لو كان الشعب واعي لوقف وقفة رجل واحد. نحن بنعتقد إنه راح يوعى، وراح يقيف وقفة رجل واحد، وراح يغيير، وكل ناس بحاولوا يكيدوا لهذا الشعب، سيكون كيدهم في نحرهم إن شاء الله.. دا ما عودنا ليهو الله في حماية حقوق الشعب دا ورعاية مصلحته.

محاضرة الإستقلال وقضايا الشعب - ٣١ ديسمبر ١٩٦٨




زعيم جبهة الميثاق فى ميزان: ١) الثقافة الغربية ٢) الإسلام

عقلية الدكتور الترابي

عقلية الدكتور الترابي


ونحن لا نعتقد أن الدكتور الترابي ذهب مذهبه في كتابه الغريب بفعل الرغبة أو الرهبة ، بقدر ما ذهبه بفعل ضحالة الثقافة ، وسطحية التفكير .. يمد له في مذهبه كونه مفتونا بثقافته القانونية أشد الفتون .
ومفتاح عقلية الدكتور الترابي ومفتاح ثقافته ، في هذا الباب ، يمكن أن يلتمس في فقرات كثيرات من كتابه هذا الغريب ، ولكننا نرشح هنا لهذا الغرض قوله من صفحة 16 ((وليس في متن الدستور ولا في مبادئ التفسير بالطبع ما يعول عليه للتفريق بين نص ونص على أساس أن هذا قابل للتعديل والآخر غير قابل ، ولا ما يسند الزعم بأن لفصل الحقوق الأساسية خاصية تميزه في هذا الصدد عن سائر الفصول ، فكلها تستوي في قوة مفعولها ، وأيما قانوني تعلل بمجرد الأهمية النسبية لهذا الفصل أو ذاك في تقديره الشخصي ، فإنما هو متكلف لا شاهد له من الدستور ، ومغالط لا حجة له من القانون ، ومعتبط يتجنى على القانون)).
((ولو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور لكان فصل الحريات من أضعفها لأنه يخضع للتشريع)) هذا ما قاله الدكتور الترابي في ذلك الموضع من كتابه ، والتماس فتون الدكتور بثقافته القانونية في هذه الفقرة لا يعيي أحدا من القراء ، ولذلك فانا سنمضي في تبيين ضحالة الثقافة وسطحية التفكير .. ونبادر فنعيد إلى التفكير ما سبق أن قررناه في صدر هذا الباب من أن الدستور إنما هو لازمة من لوازم الحكم الديمقراطي ، ومن أن الديمقراطية قد زيفت تزييفا موبقا ، ونضيف في هذا الموضع أن تزييف الديمقراطية قد انسحب على الدستور . وأن هذا التزييف للديمقراطية وللدستور قد جاز على كثير ممن لم يتعمقوا الثقافة الغربية ، حتى من الغربيين أنفسهم .. ومعلوم أن الديمقراطية نشأت في بلاد الإغريق ، وفي مدينة أثينا بالذات وقد كانت أرقى مدن الإغريق ثقافة ، وكانت كل مدينة من مدن الإغريق يومئذ دولة قائمة بذاتها .. وما نحب هنا أن نتابع تطورات فكرة الديمقراطية منذ نشأتها فإن لنا مع القراء موعدا بذلك حين يصدر الحزب الجمهوري كتابه المقبل بعنوان ((الإسلام ديمقراطي اشتراكي)) ولكن لا بد من الإشارة هنا الى معنى الديمقراطية . . ولا بأس من إيراد خطاب بركليس وقد كان أعظم الخطباء المتكلمين باسم الديمقراطية الأثينية ، وقد صور هذه الديمقراطية بعبارات حافلة في خطابه المعروف باسم خطبة الجنازة التي ألقاها في مناسبة الاحتفال الشعبي بدفن الذين قتلوا في الحرب ضد إسبارطة سنة 430 قبل الميلاد .. قال بركليس ((إنما تسمى حكومتنا ديمقراطية لأنها في أيدي الكثرة دون القلة ، وان قوانيننا لتكفل المساواة في العدالة للجميع ، في منازعاتهم الخاصة ، كما أن الرأي العام عندنا يرحب بالموهبة ويكرمها في كل عمل يتحقق ، لا لأي سبب طائفي ، ولكن على أسس من التفوق فحسب ، ثم إننا نتيح فرصة مطلقة للجميع في حياتنا العامة ، فنحن نعمل بالروح ذاتها في علاقاتنا اليومية فيما بيننا . ولا يوغرنا ضد جارنا أن يفعل ما يحلو له ، ولا نوجه إليه نظرات محنقة قد لا تضر ، ولكنها غير مستحبة))
