في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

زعيم جبهة الميثاق فى ميزان: ١) الثقافة الغربية ٢) الإسلام

الباب الأول

الدكتور الترابي في ميزان الثقافة الغربية


توطئة البحث


أول ما تجب الإشارة إليه هو أن الدستور إنما هو تعبير عن فلسفة الحكم بلغة القانون ..وهو في الأصل لازمة من لوازم الحكم الديمقراطي .. ولكن الديمقراطية تعرضت في الأيام الأخيرة الى تزييف معناها ، والى استغلال اسمها ابشع الاستغلال .. ولقد يحدثنا الفيلسوف البريطاني بيرتراند رسل عن الديمقراطية فيقول :
((يوجد في الوقت الحاضر ، فيما يتعلق بالديمقراطية وجهتا نظر مختلفتان ، ففي غربي الستار الحديدي ، فان الديمقراطية تعني ، على وجه العموم ، أن السلطة في أيدي أغلبية السكان البالغين ، وأما في شرقي الستار الحديدي فان الديمقراطية تعني الديكتاتورية العسكرية في يد قلة من الناس اختارت أن تسمي نفسها ديمقراطية)) ثم يمضي الفيلسوف فيحدثنا إن استعمال الشيوعية لكلمة (الديمقراطية) في وصف أسلوب الحكم عندهم ينطوي على قدر من ((قلة الحياء)) منقطع النظير .
وإنما يزيف معنى الديمقراطية دائماً الحكم المطلق .. وقد اتخذ في القرن العشرين صورة الحكم ((الفاشي)) في إيطاليا وفي ألمانيا وفي غيرهما . وصورة الحكم الشيوعي في روسيا ، وفي كثير من الدول غيرها ، ولا يزال يجد القبول ، بخلاف الفاشية ، في ذلك.
والحكم المطلق دائما يتجه الى القضاء على فردية الإنسان وذلك بتحويله الى سنة في الدولاب الجماعي الكبير أو الى ذرة لا أهمية لها في المجموع الكلي .. وحين تسعى الديمقراطية وراء التقدم عن طريق تنمية الفردية في الفرد بإعطائه الفرصة لتحمل المسئولية ليزداد نضجه ، يسعى الحكم المطلق الى تحقيق أغراضه باستثارة غريزة القطيع في القطيع واستغلال حاجة تلك الغريزة الى التجمع والتكتيل ، عند الطمع ، أو عند الفزع .. وفي هذا التكتيل : هناك شبه بين نظرية ((سيادة الجنس الآري)) تحت حكم النازية في ألمانيا قبل الحرب الأخيرة ونظرية ((دكتاتورية البروليتاريا)) تحت حكم الشيوعية الحاضرة .. على تفاوت كبير في الوعي بين الفاشية والشيوعية وكل من الفاشية والشيوعية اتخذت أشكال الاقتراع العام دون أن تعطيها أي مضمون ، فهي لم تسمح بوجود أحزاب معارضة ، أو بإجراء حملات انتخابية حرة ثم إن عمليات الاقتراع تجري علانية : فيراقب المسئولون الناخبين ، ولما كان عدم الاشتراك في الاقتراع يمكن أن يفسر على أنه تعبير عن العداء للحكومة فإن نتائج الانتخابات في هذه الدول المطلقة تزيد على 90 في المائة ، وقد تبلغ 99.90 في المائة ، لصالح الحكومة ، فالتشابه السياسي هو غرض من أغراض الحكومات المطلقة ، سواء كانت فاشية أو شيوعية .
وتزييف الحكومات المطلقة للديمقراطية لا يقف عند هذا الحد الذي سلفت الإشارة إليه ، بل يتعداه الى ابعد من ذلك ، فقد كان موسوليني ، وهو أستاذ هتلر، يلف الفاشية في غلالة من الروحانية ، ويضفي عليها شيئاً من حلل التصوف . فهو قد كتب مقالة في ((دائرة المعارف الطليانية)) يقول :-
((لدى الفاشستي فإن كل شيء في الدولة .. وليس هناك معنى إنساني ، أو معنى روحي .. بل وأقل من ذلك ، فليس هناك أي معنى ذا قيمة يمكن أن يكون خارج الدولة .. وبهذا المفهوم فان الفاشية مطلقة .. والدولة بوصفها تعبيراً شاملاً عن الإرادة الأخلاقية ، هي الحق ، وهي صانعة الحقوق))
