((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




اﻟﻬﻮس الدﻳﻨﻲ يهدد أمن ووحدة الشعوب ويعوق بعث الإسلام

نماذج من السودان - حادث أمستري

نماذج من السودان


حادث أمستري


من نماذج الهوس الديني التي نسوقها هنا، حادث «أمستري» بغرب السودان، الذي جرى في يونيو ١٩٧٧، على أيدي بعض المهووسين الدينيين، فقد اعتدوا على رجال الأمن بنقطة بوليس «أمستري»، مما أدى لمقتل ٤ من رجال الشرطة .. وقد أمكن إلقاء القبض على بعض الجناة، وجرت محاكمتهم..

حيثيات المحكمة تحكي ما جرى:


ونحن نورد هنا بعض الفقرات من حيثيات المحكمة العليا التي أيّدت حكم الإعدام على الجناة، وذلك نقلاً عن جريدة الصحافة ١٩/٤/١٩٨٠م: «تمّ صباح أمس بسجن الفاشر تنفيذ حكم الإعدام شنقاً حتّى الموت على المتّهمين دهب علي عبد الله وجمعة موسى رمضان لاشتراكهما في الهجوم على نقطة شرطة أمستري بالقرب من مدينة الجنينة في ١٦ يونيو ١٩٧٧م وقتل أربعة من الجنود ..
وقد وضحت الحقائق التالية أمام المحكمة العليا عند تأييد حكم الإعدام على المتّهمين:
تجمّع بمنطقة الجنينة بغرب السودان نفر من السذّج حول دجّال يدعى عز الدين جبريل أثّر عليهم فتركوا أهلهم وعاشوا أتباعاً له في قرية تدعى روضة مما أدى إلى خلافات وعداوات بينه وبين أهالي القرى المجاورة أدّت إلى التصادم بينهم مما أدّى مرّة إلى اتهامه وحبسه .. كما أدّت إلى إتلاف مزارعه وحرق مسجده، فقرّر أن يرحل من الوطن ولكن بعد أن يلحق بالآخرين أذى وضرراً باسم الدين ..
وفي يوم من أيام شهر يونيو ١٩٧٧ تحرّك عز الدين ومعه خمسة من أتباعه من بينهم المتهمان دهب علي عبد الله وجمعة موسى رمضان متّجهين نحو نقطة شرطة أمستري .. وفي الوقت الذي كان فيه رجال الشرطة يؤدّون واجبهم المقدّس وكان الدجّال وجماعته قد بيّتوا النية على الغدر بهم وإبادتهم بعد أن تأكّد لهم أنّ أضعف نقطة يهجمون عليها هي أمستري التي لم يكن بها حرس إضافي من الجيش كما في بعض نقاط الشرطة الأخرى المجاورة للحدود. فلمّا جنّ الليل أمر عز الدين جماعته بالتقدّم نحو النقطة فلمّا اقتربوا منها أمر المتّهم الثالث بأن يقف خلف مباني النقطة لكي يشعرهم بأي هجوم خارجي كما استوقف المتّهمين الأوّل دهب علي عبد الله والثاني جمعة موسى رمضان بالقرب من سور النقطة ودجّجهم بالأسلحة البيضاء ودخل النقطة وشريكاه محمّد محمود وآدم أدما حيث هجموا على رجال الشرطة النائمين طعناً وضرباً فتوفي في الحال الشرطيين علم الدين الحاج وحسين عبد القادر .. شعر كل من العريف عمر إبراهيم والشرطي محمّد آدم حسب الله وكانا نائمين في منزلهما بالضجّة فأسرعا نحو النقطة ولكن الجناة انهالوا عليهما في الظلام طعناً وضرباً. ولم يبق على قيد الحياة سوى الشرطيين شاهدي الاتّهام عبده جمعة ومحمّد أحمد محمّد الطاهر .. كسر عز الدين وأعوانه مخزن السلاح وأخذوا مدفعاً وبنادق وذخيرة واتّجهوا نحو الحدود ولمّا اشتدّ بالجناة الجوع ذهبوا إلى جماعة من الأعراب وطلبوا منهم طعاماً فلمّا اعتذروا احتجزوا أحد الأعراب كرهينة ما لم يدفع لهم مبلغاً معيّناً من المال فهجم عليهم الأعراب فأطلق عليهم الجناة النار فأصابوا أحدهم وقتلوه وهربوا. عندئذ طاردهم الأعراب للأخذ بالثأر حتى اهتدوا إلى مكانهم فباغتوهم ودارت على الباغي الدوائر إذ تمكّن الأعراب من قتل الدجّال عز الدين وتابعيه محمّد محمود وآدم أدما. وأثناء البحث قبض على المتّهم الثالث الذي أبان للشرطة كثيراً من تفاصيل الحادث، أمّا المتّهمان الأوّل والثاني فقد فرّا بجلدهما بعد أن خبّأ المتّهم الأوّل المدفع والذخيرة ولحقا بالمتّهم الرابع الذي كان قد اختبأ مع نساء المهاجمين في إحدى القرى حتّى تمكّنت قوات الجيش والشرطة من مطاردتهم وإلقاء القبض عليهم بعد أن أصيب المتّهم الأوّل في فخذه والثاني في صدره» انتهى.