((ونحن نلتزم بحدود القانون اشد التزام في تصرفاتنا العامة ، وان كنا صرحاء ودودين في علاقاتنا الخاصة . فنحن ندرك قيود التوقير ، نطيع رجال الحكم والقوانين ، لا سيما تلك القوانين التي تحمي المظلوم والقوانين غير المكتوبة التي يجلب انتهاكها عارا غير منكور . ومع ذلك فان مدينتنا لا تفرض علينا العمل وحده طيلة اليوم . فما من مدينة أخرى توفر ما نوفره من أسباب الترويح للنفس من مباريات وقرابين على مدار السنة ، ومن جمال في بيئتنا العامة يشرح الصدر ويسر العين يوما بعد يوم . وفوق هذا ، فان هذه المدينة من الكبر والقوة بحيث تتدفق عليها ثروة العالم بأسره ، ومن ثم فان منتجاتنا المحلية لم تعد مألوفة لدينا أكثر من منتجات الدول الأخرى))
((إننا نحب الجمال دون إسراف ، والحكمة في غير تجرد من الشجاعة والشهامة ، ونحن نستخدم الثروة لا كوسيلة للغرور والمباهاة ، وإنما كفرصة لأداء الخدمات . وليس الاعتراف بالفقر عيبا ، إنما العيب هو القعود عن أي جهد للتغلب عليه))
((وما من مواطن أثيني يهمل الشئون العامة لإغراقه في الانصراف الى شئونه الخاصة . والشخص الذي لا يعنى بالشئون العامة لا نعتبره (هادئا وادعا) وإنما نعتبره غير ذي نفع))
((وإذا كانت قلة منا هم الذين يرسمون أية سياسة فانا جميعا قضاة صالحون للحكم على هذه السياسة . وفي رأينا إن أكبر معوق للعمل ، هو نقص المعلومات الوافية – التي تكتسب من النقاش قبل الإقدام – وليس النقاش ذاته)) هذا ما قاله بركليس قبل ألفين وأربعمائة سنة ، ومنه يتضح إن الديمقراطية أسلوب حكم ، ومنهاج حياة ، بها تتنسق جميع العلاقات بين الناس ، وهي تقوم ، فوق كل اعتبار ، على احترام كرامة الإنسان ، وحيثما يجد هذا الاعتبار اعترافا فتطبيقاته تكون مستويات السلوك في المجتمع ، وهي تكون اتفاقا متبادلا أكثر منها قسراً .. وصدقا وليس زيفا ويجب أن يكون واضحا أن الديمقراطية ليست أجهزة الحكم الديمقراطي ، فنحن لا نكون ديمقراطيين لمجرد أن عندنا جمعية تأسيسية لتضع لنا الدستور ، ولا نكون ديمقراطيين لمجرد إن عندنا هيئة تشريعية ، وهيئة تنفيذية ، وهيئة قضائية، تحتفظ كل هيئة باستقلالها وتعمل ، مع ذلك ، في تناسق مع بعضها .. ولكننا نكون ديمقراطيين إذا كانت عندنا جميع هذه الهيئات ، وهي تعمل لتكفل لنا أسلوبا من الحكم يحقق كرامة الإنسان وبالرغم من تباين نمو الديمقراطية في مختلف أرجاء العالم فإنها تنبع في كل مكان من مبادئ أساسية ، ويمكن التعبير عن هذه المبادئ على النحو التالي :
1- الديمقراطية تعترف بالمساواة الأساسية بين الناس .
2- الديمقراطية تجعل قيمة الفرد فوق قيمة الدولة .
3- الديمقراطية تجعل الحكومة خادمة الشعب - لا سيدته .
4- الديمقراطية تقوم على حكم القانون .
5- الديمقراطية تسترشد بالعقل والتجربة والخبرة .
6- الديمقراطية تقوم على حكم الأغلبية ولكن حقوق الأقلية مقدسة .
7- الإجراءات أو الوسائل الديمقراطية تستخدم لتحقيق الغايات في الدول الديمقراطية.
وتعد المساواة الأساسية بين كافة الناس مظهراً من أهم المظاهر المذهب الديمقراطي.. فالناس من حيث هم ناس، مهما فرقت بينهم فوارق الجنس ، أو اللون ، أو اللغة ، أو الدين ، أو القومية ، أو الطبقة ، فإن هناك شيئا أساسيا مشتركا بينهم ، هو العقل.. والقدرة على التفكير .. والناس بهذه النظرة ليسوا مجرد أعضاء في طائفة اجتماعية أو طبقة اقتصادية ، أو قومية معينة ، لأن ((الذي يتساوون فيه بصفة أساسية يأتى مما يشتركون فيه ، لا مما يفرق بينهم))
وفي إعلان الاستقلال الأمريكي ينعكس الإيمان بأن جميع الناس متساوون ، من ناحية امتلاكهم حقوقا أساسية معينة ، لا نزاع فيها : مثل ((حق الحياة)) ، و ((الحرية)) ، و ((السعي وراء السعادة)) .. وفي رأي واضعي هذا الإعلان أن المساواة التي يحصل عليها الإنسان عند الميلاد ليست منحة ، وإنما هي حق .. وعبارة ((السعي وراء السعادة)) تعبر أحسن تعبير عن الفكرة القائلة بأن ((الإنسان لا يملك الحق في السعادة من حيث أن الدولة أو أسرته ، أو أصدقاءه مدينون له بالسعادة ، بل من حيث أن له الحق فقط في أن يسعى وراء السعادة ، وألا تعوقه عن