((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الأول

الأسئلة التالية موجهة من الأستاذ محي الدين عووضه نسجل معها الأجوبة عليها ..

ما رأيكم حول مسألة القضاء و القدر ؟


مسألة القضاء، والقدر، مسألة أزلية.. تظهر، وتختفي، في صور مختلفة، ولكنها دائماً تبحث عن الحل.. ويظنها بعض الناس أنها ترف فكري، فيصرفونها عنهم، حين يعجزون عن حل لغزها.. وما هي، في الحقيقة بذلك، وإنما هي مسألة عملية، يتوقف على فهمها استقرار السلام في مقبل الأيام على هذا الكوكب، الذي مزقته الحروب الأهلية المستطيرة بين أبنائه، ذلك بأنه لن يتحقق على الأرض السلام إلا إذا كان كل فرد في سلام مع نفسه التي بين جنبيه.. ولن يكون فرد في سلام مع نفسه إلا إذا أدرك مشكلة القضاء، والقدر، هذه..
أنظروا إلى العوالم التي حولنا، وانظروا إلى كوكبنا، هذا الذي نعيش عليه، بل أنظروا إلى أجسادنا، فإنها جميعاً، لدقة تركيبها، ودقة عملها، نعجز عن فهمها، وعن السيطرة عليها، والتصرف فيها، ولكنا، نعلم أنها، جميعها، تسير وفق قانون دقيق، ومرتب، ومحسوس.. ليس للمصادفة فيه مكان.. فهو يعرف بدايته، ونهايته، ويعرف وسيلته، وغايته.. فهذا القانون في جملته، التي لا ترتبط بالزمان، ولا بالمكان، هو القضاء، وفي تفصيله الزمني، والمكاني، هو القدر.. والقضاء، والقدر، هو قانون العقل الأزلي الذي، ما عقولنا إلا أقباس منه.. ونحن بالنسبة للقضاء، والقدر، مجبرون، ومخيرون، في آنٍ معاً: نحن مجبرون بالنسبة إلى الجانب الذي نجهله من القانون، ومخيرون بالنسبة إلى الجانب الذي نعلمه منه.. فكأن ثمن الحرية هو المعرفة، فإذا اطردت معرفتنا إياه، حتى استوعبناه، حققنا حريتنا، وكنا في سلام مع أنفسنا. ونحقق بذلك السلام على الأرض.

ما رأيكم حول علاقة الفرد بالمجتمع ؟


المجتمع أعظم ابتداع تفتق عنه الذهن البشري بعد الدين.. وهو أقوى وسيلة توسل بها الفرد لإحراز حريته الفردية المطلقة، بعد وسيلة الدين أيضاً، ذلك أنه عندما كان الإنسان وحيداً، وضعيفاً، لا ينهض بجميع التزامات حياته من غذاء، وكساء، ودفاع ضد الأعداء، تم بينه، وبين المجموعة، اتفاق صامت على أن يتنازل لها عن قسط من حريته.. ولقد كان لتنازله هذا فائدة أخرى، تعود عليه، وهي ترويضه على كبت رغائبه، وغرائزه، غير الاجتماعية. ثم لم يزل الإنسان يحسن من نفسه، فيجعلها أكثر مدنية، من ذي قبل، ويحسن في مجتمعه، فيجعله أكثر تسامحاً، وأقل عنتاً، من سابق عهده، حتى يقل، بفضل الله، ثم بفضل اسماح المجموعة، الثمن الذي يدفعه، من حريته الفردية لقاء ارتفاقه بنظمها السياسية، والاقتصادية.. وهكذا، دواليك، حتى يجئ اليوم الذي تكون فيه المجموعة البشرية، هي من الإسماح، بحيث تتقاضى الفرد البشري أقل قدر ممكن، من حريته، وتوفر له أكبر قدر ممكن من التشجيع، الذي ييسر له بلوغ حريته الفردية المطلقة، من غير أن يكون في ذلك إضرار بالمجموعة.. ذلك لأن الفرد، الكامل، الحر، هو غاية الجماعة الكاملة، الحرة..

ما رأيكم حول العلاقة بين الحقيقة الكونية ، و الفكر الإنساني ؟


الإنسان صورة، مصغرة، من الحقيقة الكونية، فهو يحوي كل ما فيها . ولكن ذلك موزع بين عقله الواعي، وعقله الباطن، وما عمل الإنسان في التعلم إلا إيقاظ المعاني النائمة في عقله الباطن، حتى ترتفع إلى مستوى عقله الواعي، فيدركها . ويعينه على هذا الإيقاظ، الحوادث التي يزخر بها الوجود من حوله . وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: "سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟"..

ما رأيكمم في فلسفة التأريخ البشري ؟


التاريخ البشري هو سيرة الحياة على هذا الكوكب، منذ أن كانت دودة "أميبة"، طافية على وجه الماء، إلى أن أصبحت بشراً سوياً.. وهي لا تزال منطلقة في سيرها إلى إنجاب "الرجل"..
والتاريخ كروي، كالكرة الأرضية، فهو لا ينفك يدور حول نفسه . فيعيدها بصورة من الصور.. هو عند الأمم المتخلفة، يعيد نفسه، بصورة تكاد تكون مماثلة للماضي، كل المماثلة، وذلك لقلة التفكير، ولانعدام الابتكار، ويقل، من ثم، التقدم.. وهو، في الأمم المتقدمة، يعيد نفسه بصور تختلف، كثيراً، أو قليلاً، عن الماضي.. وذلك تبعاً لحرية الفكر، والمقدرة على الابتكار. ويكون، من ثم، التقدم.. فكأن الأمم المتخلفة في الفكر، وحريته، تسير في حلقة مفرغة، فهي تجد نفسها دائماً حيث بدأت، وأما الأمم المتقدمة فتسير في طريق لولبي، يرتفع، كلما تقدم بها الزمن، نحو غايتها المرجوة، وهي إنجاب "الرجل"..
فالتاريخ البشري، هو، إذن، خط سير الفكر البشري، في الزمان، المكان..

ما هي نظرتكم في الأخلاق ؟


بداية الأخلاق ضبط الغرائز، الذي كانت تتطلبه المجموعة الأولى من الفرد، ليكون اجتماعياً.. ونهاية الأخلاق هي حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة..
فالأخلاق مرتبطة بالفكر دائماً، ومرتبطة بالجماعة.. وهي ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة لخدمة الجماعة أولاً، ولإذكاء الفكر ثانياً.. وعملها في إذكاء الفكر، وفي تحريره، هو عملها الأساسي، لأنه يؤدي إلى إنجاب الفرد الكامل..
وبعد، فقد عالجت هذه الأسئلة في إيجاز شديد لضيق الحيز، الذي يسمح به المقام، هذا مع أن أسئلتك تحتاج إلى إسهاب وإطناب..

محمود محمد طه