كتب الوهابية مع الحِراب:


وكان وزير الداخلية في ذلك الوقت قد أدلى ببيان حول الحادث، أمام مجلس الشعب، بتاريخ ٢١/٦/١٩٧٧، جاء فيه، ما يلي، نقلاً عن جريدة الأيّام - ٢٢/٦/١٩٧٧م:
«اتّضح من التحري في الحادث أنّ أحد المواطنين شاهد يوم ١٤/٦/١٩٧٧ مجموعة عددهم حوالي ٧ أشخاص بالمنطقة يقرأون الكتب ولمّا تحدّث إليهم «غطّوا» وجوههم وقد جاء التطابق إلى معرفة شخص في قرية أمستري له أفكار دينية متطرّفة وهو سوداني وأنّ هناك مجموعة أعلنت قتل كل من لا يحكم بالشريعة الإسلامية وذكر السيد الوزير أنّه تمّ العثور على عدد من الحِراب والمصاحف وكتب أنصار السنّة فيها مجلّة التوحيد والكرّاسات فيها دعوة إلى الجهاد وقال أنّه عند زيارته لمكان الحادث اتّضح أنّ الإجراءات اتّخذت وأنّ لجنة من الأمن بالمديرية درست الموقف وأنّها في تقييمها للمعلومات ترجّح أنّ المجموعة الإرهابية المذكورة هي التي قامت بهذا العمل» ..
لقد اتّضح، من المخلّفات التي عثر عليها في مكان الحادث، ومن المعلومات التي ثبتت أمام المحكمة، أنّ الهوس الديني كان هادي أولئك الجناة، فلقد كانوا هم أنفسهم ضحايا أفكار دينية منحرفة، وجدت طريقها إلى عقول هؤلاء البسطاء، حتّى برّرت عندهم قتل الأبرياء، وانتهاك حرمة القانون، وترويع الآمنين ..
وليس من المستبعد أن يكون أولئك البسطاء قد اتّخذوا من الوهابية مذهباً .. يدل على ذلك ما وجد من كتب، ومجلّة وهابية في مكان الحادث، كما يدل عليه أيضاً وجه الشبه بين عملهم الذي قاموا به في أمستري، وبين اتّجاهات، وممارسات محمّد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية الذي استباح دماء الذين يخالفونه الرأي، ولو كانوا مسلمين، فهو يكفّرهم، ويستجيز مقاتلتهم .. وما يؤيّد هذا القول ما جاء في كتاب: «تاريخ المذاهب الإسلامية» للشيخ محمّد أبو زهرة صفحة ٢٥٣: «إنّ الوهابية لم تقتصر على الدعوة المجرّدة بل عمدت إلى حمل السيف لمحاربة المخالفين لهم باعتبار أنّهم يحاربون البدع وهي منكر تجب محاربته ويجب الأخذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وذلك لتحقيق قوله تعالى: (كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم)» .. ويؤيّده أيضاً ما جاء في جريدة الصحافة السودانية بتاريخ ٣١/١٠/١٩٧٦ وهي تتحدث عن الوهابية بما يلي: «وقد قام محمد بن عبد الوهاب بثورته الدينية ضد الأضرحة والبدع، وضد الصوفية، والأولياء .. وكان والده قد نصحه بترك الدعوة خوفاً على حياته فتوقف، وبعد وفاة والده بدأ ينشر دعوته فلم يجد استجابة وتعرّض لمحاولة لاغتياله فذهب إلى مدينة العينية طالباً حماية أميرها فرحّب به الأمير وأكرمه .. إلخ» ..

انتهى حادث أمستري ولم ينته اﻟﻬﻮس الدﻳﻨﻲ:


إنّ حادث أمستري قد انتهى بالنهاية التي لقيها أولئك البسطاء الذين استولى على عقولهم الهوس الديني، فدفعهم إلى تقتيل رجال الأمن الأبرياء الذين كانوا يقومون بأداء واجبهم المقدّس في حماية الأرواح، والممتلكات، في تلك البقع النائية، والمعزولة عن مركز الأمن في الجنينة ..
ولكن الخطر الحقيقي الذي يشكّله الهوس الديني إنّما يجئ من تنظيم مثل تنظيم الأخوان المسلمين، وتنظيم الوهابية، إذ هما تنظيمان مدعومان من الخارج، وكل منهما يخطط، ويسعى، في الخفاء، وفي العلن للاستحواذ على السلطة بشتى السبل، بالعنف، وبالتضليل، باسم الدين ..