدون في الفكر الإسلامي الذي تتلمذوا عليه ما يسعفهم بهذه المسايرة، فظلوا يعيشون تناقضا مزعجا، جنى على ملكاتهم، وعطل طاقاتهم، وأظهرهم بمظهر يستوجب الرثاء، ويستدر الإشفاق.

ودعاة إسلاميون آخرون


وحين سقط الدستور الإسلامي الكامل في اللجنة القومية قام نفر من كرام المواطنين ، يمثلون صفوة ممن جمعوا بين الثقافة الغربية وبعض الثقافة الإسلامية ، وأسموا أنفسهم "الهيئة الوطنية للدستور الإسلامي" وأصدروا مذكرة عن "الدستور الإسلامي الكامل ، لجمهورية السودان" .. وقد جاء في ديباجة هذه المذكرة قولهم : ((وقد كان نتيجة لذلك أن أعلنت الأحزاب الشمالية الرضا بالدستور الإسلامي على اختلاف بينها . وأن ذلك الخلاف الذي حدث داخل اللجنة القومية للدستور أدى إلى أن يجتمع فريق من إخوانكم بالعاصمة المثلثة ويتشاوروا في الطريقة المثلى التي تفضي بنا إلى دستور إسلامي كامل .
((وقد شكلت هيئة تحت اسم الهيئة الوطنية للدستور الإسلامي الكامل . وبعد عديد من الاجتماعات أنتهت الهيئة إلى تشكيل مجلس للبحث والتشاور والاتصال بالسادة زعماء الأحزاب تسألهم مناصرة الدستور الإسلامي الكامل ، ماداموا مقتنعين بأن بناء الدولة وفقه سيؤدي إلى سعادة المواطنين أجمعين مسلمين وغيرهم .))
((وقد اتصلت الهيئة بالسادة رؤساء الأحزاب وزعماء الطوائف فوجدت منهم ترحيبا وتأييدا ومنهم من رغب إلى هذه الهيئة أن تضع مذكرة تحدد فيها السمات البارزة التي يتميز بها الدستور الإسلامي عما عداه من الدساتير .))
((لذلك فقد كلفت الهيئة سبعة من أعضائها لصياغة المذكرة . ولما فرغت اللجنة من وضع المذكرة عرضتها على الهيئة فناقشتها ثم أقرتها على هذا الوضع الذي بين يدي القارئ.
وفيما يلي أسماء الهيئة ولجنة الصياغة :

1- السيد الدرديري محمد عثمان رئيسا
2- السيد الدكتور كامل الباقر سكرتيرا
3- السيد أحمد البيلي مقررا
4- السيد عبد الماجد علي أبوقصيصة
5- السيد عوض الله صالح
6- السيد مندور المهدي
7- السيد بدوي مصطفى
8- السيد مجذوب مدثر الحجاز
9- السيد محمد العربي
10- السيد أبشر أحمد حميده
11- السيد داؤد الخليفة عبد الله
12- السيد يوسف اسحق حمد النيل
13- السيد على طالب الله
14- السيد محمد هاشم الهدية
15- السيد عوض حامد جبر الدار
16- السيد يوسف الخليفة أبوبكر
17- السيد عمر عبد الله صبير
أسماء لجنة الصياغة
1- السيد الدرديري محمد عثمان
2- السيد الدكتور كامل الباقر
3- السيد مجذوب مدثر الحجاز
4- السيد عوض الله صالح
5- السيد بدوي مصطفى
6- السيد مندور المهدي
7- السيد أحمد البيلي
(( هذا – ونحن نأمل أن تقف الأحزاب على اختلافها إلى جانب هذه المبادئ ، وأن يقف بجانبها كذلك اعضاء الجمعية التأسيسية حتى يضعوا للأمة ما نادت به من دستور إسلامي كامل يحقق الخير لأفرادها أجمعين .))
(( وإننا لنهيب بأفراد الأمة على اختلاف أحزابهم وطوائفهم أن نعمل في تكاتف ودأب وصلابة لبناء دولتنا على أساس الإسلام ، ومن كان ذلك هدفه فالنصر حليفه . )) انتهى قولهم .
ولقد أوردنا لك هنا كشفا بأسماء السادة أعضاء هذه الهيئة حتى تتعرف عليهم ، فإنهم من أكبر رجالات هذه البلاد من جهة التحصيل العلمي ، والمناصب الرسمية في الدولة ، فماذا قالوا في هذه المبادئ التي يدعون الأحزاب والطوائف للوقوف بجانبها "في تكاتف ودأب وصلابة لبناء دولتنا على أساس الإسلام" ؟ - "ما داموا مقتنعين بأن بناء الدولة وفقه سيؤدي إلى سعادة المواطنين أجمعين مسلمين وغيرهم" ؟ قالوا من صفحة (5) " عندما ننادي بقيام الدستور الإسلامي وتحقيق مبادئ الشريعة الإسلامية إنما ننادي بقيام دولة حديثة بكل ما في هذه الكلمة من مفهوم . فالديمقراطية بكل أشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية عرف الإسلام مضمونها قبل أن تتصورها الدول الحديثة . إن نظام الحكم في الإسلام يقوم على أساس أن الدولة أرض ، وشعب ، وحكومة ، كما هو الحال في تصورها الحديث" هذا ما قالوه في صفحة نمرة 5 ولكن اقرأ ما قالوه في صفحة نمرة 11 .
1- الديمقراطية
صارت الديمقراطية من الشعارات التي تحمل معاني كثيرة ومتناقضة بمستوى التناقض القائم بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي . فالدول الشيوعية تصف أنظمتها بالديمقراطية وكذلك تفعل الدول الغربية الرأسمالية على الرغم مما بين الشرق والغرب من خلاف في المبادئ والفلسفات أما المسلمون فقد وصفهم الله بقوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) 143 – البقرة .
2- الاشتراكية
كذلك يحمل لفظ "الاشتراكية" من المعاني المتناقضة ما يجعل استعماله في أي شكل من الأشكال وسيلة لاستغلاله للانحراف بمبادئ العدالة الإنسانية وإشعال حرب الطبقات بين المجتمع وإذا كان الإسلام متضمنا لجميع معاني العدالة والشورى وكل مبادئ الإنسانية السليمة إذن فلا نرى أي مبرر لورود كلمتي "الاشتراكية" "والديمقراطية" ضمن بنود الدستور ، ويكفى أن يوصف الدستور بأنه إسلامي .
((اللهم إلا إذا اتهمنا الإسلام بالقصور وعدم الكمال والشمول وهو أمر لا يدور بخلد واحد من المسلمين)) انتهي كلامهم .

