في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الدستور الإسلامى؟ نعم .. ولا !!

خاتمة:


قلنا في مستهل هذا السفر أن اقتراح الدستور الكامل قد سقط. ونحب أن نكون واضحين فان الدستور الإسلامي لم يسقط لأنه لم يقدم، وإنما سقط دستور ناقص، جاهل، انتحل له اسم الدستور الإسلامي الكامل. ومن حسن التوفيق أنه سقط، وقد سقط هذا الاقتراح وهو مقدم من اللجنة الفنية. ويمثل وجهة نظر جبهة الميثاق الإسلامي، عن الدستور الإسلامي فماذا قالت جبهة الميثاق الإسلامي بعد سقوطه؟ قالت في العدد الخاص الذي أصدرته، من جريدة الميثاق بتاريخ 31 ديسمبر عام 1967 تحت عنوان "صورة المستقبل في السودان كما يرسمها الدستور الإسلامي" قالت "لقد اكتملت اليوم قرارات اللجنة القومية للدستور وأجيزت مسودة الدستور الدائم ويمكن أن يقال عن الدستور الدائم أنه به درجة معقولة من الالتزام بالإسلام يظهر ذلك في المادة الأولى "أن يكون دستور السودان مستمدا من مبادئ الإسلام وروحه" فهم قد أسموه الدستور الإسلامي وقالوا "انه به درجة معقولة من الالتزام بالإسلام" هذا وكل من يعرف يعرف أن الإسلام لا يتجزأ، وانه إذا كان عندك دستور هو خمسة وتسعون في المائة إسلامي، وخمسة في المائة غير إسلامي فهو دستور غير إسلامي، ومن يدري فلعل عند الله الخمسة في المائة التي فاتتك أهم من الخمسة والتسعين في المائة التي أحرزتها، وما أجد بين يدي الآن عبارة تدل على جهل جبهة الميثاق بالإسلام مثل هذه العبارة التي أوردناها آنفا .. ثم تمضي هذه الجريدة في تضليل للناس مؤسف، فاسمعها تقول "إن إقرار الدستور الدائم سيضع أمامنا وأمام السودان كله فكرة إيجابية ستكون منظارا نرى به أوضاعنا ونعمل على تغييرها وفق الفكرة الإسلامية" ثم تمضي في ذلك إلى أن تقول "والحل الشافي في نظري للقضايا المختلفة المتشابكة التي تعاني منها البلاد ينبغي أن، يكون حلا ينبع من تصور للحياة مقبول لدى الناس أولا وثانيا أن يكون حلا متناسقا مع كافة الحلول الفرعية، مثل هذا الوضع سيمكن الجهاز التنفيذي أن يكون فعالا وغير متناقض وسيجنبه الضغط المتلاحق ليتخذ قرارات أما متناقضة أو غير منسجمة يفسرها اتجاه عام وتصور واضح من ناحية أخرى فان التكوين العقائدي لعامة الناس سيقوى الآن بعد اقرار الدستور الإسلامي (كذا) حاستهم لتلمس النواحي السياسية التخطيطية، والتطبيقات العملية للسياسة في كافة أوجه الحياة والتي تعارض نظرة الإسلام للحياة ومن ناحية أخرى فان التخطيط سيتجه إلى الوجهة التي سيضعها الشعب كمقياس لصلاحيتها وسيتجه كذلك التفكير السياسي وجهة يجتهد ليقترب بها من الإسلام" هذا ماقالته هذه الصحيفة، واعترف للقارىء أن قلبي انقبض قبضة شديدة وأنا أتابع هذه الأسطر لأنقلها لك، فإنها شديدة الظلام، وتمضي الصحيفة في حديثها، وما تريد أن تقوله للناس هو أننا نريدكم أن تعطونا فرصة أخرى في الانتخابات المقبلة لنواصل النضال لنحقق لكم الإسلام الكامل، ولقد كنت أنوي أن، أنقل لكم فقرات من هذه العبارات، ولكن نفسي انقبضت، فمن شاء فليراجع هذا المقال المسف.
