في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

الفصل الثاني

مسير أم مخير



هذا هو الفصل الثاني من فصول كتاب الدكتور، وإنما قدمت عليه فصل (لا إله إلا الله) لأنه يعطينا الفرصة للنظر في مبلغ تجويد الكاتب للتوحيد.. وعلى مبلغ هذا التجويد تجيء الإجادة، أو الإساءة، في سائر كلامه عن الدين.. فالحديث عن (لا إله إلا الله) يُعطي وزنا دقيقا لعقل المتحدث.. ومما بدا لنا فإن الدكتور ضعيف في التوحيد.. وسيكون ديدننا، في سائر فصول كتابنا هذا، توكيد هذا المعنى، حتى يستطيع الدكتور الفاضل أن يتدارك أمره قبل فوات الأوان، وحتى لا ينخدع القراء ببهرج آراء الدكتور التي أرسلها حول آصل أصول الدين، إرسالا..
وهذا الفصل (مخير أم مسير) هو أول الفصول الذي يظهر فيه خلل التوحيد في عقل الكاتب، ولذلك فإننا سنناقشه بتوسع..

الفلسفة والدين وصميم القرآن


وأول الوهن قول الدكتور في صفحة 26: (وقد أوصى النبي أصحابه بعدم الدخول في جدل. وقال لهم: إذا جاء ذكر القدر فأمسكوا لأنه علم أن المعضلة من المعضلات الفلسفية العالية التي لا يتيسر الرد عليها بعلوم عصره.. وأن الجدل سوف ينزلق بهم إلى متاهة يضيعون فيها.. ولذا فضل الإيمان بالقلب على الثرثرة العقلية العقيمة..
وهي وصية لا تنسحب تماما على عصرنا، الذي دخلت فيه الفلسفة الجامعات وأصبحت درسا ميسرا يتلقاه ابن العشرين كل يوم.. وبذلك اصبح السؤال مطروحا بشدة.. وفي حاجة إلى جواب ورد شاف من الفلسفة ومن الدين ومن صميم القرآن ذاته).. هذا ما قاله الدكتور الفاضل.. من تلك الصفحة من كتابه.. وأول ما تجب الإشارة إليه هو أن النبي لم يكن يرى أن مسألة القدر من (المعضلات الفلسفية العالية).. وإنما كان يراها من مسائل دقائق التوحيد.. وهو يعلم أن دقائق التوحيد لا نحصل عليها لمجرد قولنا: (لا إله إلا الله)، وقراءتنا القرآن، وقيامنا بواجباتنا الشرعية التي هي أركان ديننا، وإنما نحصل عليها بتجويد السلوك، وبأمر زايد عن ذلك.. فمثلا، لقد كان النبي على شريعة فردية أوجبتها عليه نبوته، ونحن نسميها السنة، وقد كان في شريعته الفردية مكلفا بما لم تكلف به أمته.. وهي أمة قد كانت على شريعة جماعية تنزلت من شريعته هو الفردية، وذلك قد كان مراعاة لضعف الأمة، ولقصورها عن شأو ما يطيق هو.. والله سبحانه، وتعالى، يقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) والنبي الكريم يقول: (نحن معاشر الأنبياء قد أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم).. وهذه الشريعة الجماعية هي موضوع رسالته.. وبين نبوته ورسالته فرق ما بينه وبين الرجل من سائر أمته.. وهو فرق شاسع.. فهو في نبوته قد كان مكلفا بقيام الليل، قال تعالى في حقه: (يأيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو أنقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا).. في حين لم تكن أمته مكلفة به.. ثم هو، في أمر المال، مكلف ألا يدخر رزق اليوم لغد.. قال تعالى في حقه: (ويسألونك ماذا ينفقون؟؟ قل العفو).. في حين أن أمته لم تكن مكلفة إلا بإخراج الزكاة ذات المقادير المعروفة.. وآيتها من كتاب الله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم، وتزكيهم بها، وصل عليهم.. إن صلاتك سكن لهم.. والله سميع عليم).. وهو قد كان يواصل في صيام التطوع، ولما أراد بعض أصحابه أن يقلده في ذلك نهاهم، فقالوا: فإنا نراك تواصل يا رسول الله.. قال: (إني لست كأحدكم، فإني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني.) وهو بالطبع لا يطعم خبزا، ولا لحما، ولا يسقى ماء، ولا لبنا، وإنما هي أنوار اليقين.. وهذه الأنوار هي التي هونت عليه أمر الدنيا، ويسرت عليه أن ينفق عنه كل ما زاد عن حاجته الحاضرة، غير عابئ برزق الغد، وإنما متوكلا على الله في تدبير أمره.. هذه الأمور تدل على أن النبي، حتى في الأعمال التي يشارك فيها أمته قد كان يقوم بها على نحو يختلف عنهم.. فهو قد كان، مثلا، يصلي المكتوبة كما يصلون، من حيث الأوقات، والهيئة، والعدد، ولكنه، مع ذلك، قد كان يختلف عنهم في الأداء، حتى لكأن صلاته غير صلاتهم.. بل هي، على التحقيق، غيرها.. لقد كان هو قريبا من قمة الدين، في حين كانوا هم في بدايته.. كان هو مسلما.. وكانوا هم مؤمنين.. وللدين، بين الإيمان والإسلام، منازل سبع، يقع فيها السير على مرحلتين: مرحلة الإيمان، ومرحلة الإيقان.. وفي كل مرحلة من هاتين المرحلتين ثلاث منازل.. ففي مرحلة الإيمان هناك الإسلام البدائي، الذي هو عبارة عن الإنقياد الظاهري، والذي فيه، حتى المنافقون، يعتبرون مسلمين.. يليه الإيمان.. يليه الإحسان.. وهذا قصاراه.. وهذه المنازل الثلاث قد وردت في حديث جبريل المشهور وإنما توقف جبريل في أسئلته عند الإحسان لأنه لم يجيء إلا ليبين للأصحاب دينهم كما أخبرهم عقب ذلك النبي، (هذا جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم) وقد ظن الناس أن ديننا انما هو الإسلام، والإيمان، والإحسان. والحق غير ذلك.. الحق أن هذه المنازل الثلاث إنما هي مرحلة الإيمان.. وأما منازل مرحلة الإيقان الثلاث هي: منزلة علم اليقين، ومنزلة علم عين اليقين، ومنزلة علم حق اليقين. وهذه هي المرحلة التي كان يعمل فيها النبي.. لقد كان النبي مسلما، في حين لم يكن أصحابه إلا مؤمنين، ولا يطلق عليهم الإسلام إلا في المعنى العام، الأولي، وأما الإسلام، الذي هو الإستسلام، والإنقياد الراضي بالإرادة الهادية، والذي يجيء تتويجا لمرحلة الإيقان، فلم يكونوا منه في شيء.. وهم قد نُدبوا إليه.. قال تعالى عنهم: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله، حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون).. فلم يطيقوه، وقالوا: أينا يستطيع أن يتقي الله حق تقاته؟؟ فنزل لهم عن ذلك، وجاءهم: (فاتقوا الله ما استطعتم، وأسمعوا، وأطيعوا، وأنفقوا، خيرا لأنفسكم.. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).. ففي حين نزلوا هم إلى ما يطيقون ظل هو حيث نُدب، وحيث أُعد ليطيق.. وهو إنما أُعد باطلاعه على دقائق التوحيد المشتملة عليها عبارة (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا).. ففي حين نزلوا هم إلى مرحلة الإيمان ظل هو في مرحلة الإيقان.. وفي حقهم فإن الإسم الدقيق إنما هو المؤمنون.. وفي حقه فإن الإسم الدقيق إنما هو المسلمون.. ولم يكن يومئذ مسلم غيره.. فهو قد كان مسلما، وكان أصحابه مؤمنين.. ولا يستطيع المؤمن أن يخوض فيما يخوض فيه المسلم، لأنه صاحب عقيدة، وليس صاحب علم.. ومن أجل هذا كان منعه أصحابه من الخوض في أمر القدر.. فقال: (إذا ذكر القدر فأمسكوا)، ولم يكن السبب: (لأنه علم أن المعضلة من المعضلات الفلسفية العالية) كما يظن الدكتور..
