في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

زعيم جبهة الميثاق فى ميزان: ١) الثقافة الغربية ٢) الإسلام

حل الحزب الشيوعي


يقول الدكتور الترابي في ذلك ((مهما تكن حماية الدستور للحريات الأساسية فقد حل الحزب الشيوعي بمقتضى تعديل الدستور نفسه وقد قدمنا أنه في تعديل الدستور القائم تتجلى السلطة التأسيسية كما تتجلى في إنشاء الدستور الجديد الدائم ويندرج التعديل في زمرة المبادئ العليا التي تكلف المحكمة بحراستها . وتلك الحراسة إنما هي لتأمين الدستور مما هو دونه .. أي من الأوامر الإدارية والقوانين التشريعية التي تتعدى عليه - ولا يعقل أن تكون الحراسة ضد التعديل الذي هو من نفس الدستور وصميمه أو ضد السلطة التأسيسية التي هي الصورة الحية الفعالة للسلطان الدستوري وهي التي تتحكم في الحارس والمحروس)) ..
نحن لم ننقل هذه الفقرة لنناقشها فقد أوسعنا الدكتور غثاثة في طول هذا الكتاب وعرضه ، ولكننا نقلناها لنؤكد للقراء أن الدكتور الترابي هو ضحية من زيفوا الديمقراطية من فلاسفة الحكم المطلق .. موسوليني وكارل ماركس .. فالترابي لا يرى أن الدستور فوق الجمعية التأسيسية ، وهو ما يراه كل مثقف أصيل : وإنما يرى أن الجمعية التأسيسية فوق الدستور ((وهي التي تتحكم في الحارس والمحروس)) يعني في القضاء وفي الدستور ..
ولقد سقنا لكم المثل من تفكير موسوليني زعيم الفاشية وطبقنا المقارنة وزعمنا أن الترابي تلميذ موسوليني .. ولكن الترابي لا يشعر بذلك .. والحقيقة أن الترابي شيوعي أكثر مما يظن هو ، وأكثر مما يظن أتباعه من أعضاء جبهة الميثاق .. ولكنه فاشي أكثر منه شيوعي ، لأن الشيوعية تتطلب عملاً إيجابيا في التفكير أكثر مما تتطلب الفاشية ، وهذا العمل الإيجابي لا يقوى عليه الدكتور الترابي .. فالدكتور ((شيوعي)) في معنى ما هو ((فاشي)) وذلك للقدر المشترك بين الفاشية والشيوعية في أساليب الحكم المطلق .. ذلك الحكم الذي زيف الديمقراطية تزييفاً منكراً ..
ومهما يكن من الأمر فان الدكتور الترابي ليس ضد الشيوعية إلا بعقله الواعي الذي يظهره لسانه ، أما تكوينه الداخلي في محتويات ثقافته فإنها من نفس المادة التي صنعت منها الشيوعية ، ولذلك فإن أقواله ضد الشيوعية ، وأعماله لمصلحة الشيوعية من حيث لا يدري .. ومن هذا القبيل مجاهدته الشديدة في حل الحزب الشيوعي .. فان حل الحزب الشيوعي لا يضر الحركة الشيوعية بل يمكن لها في البلاد .. لأسباب عديدة منها :-
1- الشيوعية فكرة . والأفكار لا تحارب بسن القوانين التي تضطهدها ، وإنما تحارب بالأفكار
2- الشيوعية حركة عالمية ، وليست حركة في داخل السودان وحده ، ومحاربتها بالقوانين لا تقتلها ، وإنما تضطرها لتنزل تحت الأرض ، وتستمر في نشاط سري يزيد من سحرها ويغري بها .
3- الشيوعية توهم الناس أنها تعرف مصلحتهم الحقيقية ، وإنها تسعى في إنصافهم من خصومهم ، فإذا اضطهد الشيوعيين حكومة عاجزة عن الإصلاح ، وعن حل مشاكل الناس ، فإن هذا الاضطهاد يزيد في تجنيد الناس في صفوف الشيوعيين ، لأنه يكسبهم العطف لما كانوا إنما يضطهدون في سبيل خدمة الناس وفي سبيل إنصافهم من جلاديهم .
4- أحزابنا ليست أحزاباً سياسية ، وإنما هي طائفية تقوم على الفساد ، والجهل ، والطفيلية ، ولا تستطيع أن تحكم البلاد حكماً صالحاً ، وتكميمها لأفواه الشيوعيين من معارضتها في داخل الجمعية ، وخارجها ، يمد لها في حبل الفساد ، ويستر عنها عجزها ، مما يؤيس الناس منها ، ويغريهم بالانفضاض من حولها ، ثم لا يجدون بديلاً غير الشيوعية ، فيدخلون في صفوفها زرافات ووحدانا .
5- الشيوعية مذهبية زائفة في جوهرها ، ولكن لها بريقاً خلاباً ، وهي لا تحارب إلا بالفكر الإسلامي الواعي ، وهو في السودان موجود . ولكن حل الحزب الشيوعي يحرم الفكر الإسلامي الواعي من فرصة مواجهة الشيوعية لتخليص الناس من شرورها .
6- الشيوعية تشكل خطراً على البلاد ويزيد من خطر الشيوعية وجود الطائفية .. والحق أن الخطر الماثل على البلاد إنما هو من الطائفية ، ومحاربة الشيوعية بهذه الصورة الزرية يصرف الناس عن خطر ماثل إلى خطر بعيد . فلمحاربة الشيوعية حاربوا الطائفية
7- إن تزييف الطائفية للدين قد أيأس شبابنا من الدين ، وجعلهم يلتمسون حلول مشاكل بلادهم في مذهبيات أخرى ، وعلى رأسها الشيوعية ، فالطائفية مسئولة مسئولية غير مباشرة ، ولكنها مسئولية فعالة ، عن نشر الشيوعية ، والترابي وقبيله سمحوا لأنفسهم أن يكونوا ذيلاً للطائفية ، فهم يحاربون الشيوعية باللسان وينشرونها بالفعل .
إن مثلهم مع الشيوعية ، ومع هذه البلاد ، مثل الصديق الجاهل ، الذي يريد أن ينفع فيضر .