((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الأول

ما علاقة المسئولية بالأخلاق في الإسلام؟


الأخلاق في الإسلام ليست هي الصدق، والأمانة، ومعاملة الناس بما تحب أن يعاملوك به، إلى آخر هذه الفضائل السلوكية المحمودة.. وإنما هذه نتائج الأخلاق، وثمرتها، ولكن الأخلاق هي حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة. وحسن التصرف هذا بإزاء الخالق أولاً، والخلق ثانياً، وفي نفس الأمر.. وقول المعصوم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فمن ذبح منكم فليحدد شفرته، وليرح ذبيحته" يقرب معنى حسن التصرف في الحرية، و"من ذبح منكم" هذه تشير إلى مقام الشريعة التي أبيح فيها الذبح للحكمة المترتبة على تسخير الحيوان كغذاء للإنسان. ولكنها تتداعى في التطور، مواكبة، وحافزة، للمجتمع حتى يبلغ مبلغ التصون عن أكل الحيوان، "أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً؟ فكرهتموه !!"
فإذا اتضح لك أن الأخلاق هي حسن التصرف في الحرية الفردية المطلقة، أصبحت الأخلاق مسئولية واضحة.. وأمام من؟ أمام الناس، وأمام نفسك، وأمام الله، الذي يرى خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وفي آنٍ واحد، وبغير تسلسل زمني..

كيف يبرر الإسلام الضرورة الأخلاقية؟ أعني كيف يجيب على السؤال: لماذا يجب أن نكون أخلاقيين؟


جواب الإسلام قريب، وقصير، وإنما يحتاج شرحه إلى تطويل لا يتسع له الوقت الحاضر.. هذا الجواب هو أننا يجب أن نكون أخلاقيين لأن ذلك يعطينا الفرصة لنكون أحراراً، وبالحرية نتخلص من الخوف، والخوف هو عدونا الأول، والأخير..

ما قول التصوف الإسلامي في وحدة الوجود، ووحدة الموجود؟


التصوف الإسلامي مداره التوحيد، والتوحيد يقول: إن الوجود وحدة، لأنه صورة من خالقه الواحد وحدة مطلقة. وإنما التعدد الذي نراه نحن، ونظنه أصلاً، وهم، من أوهام حواسنا القواصر.. وكلما تخلصنا من أوهام الحواس، كلما اتضحت أمامنا الوحدة، التي تؤلف بين المظاهر المختلفة، حتى أنه إذا اتفق لنا أن ننظر إلى الوجود بعين الله لم نر غير الوحدة.. هذه النظرة القائمة على التوحيد المجود هي نظرة الصوفية.. ولذلك فإن رياضة الصوفية التعبدية تقوم على اكتساب المقدرة على النظر إلى الوجود بعين الله، وذلك بتوحيد الذات البشرية، أسوةً بالذات الإلهية، وذلك بالرياضة على توحيد الفكر، والقول، والعمل.. والقاعدة الذهبية "يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ * كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون". وعندهم لا يستطيع القرب من مقام هذه الوحدة إلا الأحرار. والأحرار عندهم أندر الأشياء وجوداً.. قال أحدهم:
تمنيت على الزمان محالاً * أن ترى مقلتاي طلعة حرٍ

