في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الطفل والأسرة

علاقة الوالدين ببعضهما وأثرها على الطفل


ان علاقة الزوجين ببعضهما تنعكس على الأطفال سلبا، أو ايجابا، حسب طبيعة تلك العلاقة، خصوصا فى المراحل الأولى من مراحل نمو الطفل.. وقد عنى الاسلام بهذه العلاقة أشد العناية، فوضع المنهاج فى التربية، ووضع التشريعات والتوجيهات، التى تؤسس هذه العلاقة، وفق القيم الانسانية الرفيعة، وتضبط هذه القيم، وتنميها، وتصححها، عند الخلل. والأطفال انما يتعلمون بالتقليد، وبالقدوة.. بل أنهم، فى كثير من الحالات، انما يتقمصون شخصيات الكبار.. وأقرب من يقلدهم الأطفال، أو يتقمصون شخصياتهم انما هم أفراد الأسرة، وخصوصا الوالدين.. ولذلك فان أساس التربية انما هو القدوة الحسنة – لسان الحال، قبل لسان المقال.. فاذا كان الوالدان لا يهتمان بتربية أنفسهما، فلا يمكن أن يربيا أطفالهما تربية صحيحة – وفاقد الشىء لا يعطيه.. نحن قد وضعنا أسس التربية السليمة، ومنهاجها العملى فى كتبنا الأساسية خصوصا كتاب: (طريق محمد) وكتاب: (تعلموا كيف تصلون)، فليراجعا..
ان المعاشرة الزوجية، التى ينشأ عنها الأطفال هى العلاقة الأولى بين الزوجين، وهى تؤثر تأثيرا كبيرا على الأطفال الذين هم ثمرتها.. ولذلك يجب أن تقوم هذه المعاشرة وفق أدب الدين، وقيمه، كما تحددها سنة النبى الكريم.. واول هذا الأدب، النية التى هى فى الدين تعتبر الروح لكل عمل.. وعلى هذا الفهم بنبغى أن ننظر الى الزواج على أنه عمل دينى، وعلى أنه من أكبر الوسائل لتحقيق الكمالات الانسانية – الفكرية، والشعورية، فيجب اذن استحضار النية الصالحة، عند المعاشرة الزوجية.. ثم يجب توخى الأدب الوارد عنه، صلى الله عليه وسلم، فى هذا الباب.. وقد ورد من الدعاء فى هذا الصدد قول النبى الكريم: (لو أن أحدكم، اذا أتى أهله، قال: اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقنا، فان كان بينهما ولد لم يضره الشيطان)..
ونحب هنا، فى أمر علاقة الزوجين ببعضهما، وأثره على الأطفال أن نشير الى حقيقة أساسية، وهامة، وهى أهمية السلوك الفردى بالنسبة لتربية الأطفال.. وهذه المعاملة السليمة لا تقوم الا اذا عرف كل منهما أهمية الآخر له.. وفى هذا المجال يحدثنا الأستاذ محمود محمد طه فيقول:


(اعلموا أن الوحدة ((الاجتماعية)) ليست الفرد، من رجل أو امرأة، وإنما هي الزوج من رجل وامرأة.. فإنه لا مفاوز الحياة، ولا مراحل السلوك، تقطع بخير من التعاون، والتساند، والحب المتبادل، بين شطري هذه الوحدة.. وفي هذا، فإن المرأة لهي جماع آيات الآفاق للرجل.. وإن الرجل لهو جماع آيات الآفاق للمرأة.. والله تعالى يقول، في آيات الآفاق: ((سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق!! أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد؟؟))..
وفى التواشج بين طرفى هذه الوحدة يقول تعالى: (فاستجاب لهم ربهم: انى لا أضيع عمل عامل منكم، من ذكر، أو انثى، بعضكم من بعض..) ويقول المعصوم: (النساء شقائق الرجال..) فلكأنه قد قال ان كل شق لا يكون الوحدة وحده، وانما بالتئامه مع شقيقه.. فليعرف كل واحد منكم لصاحبه مكانه هذا..)..


فاذا عرف كل من الزوجين للآخر قيمته، وعرف قيمة العلاقة الزوجية لكل منهما، فان ذلك حرى أن يجعل العلاقة بينهما تقوم على المودة، والحب النامى المتجدد.. وهذا لا يتم بالتمنى ولا يقع تلقائيا، وانما هو يتم عن طريق منهاج عملى، يأخذ به كل من الزوجين نفسه، بالصورة التى تعينه على تجديد حياة فكره، وحياة شعوره.. ولا سبيل الى هذا المنهاج الا بتقليد النبى المعصوم.. وفى هذا المنهاج – منهاج السنة- فان خير أحدنا انما يجىء من عمله على توصيل الخير للآخرين.. وعلى ذلك فان واجب الزوج وفى نفس الوقت وسيلته الواسلة، لاسعاد نفسه، انما هو العمل على تحقيق السعادة لزوجته، وهذا ينطبق تماما على الزوجة. فالوفاء للعلاقة الزوجية يقتضى أن يكون الزوج كله لزوجته، وان تكون الزوجة كلها لزوجها، وان يجعل كل منهما حياته وقفا لاسعاد الآخر..
وقد جاء عن النبى الكريم قوله: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى).. وكان من وفاء النبى الكريم للعلاقة الزوجية انه كان يتلطف بزوجاته، ويتبسط لهن، حتى انه كان يسابق عائشة.. وقد قال عن السيدة خديجة: (اننى لأحب حبيبها).. وقد كان يكرم صاحباتها بعد وفاتها، اكراما لها.. فمثل هذه الروح من (المحبة)، و(الوفاء) للعلاقة الزوجية، حين تشيع فى جسد الأسرة جميعه، انما يكون لها أطيب الأثر على الأطفال..
وعلى الأزواج ان يحرصوا الا بحدث بينهما شقاق، واذا حدث ما يكدر العلاقة الزوجية فيجب الا يتم أمام أعين الأطفال..