إن جبهة الميثاق أسوأ من استغل الإسلام في هذه البلاد لأغراض السياسة.. ولقد أصدر الحزب الجمهوري منشورا بتاريخ 21/11/1965 بعنوان "استغلال الدين للأغراض السياسية أضر بالدين، وبأخلاق الأمة، من دعوة الإلحاد السافرة" ولقد جاء في ذلك المنشور قولنا:- "طالعتنا الصحف بخبر عن الطالب المنكوب شوقى محمد على يقول أنه "سيطلق سراحه بعد أن يتم أخذ أقوال السيدة سعاد الفاتح كتابة، وبعد إرساله إلى مستشفى الأمراض العصبية، بناء على طلب السيد فتحي حسن كاشف محامي المتهم الذي قدم طلبا للمحاكمة قال فيه أن المتهم مصاب بمرض عصبي، وكان يتعالج في مستشفى الأمراض العصبية"، ومعنى هذا أن جميع أقوال، وأعمال المسئولين في هذا البلد قد انبنت على قولة طالب غير مسئول شرعا، ونحن لم نكتب الآن لنقرر هذه الحقيقة المؤلمة، فإن محاسبة المسؤولين، غير المسئولين، سيجيء بها يوم تجف من هول سؤاله أسلات الألسن، وإنا لذلك اليوم لمنتظرون.. فلينتظروا ، ولكننا كتبنا لنبين للشعب الأتي:-
"1- الحزب الجمهوري يدعو لتطوير بعض صور الشريعة الإسلامية التي جاءت وهي تحمل سمة "الموقوتية" لتصبح أقدر على حل مشاكل عالم اليوم، فتصبح بذلك أدخل في أغراض الإسلام، لأن أغراض الإسلام التشريع للمجتمع في مستوى مشاكله، ومستوى إمكانه، ومستوى مجتمعنا الحاضر، من جميع الوجوه ، غير مستوى مجتمع أسلافنا.
2- جميع الهيئات الإسلامية، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، يعارضون رأي الحزب الجمهوري في التطوير، ويرون أن جميع صور الشريعة الإسلامية الواردة فيها النصوص القطعية لا تحتاج منا إلا إلى التطبيق من جديد لتحل مشاكل عالمنا الحاضر على أتم الوجوه.
3- مع ذلك، فأن جماعة الإخوان المسلمين، مجاراة منها لحكومة أكتوبر الأولى، أعطت المرأة المسلمة حق التصويت، وحق الترشيح، على قدم المساواة مع الرجل.
4- جماعة الإخوان المسلمين قدمت امرأة شابة، هي السيدة سعاد الفاتح، لتحاضر طلبة معهد المعلمين العالي في بعض شؤون المرأة المسلمة، كما بلغنا. وقد وقع الحادث المشئوم في تلك المحاضرة.
5- من حق هذا الشعب المسلم أن يسأل هذه الجماعة من أين جاءت بعملها هذا الذي تنسبه للإسلام بتشريعه الحاضر؟" هذا ما حواه منشورنا يومئذ، ونحن نضيف اليوم أن جبهة الميثاق لا تعرف الإسلام، ولا يهمها أن تعرفه، وإنما تستغله أشنع استغلال، وتضلل به هذا الشعب حين تحدثه عن الدستور الإسلامي بالأسلوب الذي أوردنا لكم نمطا منه..
وهذا الدستور الذي بين يدي الجمعية التأسيسية الآن، والذي تسميه جريدة الميثاق دستورا إسلاميا، لا يستحق أن، يسمى دستورا، على الإطلاق، فهو قد تغول على أصل الحقوق الأساسية تحت ستار محاربة الشيوعية، وتغول على استقلال القضاء، ثم هو مثل من التناقض المحزن .. ففي المادة الأولى يقول "السودان جمهورية ديمقراطية اشتراكية، تقوم على هدي الإسلام" وفي المادة نمرة 113 يقول "الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي لقوانين الدولة" وفي المادة نمرة 114 يقول "يعتبر باطلا كل نص في أي قانون يصدر بعد إجازة هذا الدستور ويكون مخالفا لأي حكم من أحكام الكتاب والسنة إلا إذا كانت تلك المخالفة قائمة في جوهرها قبل إجازة الدستور" ونحن نقرر هنا أن ليس في الشريعة الإسلامية – الزكاة ذات المقادير – اشتراكية وليس في الشريعة ديمقراطية.. ومن ثم فإن في هذه المواد تناقضا يجعل الدستور حبرا على ورق.