الخلاص (Salvation)، كيف يتم خلاص العبد في الإسلام؟


أصل الشر، في الإسلام، هو انقسام الشخصية البشرية، بين ظاهر وباطن.. النفاق، وسببه الخوف، وسبب الخوف الجهل بحقيقة الوجود، وهو ما أسميناه أوهام الحواس، في الجواب على السؤال السابق.. وسبيل الخلاص، في الإسلام، التوحيد.. ويبدأ بتوحيد الخوف.. فبدلاً من أن يكون الإنسان خائفاً من العوامل المختلفة، في البيئة، يركز الإسلام في ذهنه أن الأشياء كلها لو أرادت أن تناله بسوء، لا تناله إلا بما كتبه الله عليه، ولو أرادته بخير، لا يناله منها خير إلا ما كتبه الله له.. فالله هو الفاعل المطلق، للخير، وللشر.. "إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا: قد أخذنا أمرنا من قبل، ويتولوا، وهم فرحون * قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون" وإذن، فمن العلم ألا تخاف إلا من الله، وألا ترجو إلا الله.. ولذلك فقد جاء عن المعصوم: "رأس الحكمة مخافة الله".. و"رأس الحكمة" تعني أول منازل الحكمة، وكأنها رأس الجسر للعبور إلى الله.. ثم إن الإسلام في مراقية يواجه التحرير حتى من خوف الله.. لأن الله، لمن يعرفه، لا يُخاف، وإنما يُسكن إليه، ويُطمأن إليه، ويؤنس به ــــــ ويحب. وعند المحبة يتم الخلاص، في الإسلام، لأنه بالمحبة تتطهر أرض القلب من رجس النفاق، ويتم له السلام. قال تعالى "يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون * إلا من أتى الله بقلبٍ سليم" وهذه إشارة إلى الخلاص، والقلب السليم هو القلب السلام، على الأحياء والأشياء..

هل يمجد الإسلام العلم؟ أي علم؟


نعم.. وبلا تردد!! ولكن الإسلام، في مستوى الشريعة ــــــ أعني للمبتدئين غيره عند الحقيقة ــــــ أعني لمن استووا، واستقاموا على الطريقة.. فهو يكره للعوام التوسع في العلوم التي توزعهم، ولا تجمعهم على الله، وذلك خوفاً عليهم من الفتنة المدسوسة فيها.. فالمبتدئ، إذا قرأ أقوال الملحدين، يتشوش خاطره، ويهلك.. ولكن المستوي، المستقيم، يسوقه إلى الله كل شيء، وعنده أن إبليس يدعو إلى الله دعوة هي في بلاغة دعوة جبريل إليه.. فليس في الوجود إلا داعٍ إلى الله، ولكن الناس لا يفهمون "وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"..

كيف يبرر الإسلام الموت ؟


الموت الحسي ليس، في حقيقته، كما نظنه نحن الآن، وإنما هو ميلاد في حيز غير الحيز الذي نألفه نحن، مثله، في ذلك، مثل ميلاد الطفل في عالمنا هذا، فإنه قد جاء من حيز عاش فيه مدة، وألفه، واطمأن إليه، ولم يخطر بباله حيز غيره، ولو خير لكره الخروج عنه إلى عالمنا هذا كما يكره أحدنا أن يموت الآن.. نحن أيضاً عندما نموت سنجد أنفسنا في عالم خير من عالمنا هذا..
الموت بمعنى الفناء ليس هناك.. فبالموت يغير الحي قشرته فقط. يخرج من صدفته التي ظلت تكنه ردحاً من الزمن ــــــ وهو يكره مفارقتها لجهله بخير منها ــــــ فالإنسان لا يموت، وإنما يتخلص من القوقعة كما يتخلص أحدنا من الملابس البالية.. وتبرير الإسلام للموت أنه سير إلى الله ــــــ سير من البعد إلى القرب ــــــ وهذا لجميع الناس.. "يأيها الإنسان إنك كادحُ إلى ربك كدحا، فملاقيه" ومن ملاقاة الله الموت، لأن به رفع الحجاب "لقد كنت في غفلةٍ من هذا، فكشفنا عنك غطاءك، فبصرك، اليوم، حديد"..

هل يقول الإسلام ـ كما يرى الغزالي ـ بأن العقل محدود، ولا يرقى إلى معرفة الله دون النبوة؟