ومشكلة القدر ليست معضلة فلسفية عالية، على كل حال، وإنما هي مشكلة فكرية، تدركها العقول المرتاضة على دقة الفكر، ووضوح الرؤية.. ومن أجل رياضة العقول عل دقة الفكر أُنزل القرآن، وشرعت الشريعة، ونهض التكليف.. قال تعالى في ذلك: (وأنزلنا إليك الذكر، لتبين للناس ما نُزل إليهم، ولعلهم يتفكرون) فإذا تأدبت العقول بأدب القرآن، في مستوى شريعته بالعبادة، وفي مستوى حقيقته بالعبودية، فإنها سيدق فكرها حتى تحقق من دقائق التوحيد ما تستطيع به أن تفلق الشعرة، ويومئذ تستطيع أن تدرك مشكلة القدر.. ويجب أن يكون واضحا أن ليس للفلسفة، ولا للعلم التجريبي الحاضر، نهج به تتأدب العقول على نحو ما هو عليه الحال في الدين.. ولا مجال لدقائق التوحيد بالطبع عن طريق الفلسفة، ولا عن طريق العلم التجريبي، وذلك لسبب واحد بسيط هو أن دقائق التوحيد تقع في منطقة من وراء العقول، في حين أن الفلسفة، والعلم المادي التجريبي، كليهما، يعتمدان على العقل..
إن العقل وسيلة إلى التوحيد، في أول الأمر، ولكنه عقبة أمام كمال التوحيد، في آخر الأمر.. القاعدة في ذلك من قوله تعالى: (سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق.. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟؟) ففي مراحل الشهود الشفعي لا بد من العقل.. وتلك مراحل آيات الآفاق، وآيات النفوس (وهي تقابل شهود الله في أفعاله، وفي صفاته، وفي أسمائه، وتلك مراتب الحق، ولذلك فقد قال (حتى يتبين لهم أنه الحق).. (أنه) الهاء هنا نائبة عن الاسم (الله).. والحق مرحلة شهود شفعي، لأن له ضدا، هو الباطل).. ثم هو ذهب ليقول: (أولم يكف بربك انه على كل شيء شهيد؟؟) وهذه مرحلة الشهود الوتري.. هي مرتبة (الحقيقة).. وهي إنما كانت مرحلة شهود وتري لأن الحقيقة لا ضد لها.. وهي إنما يكون تجليها على ملكة الإدراك الوتري – على القلوب.. ولا يكون تجلي الذات الإلهية على قلب العبد إلا بعد رفع حجاب الفكر – إلا بعد أن تكون هناك لحظة توقف فكري – ولا يكون التوقف الفكري إلا عندما يحار العقل، ويعجز، وتنبهم في وجهه المعاني.. ولقد تقرر أن بيننا وبين الذات حجبا لا تتناهى، ولكنها تقع، في جملتها، على مستويين: مستوى حجب الظلمات، ومستوى حجب الأنوار.. وحجب الظلمات هي حجب شهوات البطن، والفرج.. وحجب الأنوار هي حجب العقول.. فأما حجب الظلمات فإن التخلص منها قريب، وميسور.. ولكن حجب الأنوار تستمر مع السالكين في الطريق السرمدي، وإليها أشار النبي الكريم حين قال: (إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله، في اليوم، والليلة، سبعين مرة).. ثم قال: (إنه غان أنوار، لا غان أغيار).. أي حجب فكر، وليست حجب شهوة..
فالفرق، إذن، كبير جدا بين الفلسفة، والدين.. ومثل هذا يقال عن الفرق بين العلم التجريبي المادي، والدين، وأيسره اعتماد الفلسفة، والعلم التجريبي، اعتمادا كليا، ونهائيا، على الفكر، في حين أن الدين يروض العقل حتى يتسامى على نفسه ليصل إلى تجريد التوحيد، فيلغي الشفعية، ويخلص إلى الوترية، ويكون ساعتئذ في لحظة توقف، وحيرة.. وعندهم أن الحيرة تكون إدراكا، ههنا، لأن العقل يكون قد عرف قدر نفسه.. وقد قال المعصوم: (من عرف نفسه فقد عرف ربه) يعني من عرف نفسه بما هو عليه من العجز، عرف ربه بما هو عليه من القدرة.. ومن ههنا قالوا: (العجز عن الإدراك إدراك) وقال سلطان العاشقين ابن الفارض:
زدني بفرط الحسن فيك تحيرا * * وأرحم حشا بلظى هواك تسعرا

فما ظن الدكتور، إذن، حين يعتمد اعتمادا كليا، في الخوض في أدق اسرار الدين، وفي آصل أصول الدين، على العقل؟؟ وحين يجعل أمر القدر أمر (معضلة فلسفية عالية)؟؟..