وتناقض آخر، على سبيل المثال، في المادة نمرة 18 "تكفل الدولة للوالدين الحق في اختيار التعليم الذي يريدونه لأبنائهم" وفي المادة نمرة 22 "تعمل الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية في الاقتصاد وتحرير المجتمع من الظلم والاحتكار والربا وعلى توجيه النهضة الاقتصادية بالتخطيط العلمي الدقيق بما يضمن زيادة مضطردة في الإنتاج تحقق الاكتفاء الذاتي وتكفل العيش الكريم للمواطنين وبما يمنع الاستغلال الاقتصادي ويحقق توزيع الدخل القومي توزيعا عادلا بين المواطنين." هذا مجرد إنشاء جميل، ولم يقصد منه غير ذلك، وإلا فكل من أوتي أدنى بصر بالأمور يعرف أن التخطيط الاقتصادي الدقيق يعني إعداد فنيين بأعيانهم، كما، وكيفا، فأنت لابد لك من أن تخرج مهندسين معماريين، وميكانيكيين، وكهربائيين، وزراعيين، ولابد لك من أطباء بيطريين، وبشريين. ولابد لك من كافة الفنيين، لتخرجهم بأعداد مرسومة، فإذا قلت كما قالت المادة نمرة 18 "تكفل الدولة للوالدين الحق في اختيار التعليم الذي يريدونه لأبنائهم" فانك تكون أحد رجلين .. إما رجلا لا يعني ما يقول ، حين تتحدث عن التخطيط الاقتصادي ، أو رجلا لا يفهم ما يقول..
والإنشاء الجميل هو المظهر العام لمشروع الدستور الذي تناقشه الجمعية الآن، وغياب المنهاج المرسوم للتنفيذ يدفع الإنسان ليظن أن ليس هناك أمر يراد وراء الإنشاء الجميل.. وليس الأمر بالطبع يقوم على سوء نية عند أحد ممن باشروا إعداد هذا المشروع، ولكنه يقوم على جهل موبق..
اقرأ إن شئت المادة نمرة 14 "تسعى الدولة جاهدة لبث الوعي الديني بين المواطنين وتعمل على تطهير المجتمع من الإلحاد ومن كافة صور الفساد والانحلال الخلقي" تجد إنشاء جميلا يروقك، وقد يكسبك بسرعة إلى جانب مشروع الدستور.. ولكن قف، واسأل، كيف يتم للدولة "تطهير المجتمع من الإلحاد ومن كافة صور الفساد"؟ السنا جميعا نعرف أن أجهزة الدولة كلها فاسدة؟ ألسنا نشكو هذا الفساد في الوزراء؟ وفي الخدمة المدنية؟ وفي النظام الحزبي؟؟ أم هل ننتظر أن نجني من الشوك العنب؟؟
واقرأ المادة نمرة 15 وهي أغرب من سابقتها:-
"تشرف الدولة على المناهج الدراسية والتربوية في جميع المؤسسات التعليمية وتوجهها لتمكين الإيمان بالله وحب الوطن وغرس الفضيلة والقيم الأخلاقية والشعور بالمسئولية"
انظر إلى عبارة "الايمان بالله" هذه التي تأتي عن طريق "المناهج الدراسية" التي تشرف عليها أجهزة طوعت لها قلة إيمانها بالله أن تستغل دينه لدنياها؟
إن الحزب الجمهوري ظل يدعو، ولن ينفك، إلى إحداث ثورة فكرية، وقد قال في احدث كتبه، وهو "مشكلة الشرق الأوسط" .. "لابد من الثورة الفكرية وسط الشعوب العربية، وذلك بعودة (لا اله إلا الله) في بساطتها، ونقاوتها، وصدقها، كعهدنا بها في القرن السابع الميلادي، في شعاب مكة، وأرجاء الحجاز"
وهذه الدعوة قد وجدت الاستجابة لها، ونشأ على أساسها مجتمع جمهوري صغير، وسط المجتمع السوداني. وهذا المجتمع الصغير آخذة حدوده في الاتساع باستمرار، وهو، إن شاء الله، المقصود بالإشارة النبوية الكريمة في حديث الغرباء.
ولدى هذا المجتمع الجمهوري فإن مشروع الدستور الذي تناقشه الجمعية الآن ليس فقط دستورا مزيفا، بل انه، على التحقيق، أكبر وثيقة تضليل رسمية، "أو تحاول أن تكون رسمية" منى بها هذا الشعب السوداني، منذ أن عرف الاستقلال أو قل، منذ أن جلا عنه الحاكم الأجنبي، إن أردت الدقة في التعبير ..
إذا اصبح هذا المشروع دستورا فان الحزب الجمهوري أول من يعلن عدم احترامه إياه..
تحت الإعداد الآن مشروع للدستور الدائم للسودان، وهو دستور القرآن، وهو، على ذلك، دستور سينتفع به كل الناس، على اختلاف ألسنتهم، ونحلهم، وألوانهم، لأن القرآن في حقيقته قد جاء لكافة الناس وسيخرج به سفر عما قريب، إن شاء الله، والله ولي التوفيق وولي التسديد..