نعم!! فالعقل يدل على وجود الله، لأنه يعلم، علم بداهة، أن الأشياء التي نرتفق بها في حياتنا اليومية، من أدوات، لا تصنع نفسها، وأنها لابد لنا من أن نصنعها لنستطيع الاستمتاع بها، ومن ثم فإن العالم لا بد له من صانع، هذه مجرد بداهة عند العقل ــــــ صانع هذا الكون موجود ــــــ ولكن معرفته، وراء ذلك، تحتاج إلى تعليم.. ومن أجل ذلك جاء الرسل ــــــ رسل الملائكة ورسل البشر ـــــــ فلولا أن جبريل اتصل بالبشر، ينبئهم عن الله، ما تنبأوا.. ولولا أن الأنبياء جاءوا البشر، مرسلين، يعلمون الناس صفات الله، ما تعلموا.. فالعقل مستعد بطبعه لإدراك وجود الله، ولكنه لابد له من معلم ليتعلم، لأن العلم إنما هو بالتعلم.. ثم هو إنما يعلم الله في مستوى أفعاله، وصفاته، وأسمائه، ذلك لأن له في هذه مشاركة، ولأن الثنائية تقع فيها.. أما عند الوحدة المطلقة فتنقطع المشاركة، ويقع العجز.. وعند عجزه يقع الإدراك، كما سبقت إلى ذلك الإشارة.. وليس معنى هذا أن عجز الإنسان فضيلة، وإنما عجز عقل الإنسان فضيلة في هذا المقام، لأنه تواضع أمام عظمة، ومن لم يسجد، تواضعاً عند عتبتها، هو الجاهل ــــــ ثم إنه، بعجز العقل ههنا، تبدأ قدرة الإنسان، فيصبح قادراً، قدرة الله، ومريداً، إرادة الله، وعالماً، علم الله، وحياً، حياة الله، ويصبح الله.. وفي هذا الباب يحسن أن تراجع كتابنا "الرسالة الثانية من الإسلام".

كيف يجب أن تكون علاقة العبد بربه؟


في هذا الباب تحدثنا كثيراً في "رسالة الصلاة" وفي "الرسالة الثانية من الإسلام" فأرجو أن ترجع إليهما.. ولكن يمكن أن أقول بإيجاز: علاقة العبد بربه يجب أن تكون علاقة المحب بالمحبوب، وهذه تورث الرضا، بكل ما يريده المحبوب.. ومن أجل هذا المقام من مقامات العبودية، شرعت الشرائع، وفرضت التكاليف، وسلك السالكون بظمأ النهار، وقيام الليل، وبترك الرغائب التي تتهافت عليها نفوس الجاهلين.

ما أهمية الحب بالنسبة للإيمان، في الإسلام ؟


الإيمان ثقة، والحب يزيد في الثقة، فيقوي من الإيمان.. والإيمان في الإسلام مرحلة نحو الإيقان. وبالإيقان يتم الإسلام.. والإيقان مراتب علم ثلاث: أدناها من الإيمان مرتبة "علم اليقين"، وأوسطها مرتبة "عين اليقين" وأعلاها مرتبة "حق اليقين".. وأهمية الحب تزيد كلما ارتقى الإنسان من مرتبة الإيمان في مراتب الإيقان، لأن هذه المراتب تتطلب الخلاص من الأغيار ــ "ألا لله الدين الخالص" و"الدين" هنا يعني المعاملة و"الخالص" يعني المنقى من شوائب الشرك.. وللمحبة نار تأكل الشرك كما تأكل النار "الغباش".. لأنه حرام في شريعة المحبة التعدد.. وإلى ذلك أشار صاحبنا الذي قال :ـ
أصحابنا إختاروا المحبة مذهباً * وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
ففي مذهب الحب، الشريعة، التوحيد..
و قالوا أيضاً: ((أبت المحبة أن تستعمل المحب لغير المحبوب)).
وهذه أيضاً إشارة إلى التوحيد.. ونحن لا نعلم محباً، صادق الحب، له محبوبان.
فالمحبة هي جوهر التوحيد، ولقد قال في ذلك الشيخ العبيد ود بدر : "الما عنده محبة ما عنده الحبة" يعني ما عنده من التوحيد مثقال ذرة.. فالمحبة، التي هي أصل دعائم المسيحية حتى لقد قالوا: "الله محبة" عندنا نحن بأوكد مما عندهم.. ولكننا نحن نركز على النهج الذي يحققها، منذ الوهلة الأولى، وذلك في الشريعة. وهذا النهج هو التوحيد. ولكن القرينة بين التوحيد والمحبة لا يتبينها العامة، وإنما تبينها الصوفية، كما سبقت إلى ذلك الإشارة.