ذلك عقبات لا مبرر لها)) ، وإنما قام نظام الحكم الديمقراطي ليجعل كل هذه الحقوق الأساسية مكفولة . والدستور ، الذي هو لازمة من لوازم الحكم الديمقراطي ، هو القانون الأساسي ، وهو إنما سمي قانونا أساسيا لأنه ينصص على هذه الحقوق الأساسية ، وإنما سميت الهيئة التي تضع الدستور جمعية تأسيسية لأنها تضع القانون الأساسي ، وواضح أن الحقوق الأساسية إنما سميت حقوقا أساسية لأنها تولد مع الإنسان .. الحياة والحرية ، هي حقوق لأنها لا تمنح ولا تسلب في شرعة العدل .. وهي أساسية لأنها كالغذاء وكالهواء والماء ..
ويمكن إذن أن يقال أن الدستور هو ((حق حرية الرأي)) وأن كل مواد الدستور الأخرى ، بل وكل مواد القانون ، موجودة في هذه العبارة الموجزة كما توجد الشجرة في البذرة .. فإن النخلة ، بكل عروقها ، وفروعها ، وساقها ، موجودة في ((الحصاية)) تراها عين العقل فإذا وجدت ((الحصاية)) الظرف المناسب ، من التربة ، والماء ، خرجت منها النخلة، بكل مقوماتها، وأصبحت ماثلة تراها عين الرأس أيضاً ، بعد أن كانت معدومة في حقها .. وكذلك الدستور هو موجود بالجرثومة في الحق الأساسي – ((حق حرية الرأي)) ، وما الجمعية التأسيسية إلا الظرف المناسب الذي يجعل شجرة الدستور ، بفروعها ، وعروقها ، وساقها تنطلق من تلك البذرة الصغيرة ، كما انطلقت النخلة من ((الحصاية)).
هذا فهم للديمقراطية وللدستور وللحقوق الأساسية يفهمه كل مثقف استطاع أن ينفذ من قشور الثقافة الغربية إلى اللباب ، ولكن الدكتور الترابي وقف مع القشور حين ظن أن ((ليس في متن الدستور ولا في مبادئ التفسير بالطبع ما يعول عليه في التفريق بين نص ونص على أساس إن هذا قابل للتعديل والآخر غير قابل))
ولو كان الدكتور الترابي قد نفذ إلى لباب الثقافة الغربية لعلم أن المادة 5 (2) من دستور السودان المؤقت غير قابلة للتعديل . وهذه المادة تقول ((لجميع الأشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم والحق في تأليف الجمعيات والاتحادات في حدود القانون)) وهي غير قابلة للتعديل لأنها هي جرثومة الدستور ، التي إنما يكون عليها التفريع .. وهي الدستور ، فإذا عدلت تعديلا يمكن من قيام تشريعات تصادر حرية التعبير عن الرأي فان الدستور قد تقوض تقوضا تاما .. ولا يستقيم بعد ذلك الحديث عن الحكم الديمقراطي إلا على أساس الديمقراطية المزيفة .. وهي ما يبدو أن الدكتور الترابي قد تورط في تضليلها .
المادة 5 (2) هي دستور السودان المؤقت ، وهي دستور السودان المستديم ، وهي دستور كل حكم ديمقراطي ، حيث وجد هذا الحكم الديمقراطي ، وعمل الجمعية التأسيسية في وضع الدستور إنما هو تفريع عليها ، ليجعل تحقيقها اكمل وأتم .
وهناك قولة قالها الدكتور الترابي هي إحدى الكبر في شرعة العقل المفكر ، والثقافة الصحيحة ، وتلك هي قوله ((ولو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور لكان فصل الحريات من أضعفها لأنه يخضع للتشريع)) فعبارة ((لأنه يخضع للتشريع)) تدل دلالة قوية على أن الدكتور يجهل أموراً ما ينبغي أن تجهل في أمر الحرية ، وفي أمر التشريع .. وأول هذه الأمور أن الحرية لا تضار بالتشريع ، وإنما تزدهر بالتشريع ، اللهم إلا إن كان هذا التشريع يقوم على نزوات الحكم المطلق ، الذي يسمي نفسه ديمقراطية ، زوراً وبهتاناً .. وهذا ما يبدو أن الدكتور يعنيه .. وهذه إحدى مشاكل تفكير الدكتور .. وعبارة ((في حدود القانون)) التي وردت في عجز المادة 5 (2) هي روح المادة .. لأن القانون هو الذي يعطي الحرية معناها ، ويميزها عن الفوضى.. فالتشريع صديق الحرية وليس عدوها ، وكل تشريع غير ذلك لا يسمى تشريعا ، إلا من قبيل تضليل الناس .. فالتشريع في النظام الديمقراطي طرف من الدستور وهذا هو المعنى بدستورية القوانين .. فكل تشريع يعارض الحرية ليس تشريعا دستوريا .