((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




اﻟﻬﻮس الدﻳﻨﻲ يهدد أمن ووحدة الشعوب ويعوق بعث الإسلام

الجهاد في الإسلام بين الأمس واليوم

الجهاد في الإسلام بين الأمس واليوم


إنّ هؤلاء الشبّان المنخرطين في تنظيم الأخوان المسلمين قد التبس عليهم أمر الإسلام، واختلّ لديهم ميزان الجهاد فيه، فأصبحوا يقترفون أسوأ الأعمال وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً .. فهم يجهلون الإسلام، ويجهلون القانون، وهم أشد جهلاً بأمر الجهاد ..
إنّ استهانة الأخوان المسلمين بدم الإنسان قد بلغت، في ماضي حركتهم، وفي حاضرها، مبلغاً ينكره الإسلام، ويبرأ منه، كل البراءة .. ذلك بأنّ تعظيم، ورعاية حرمة النفس في الإسلام، تبلغ شأواً بعيداً، حتّى أنّه ليحرّم سفك من يتّخذ «لا إله إلا الله» تقية، ولو كان كافراً يواجهه المسلمون في ساحة الجهاد .. فقد روى المقداد بن الأسود «قال: قلت يا رسول الله: أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يداي بالسيف، ثم لاذ بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها، قال: لا تقتله، فقلت: يا رسول الله إنه قطع يدي، فقلب: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)..
إن هذا هو نهج الإسلام، حتى في شريعته السلفية.. إعطاء الناس كل الفرص الممكنة لكي تحقن دماؤهم، لا التضييق عليهم، ولا المسارعة الى إهدار دمهم بالمبادرة الى إساءة الظن بهم.. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام – دمه، وماله، وعرضه، وأن يظن به ظن السوء).. بلى لقد روى عنه صلى الله عليه وسلم، ما يشدد أكثر في هذا الأمر بصورة تجعل المرء يتردد، وتنشل يده من مجرد أن يخطر بباله قتل إنسان، إن كان ممن يخطر ببالهم مثل هذا الخاطر المنحرف، فقد روى عبد الله بن عمر: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعان على دم إمرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة: (آيس من رحمة الله).. فالإخوان المسلمين يغتالون ويسفكون دماء إخوانهم المسلمين، لمجرد مخالفتهم إياهم في الرأي، ثم يزعمون أنهم إنما ينفذون فيهم (حكم الله)!! كيف تطيب نفوسهم، وتركن عقولهم لهذا العمل الخطير وهم ليسوا إلا إحدى الفرق الثلاث والسبعين التي افترقت عليها الأمة المسلمة، كما جاء في الحديث: ( ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة)، ولن يسلم الإخوان المسلمين، بطبيعة الحال، في ادعائهم بأنهم الفرقة الناجية.. ومن ثم، فإنه ليس من حقهم أن يفرضوا وصايتهم على بقية المسلمين، مصورين عنفهم، وإرهابهم المجافي للدين، وللشريعة، بأنه جهاد في سبيل الله..
إننا نحب، في هذا المقام، أن نورد ما جاء عن الجهاد في كتابنا «أزمة الجامعة: الحل العاجل، والحل الآجل» ص ٣٦، وقد كان كما يلي:
«إنّ الجهاد في الإسلام ليس معناه، بأي حال من الأحوال، أن يأخذ الأفراد القانون في أيديهم، وينصّبوا أنفسهم قضاة ومنفّذين، فيقرّروا من هو الكافر، ويقتلوا من يقتلون، ويسلبوا من يسلبون .. لا!! لم يكن الأمر بمثل هذه الفوضى التي يتردى فيها أفراد تنظيم الأخوان المسلمين، وإنّما كان المأذون في ذلك الحكومة الإسلامية .. كان ذلك على عهد النبي، وكان على عهد خلفائه من بعده .. وقد جاء الأمر بالجهاد في المدينة بعد أن كان العمل بالإسماح في مكّة .. وما جاء الأمر بالجهاد في المدينة إلا ناسخاً للإسماح .. ثم إنّه لم يجئ إلا لقصور المجتمع، في ذلك الوقت .. فقد جاءت آية السيف: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتّموهم) ناسخة لآيات الإسماح مثل: (فذكّر إنّما أنت مذكّر * لست عليهم بمسيطر) واليوم، وبعد مضي ١٤٠٠ عام على هذا الأمر فإنّ الإسلام، حين يبعث من جديد، إنّما سيبعث في مستوى الإسماح، وهو مستوى أصول القرآن، حيث لا سبيل إلى دعوة الناس إلى الإسلام، إلا سبيل عقولهم، وقلوبهم، حيث تجد فيه الإنسانية المعاصرة، المتطلّعة إلى الحرّية وحكم القانون، حاجتها، وحل مشاكلها .. فقد انقضت مرحلة الجهاد، وانقضى كل ما ترتب عليها من وصاية على الرجال وعلى النساء ..
أما أن يظن أفراد تنظيم الأخوان المسلمين أنّ من حقّهم أن يعلنوا الجهاد، ويفرضوا وصايتهم على كل من يخالفهم الرأي فإنّه لأمر يدل على جهل بالإسلام، وجهل بالدستور وبالقانون، وبحقيقة الإمكانات المادّية والعقلية للإنسان المعاصر ..
لقد كان النبي، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، يقول عند رجوعه من الغزوات التي كان يجاهد فيها هو وأصحابه، المشركين، جهاداً في سبيل الله، كان يقول: رجعنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر، ويعني به جهاد النفس .. والتبليغ هنا بليغ في أنّ الجهاد بالسـيف في سبيل الله، وفي سبيل الإسلام، إنما هو مرحلي .. وهو لم يجئ إلا بحكم الوقت .. وهو لم يجئ، إذن، إلا بالحوالة من المقصود بالأصالة، وهو الجهاد الأكبر – جهاد النفس .. أنتم ومرشدوكم جهلتم الإسلام، وعجزتم عن مواجهة أنفسكم بحقائقه، فأخذتم تتخذون من عجزكم فضيلة، فتصوّرون أنفسكم في صورة المسلمين، الصادقين، المجاهدين في سبيل الله، وتحاولون أن تخدعوا بسطاء المسلمين بهذه المسرحية الزائفة» انتهى من كتابنا «أزمة الجامعة: الحل العاجل، والحل الآجل» ..