القصور قصور المسلمين لا قصور الإسلام


والذي يطلع على مذكرة "الهيئة الوطنية للدستور الإسلامي" من المسلمين الواعين لا يخطر بباله قصور الإسلام ولكن يتجسد أمامه قصور دعاة الإسلام ، حتى عن الإدراك السليم لقضايا العصر فضلا عن الإدراك السليم لحقائق الإسلام . يضاف إلى كل ذلك أن هذه الهيئة يمكن أن تتهم بعدم الأمانة الفكرية . فهي قد شعرت بالحاجة إلى المراوغة التي شعر بها الدكتور الترابي ، ولما لم يكن عندها فيليب عباس غبوش ليضطرها إلى التحديد ، كما جرى للدكتور الترابي ، حاولت أن تغرق غموضها في الأسلوب المنمق ، الفج ، الذي لا يحوي من الحق شيئا ، بل إنه ليقوم على الباطل .. فاقرأوا إن شئتم قولهم من صفحة نمرة 8 ، تحت عنوان "حقوق غير المسلم" .
"1- سكان الدولة من غير المسلمين يتمتعون ، في حدود القانون ، بحرية تامة في دياناتهم ، وعباداتهم ، وتعليمهم الديني ، (لا إكراه في الدين ، قد تبين الرشد من الغي) "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ، إن الله يحب المقسطين " "وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد"
"2- من حقهم أن يطالبوا بالقضاء في أحوالهم الشخصية حسب قانونهم الديني أو تقاليدهم الخاصة "
"3- يتساوون مع المسلمين في الحقوق والواجبات الأخرى"
هذا مع أن كل من أوتي أقل حظ من المعرفة بالشريعة يعلم أن سكان الدولة من غير المسلمين - من يهود ونصارى وغيرهم - يعرفون باسم الذميين ، وهم من أعطاهم المسلمون الأمان على مالهم ، وعرضهم ، ودمهم ، مقابل أن يعطوا الجزية - فحين يعطي المسلم القادر الزكاة يعطي الذمي الجزية - ومن هاهنا فان القول بالمساواة في الحقوق ، والواجبات ، يصبح هراء باطلا .
ثم إن الآيات التي أوردوها في نمرة 1 أعلاه كلها منسوخة ولم تقم عليها الشريعة ، وهي منسوخة بآية السيف "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " ومنسوخة بآية "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ، ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ، ورسوله ، ولا يدينون دين الحق ، من الذين أوتوا الكتاب ، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" فهل مع هذه العبارة الواضحة يزعم زاعم أنهم "يتساوون مع المسلمين في الحقوق والواجبات الأخرى" ؟
ثم انك عندما تتحدث عن الديمقراطية - وأنت تتحدث عنها بمجرد حديثك عن الدستور - فإنه لا يكفي أن تساوي بين المواطنين في بعض الحقوق والواجبات ، وتميز بينهم في بعضها الآخر تمييزا يقوم على أساس العقيدة ، أو العنصر ، أو الطبقة ، مثلا . ولابد من المساواة التامة بين المواطنين في جميع الحقوق والواجبات - وإلا فلا تتحدث عن الدستور ، ولا تتحدث عن الديمقراطية .