وهذا استراق سمع يشبه الحق وليس بحق .. فإن الدولة لا تكون حقا إلا إذا أصبحت تعبيرا عن المشيئة الإلهية .. وهيهات !! فإن هذا أمر يلتمس في الإسلام لا الفاشية !! ويعرف كثير منا إن الشيوعية دعوة لا دينية .. وليس هذا كل الحق .. بل الحق أنها دعوة انحرفت عن طريق الدين لقصور في التصور الصحيح .. فماركس كموسوليني ، استرق السمع ، واخطأ الطريق الى الحق .. وتورط في الإلحاد من ثم . والشيوعية عقيدة أيضا ، وهي تحارب العقائد السلفية بضراوة (الضرة) ليخلو لها المكان ، فتثبت أقدامها .. ودين الشيوعية دين مادي ، وهو ما يعرف ((بالمادية الجدلية)) وهي ((فلسفة مادية تقول إن المادة والعمليات الطبيعية هما وحدهما الشيء الحقيقي ، ولهذا تنكر وجود الروح ، ويؤخذ من فلسفة ماركس التي تدعى المادية الجدلية إن التاريخ كله نتيجة المنازعات المادية ، وبخاصة الاقتصادية ، وفقا لطراز معين وهذا الطراز من النزاع يدعو القوة التي تمثل الحالة الراهنة ((النظرية)) وتدعى القوة التي تعارض الحالة الراهنة ((معارضة النظرية)) وينشأ من هذا النزاع ما يدعى (التوحيد) وهو يقوم على أساس التنسيق ، أو التوليف بين النظرية ومعارضتها ، ومجتمع المستقبل المنعدم الطبقات يعد في نظر ماركس ((توحيداً)) ، وينشأ من الصراع بين الرأسمالية (النظرية ) والحركة الثورية للشيوعية (معارضة النظرية) . ويعتقد ماركس إن نشأة مجتمع بلا طبقات سينهي النزاع الاجتماعي ، وهذه هي عملية المنطق بنفسها)) .
ونحن نقول لماركس هيهات !! كما قلنا لموسوليني .
ولكنا نعرف أن ماركس أوعى من موسوليني بمراحل عديدة ، ولكنه ذهل عما وراء ((النظرية)) وعما وراء (معارضة النظرية) وتلك أمور لا تلتمس إلا في الإسلام … وليس هذا مجال التفصيل … والذي يهمنا من هذا الاستطراد إن تزييف الحكم المطلق ، سواء كان فاشيا أو شيوعيا للديمقراطية لا يقف عند حد الشكول ، وإنما يتعداها للفلسفة أيضاً.
وهذا التزييف الموبق قد جاز على كثير من المفكرين ، وهو قد جاز على فقهاء الدساتير بصورة مؤسفة ، ذلك لأن فقهاء الدساتير ، ككثير من أصحاب الاختصاص ، قد شغلهم تجويد الاختصاص عن تفتق الذهن الذي يليق بالمفكرين : فانساقوا في ركاب التزييف ، واصبحوا ضحايا قلة الثقافة ، وجمود التفكير .
وهذا العالم المصري الدكتور السنهوري يحدثنا في كتابه ((أصول القانون)) فيقول ((ثم يبحث القانون الدستوري في عناصر الدولة الأربعة (وهي جماعة من الناس ، وإقليم ، وتنظيم ، وسيادة ) وفي شكل الدولة من نواح مختلفة (ملكية أو جمهورية ..استبدادية أو ديمقراطية أو دكتاتورية .. برلمانية أو غير برلمانية .. بسيطة أو عهدية الخ) ، فالمادة الأولى من دستور المملكة المصرية تنص ((مصر دولة ذات سيادة ، وهي حرة مستقلة ، ملكها لا يجزأ ولا ينزل عن شئ منه وحكومتها ملكية وراثية ، وشكلها نيابي هذا حديث الدكتور السنهوري وهو كما يعلم كثير من السودانيين ، يعتبر حجة في فقه الدساتير .. ومع ذلك يسف هذا الإسفاف فيحدثنا عن الدستور الذي يبحث في شكل الدولة الاستبدادية ، أو الدولة الدكتاتورية ، ودستور المملكة المصرية ، هذا الذي أورد نص المادة الأولى منه ، كان يعتبر منحة من الملك للشعب المصري .
ولقد أحببنا بهذا أن نعرض عليكم كيف أن فقهاء الدستور وحتى كبارهم ، ينخدعون لمزيفي الديمقراطية ، فيضعون خبرتهم ، ودراستهم ، وتخصصهم في خدمتهم ، ومن ثم ضد مصالح الشعوب .. والحق أن كثيراً من فقهاء القانون المدني كانوا دائما ولا يزالون يضعون أنفسهم في خدمة السلطة ، يفتونها بما تريد ، وكيفما تكن تلك الإرادة .. وذلك رغبا منهم أو رهبا ، شأنهم في ذلك شأن فقهاء الدين ، في جميع حقب التاريخ ، حين ينحط الدين في صدور الرجال والنساء .