في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

من خصائص القرآن


إن الإنسان مسير، ما في ذلك أدنى ريب، وهذا الأمر هو أصل التوحيد.. والقرآن كله موظف لتوكيده، ولكن فهمه يحتاج إلى إطلاع على دقائق أسرار القرآن.. وأنت في ذلك تقول من صفحة 32: (ولأن القرآن كتاب دين وليس كتاب فلسفة فإنه يكتفي بالومض والرمز والإشارة واللمحة.)
فكأنك تريد أن تقول أن القرآن لو كان كتاب فلسفة لاستقصى هذا الأمر استقصاء، ولكنه، لما كان كتاب دين، لم يكن ذلك مجاله.. والقرآن ليس كتاب فلسفة، ما في ذلك أدنى ريب، وإنه ليتنزه عن ذلك لأنه في معارفه يغطي منطقة الفلسفة، ويتجاوزها إلى منطقة وراءها، حيث تنتهي قوة الإدراك الشفعي – العقل– وتبتديء قوة الإدراك الوتري – القلب..
ولأن القرآن كتاب دين، وليس كتاب فلسفة، فإنه قد ركز على تحصيل العلم عن طريق الممارسة، وليس عن طريق القراءة والإطلاع.. ومراده من توكيد الممارسة – العبادة والمعاملة – ترويض العقل ليتخلص من أوهام ما تعطي ظواهر الأشياء، كي ينفذ إلى ما عليه الأمر في بواطنها.. وهو، لكي يصل إلى غرضه هذا، يتخذ الظواهر مجازا إلى البواطن، فهو لا يعارض ما تعطي بدائه الحواس، ولا ما تعطي بدائه العقول.. فإذا كان النظر يعطي أن الأرض مسطحة فإن القرآن لا يصادم هذه البداهة المرئية، وإنما يسير في إتجاهها، فيقول: (والسماء بنيناها بأيد.. وإنا لموسعون * والأرض فرشناها، فنعم الماهدون) ويقول: (الذي جعل لكم الأرض فراشا، والسماء بناء، وأنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات رزقا لكم.. فلا تجعلوا لله أندادا، وأنتم تعلمون) ويقول: (والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها سبلا فجاجا).. فأنت لا تجد ما يزعجك حين تقرأ عبارة: (والأرض فرشناها).. أو عبارة: (جعل لكم الأرض فراشا).. أو عبارة: (جعل لكم الأرض بساطا).. لأن كل هذه العبارات تستقيم مع ما تعتقده الحق في أمر الأرض كما يعطيك نظرك.. وإنما أنت لم تنزعج لأن القرآن قد جارى وهم حواسك، ريثما يخلصك من هذا الوهم بتسييرك من ظواهر الأمور إلى بواطنها.. وبواطنها، في هذا الأمر، هي ما تعطيه العقول، بعد غربلة معطيات الحواس.. ثم ان للعقول وهما، كما للحواس وهم، بيد أنه أدق وأخفى.. والقرآن يجاري وهم العقول، كما يجاري وهم الحواس.. ووهم العقول يتمركز في توهم الإرادة، ذلك بأن العقول تسيطر على حركاتنا الإرادية، فمدت لها هذه السيطرة الى أن توهمنا أننا نملك إرادة مستقلة، بها نفعل، أو نترك الفعل، ويجيء القرآن في هذا الباب متمشيا مع هذا الوهم، ريثما ينقلنا منه، نقلا وئيدا، من خلال ممارسة العبادة.. فهو يقول، مثلا، في ذلك: (لمن شاء منكم أن يستقيم).. وعلى هذه الآية، وما تقرر، قام التكليف، وشرعت الشريعة، وأصبحنا مأمورين، ومنهيين.. فإذا نهضنا بعبء تكليفنا بتشمير، وجد، أدانا ذلك التشمير، والجد في العبادة، إلى أن نستيقن، بفضل تجويد التوحيد، أن الإرادة لمريد واحد، وأن المشيئة لمشيء واحد.. وحينئذ يخاطبنا القرآن في مستوى جديد فيقول: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين).. قوله: (لمن شاء منكم أن يستقيم)، آية شريعة.. وقوله: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين)، آية حقيقة.. والشريعة ظاهر، والحقيقة باطن الشريعة.. والحكمة في نهج القرآن هذا النهج هي أن القرآن كتاب عقيدة في التوحيد.. والعقيدة في التوحيد، في حد ذاتها، عقبة على المدعوين إليها، فلم يرد الحكيم أن يضيف إلى عقبة الدعوة إلى التوحيد عقبة أخرى بمعارضة أوهام الحواس، وأوهام العقول، من البرهة الأولى.. وأهم من هذه، أن بواطن الأمور ليس إليها من سبيل، إلا سبيل اعتبار ظواهرها.. والله تعالى يقول في ذلك: (سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق.. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟).. فآيات الآفاق ظواهر، وإدراكها عن طريق الحواس الظاهرة، وعن طريق العقول التي تستمد مدركاتها من معطيات هذه الحواس.. وآيات النفوس بواطن، وهي إنما تدرك بالعقول المروضة بأدب الشريعة، وبأدب الحقيقة – بأدب القرآن – هذا النهج الحكيم من القرآن يقوم على أسلوبين: أسلوب طردي، وأسلوب عكسي.. فاما الأسلوب الطردي فيبدأ بتعليمنا من الخارج، ويمشي نحو الداخل، حتى إذا وصل بهذا النهج إلى أعماق نفوسنا – وتلك هي مرتبة النفس الكاملة – بدأ بالأسلوب العكسي، وهو تعليمنا عن كوننا الخارجي من داخلنا.. ذلك بأنا نكون، حينئذ، قد بلغنا مشارف الحقيقة الأزلية المركوزة في سويداوات قلوبنا.. وهو يقول في ذلك، بصورة تشبه التوبيخ، من الآية السالفة: (أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟؟) فقولك، إذن، أن (القرآن كتاب دين، وليس كتاب فلسفة)، لا يجد تبريره إلا في اعتبار أن القرآن كتاب تسليك، وأنه يختط السير من ظواهر الأمور إلى بواطنها برسم أسلوب العبادة، وأسلوب المعاملة.. والقاعدة في تعليمه البواطن عن طريق الظواهر قوله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله).. وقول المعصوم: (من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم).. فهو يعني هنا: من عمل بما علم من ظاهر الشريعة، علمه الله ما جهل من بواطن الحقيقة..
ثم ان القرآن مثان.. قال تعالى في ذلك: (الله نزل أحسن الحديث، كتابا، متشابها، مثاني.. تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم، وقلوبهم إلى ذكر الله.. ذلك هدى الله يهدي به من يشاء.. ومن يضلل الله فما له من هاد) فهو يسوق معانيه: معنيين، معنيين.. معنى بعيدا عند الرب، ومعنى قريبا تنزل لإدراك العبد.. والمعنى البعيد هو المعنى الباطن، والمعنى القريب هو المعنى الظاهر.. أو قل، إن شئت، أن المعنى البعيد هو الحقيقة، وأن المعنى القريب هو الشريعة.. والشريعة، حين تمارس، في التطبيق، وفي المعاملة، تكون مجازا، وطريقا، يؤدي بالسالك إلى الحقيقة.. قال تعالى: (ثم تلين جلودهم، وقلوبهم)، فأقام الجلود مقام الظاهر، وأقام القلوب مقام الباطن..
إن خصائص القرآن كثيرة، وما أوردناه هنا يكفي للدخول على فهم الآيات التي أوردتها أنت في فصل (مخير أم مسير) من كتابك هذا الذي نحن بصدده الآن..