في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

الإنسان مسير وليس مخيرا


في القرآن حل مشكلة الجبر والاختيار، مافي ذلك أدنى ريب.. ولكن القرآن لا تفهمه إلا العقول التي تأدبت بأدب القرآن – أدب شريعته، وأدب حقيقته – وكون الإنسان مسيرا هو أصل التوحيد.. فإنه، إن يكن مخيرا، فإن اختياره، إما أن يكون نافذا، في جميع الحالات، فيكون، بذلك، مشاركا للخالق في فعله، أو يكون معطلا، في بعض الحالات، فيكون، بذلك التعطيل، مسيرا إلى أمر لم يختره، فهو، بذلك، وفي نهاية المطاف، مسير.. إن الخالق لواحد.. وإن الفاعل، وراء كل فاعل، لواحد.. والوهم هو الذي طوع لأنفسنا نسبة الأفعال لغير الفاعل الأصلي.. قال تعالى في ذلك: (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، فتشابه الخلق عليهم؟؟ قل الله خالق كل شيء.. وهو الواحد القهار).. قوله: (خلقوا كخلقه، فتشابه الخلق عليهم..)، هذا هو موطن الداء، ومجال التلبيس.. والتوحيد إنما هو وضوح الرؤية التي بها يقع التمييز بين المتشابهات.. وعن هذا الوهم الذي تورطنا فيه، فزعمنا لأنفسنا إرادة مستقلة عن إرادته، حرة، متفردة، بالعمل، أو بالترك، يحدثنا تعالى في هاتين الآيتين اللتين هما آية في دقة كشف حجاب الوهم.. قال تعالى: (هو الذي يسيركم في البر، والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك، وجرين بهم، بريح طيبة، وفرحوا بها، جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وظنوا أنهم أحيط بهم، دعوا الله، مخلصين له الدين، لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين.. * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق.. يأيها الناس!!‍‍ إنمنا بغيكم على أنفسكم.. متاع الحياة الدنيا، ثم إلينا مرجعكم، فننبئكم بما كنتم تعملون)..
وسبب الغفلة سعة الحيلة، والشعور بالاستغناء: (كلا‍‍ إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى)..
وحيلتنا في البر أوسع من حيلتنا في البحر، وبخاصة إذا هاجت العواصف على البحر.. (جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وظنوا أنهم أحيط بهم).. ههنا تنفد الحيلة ويكون اللجأ إلى الله، ويعرفه من كان قبلا من الجاحدين ويتوجه إليه من كان قبلا من الغافلين: (دعوا الله، مخلصين له الدين، لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين).. هذا هو حال من تقطعت به الأسباب، وقعدت به الحيلة، وأفاق من غفلته باستشعاره الحاجة الملجئة.. هذا هو حالي، وحالك، عندما يلح علينا الوهم.. ثم أنه، سبحانه، وتعالى، يحكي حالة أخرى: (فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق).. فعندما وطئوا البر استشعروا القدرة على الحيلة، والتدبير فعاودتهم الغفلة من جديد.. فورد الخطاب من الحق: (يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم، متاع الحياة الدنيا..).. يعني أن غفلتكم لن تجد فرصتها إلا خلال الحياة الدنيا.. أما في الحياة الأخرى فإنكم تواجهون مشكلتكم، كل لحظة.. فهي تلح عليكم إلحاحا، وتسلط عليكم تسليطا، فلا تجدوا فرصة للغفلة.. وهذا هو معنى قوله تعالى: (ثم إلينا مرجعكم، فننبئكم بما كنتم تعملون).. يومئذ لن تكون هناك فرصة لتوهم التخيير، وإنما هو التسيير.. لا لبس فيه ولا غموض..
والله، تبارك، وتعالى، يريد لنا أن نستيقن هذا التسيير، منذ اليوم، ولذلك هو يعلمنا أن الذي يسيرنا في البحر، حيث لا حيلة لنا، هو نفسه الذي يسيرنا في البر، حيث نتوهم الحيلة.. قال تعالى: (هو الذي يسيركم في البر، والبحر) ثم اسمعه في موضع آخر، وهو يسوق الحجج الدوامغ ضد وهمنا، ابتغاء تخليصنا منه: (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم.. وكان الإنسان كفورا * أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر، أو يرسل عليكم حاصبا، ثم لا تجدوا لكم وكيلا؟؟ * أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى، فيرسل عليكم قاصفا من الريح، فيغرقكم بما كفرتم، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا؟؟).. هذه حجج، في غاية القوة، ضد الغفلة التي تستولي علينا عندما نستشعر القدرة..

الإنسان بين التسيير والحرية


إن التسيير هو مذهب التوحيد.. وسوق الإنسان إلى استيقان ذلك التسيير هو وظيفة الكلمة: (لا إله إلا الله)، التي هي روح الإسلام.. والإسلام يقرر هذا التسيير بصورة لا تدع مجالا للشك، قال تعالى، في ذلك: (أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات، والأرض، طوعا، وكرها، وإليه يرجعون؟).. ولقد سُير الإنسان في مراتب ثلاث، بوسائل ثلاث.. سُير وهو في مرتبة المادة غير العضوية، وذلك منذ أن كان ذرة هايدروجين، وإلى أن أصبح خلية حية، تسييرا مباشرا بواسطة الإرادة الإلهية المسيطرة، والهادية.. ثم سُير في مرتبة المادة العضوية، منذ أن كان خلية حية، وإلى أن أصبح حيوانا سويا، تسييرا شبه مباشر، وذلك بإرادة الحياة.. ثم سُير تسييرا غير مباشر، منذ أن أصبح إنسانا بدائيا، وإلى يوم الناس هذا، وذلك عن طريق إرادة الحرية.. وإرادة الحرية معنى زائد عن إرادة الحياة.. إرادة الحرية قيمة، وهي قد دخلت، بدخول العقل في المسرح.. وفي هذه المرحلة أصبح التسيير من وراء حجاب العقل.. هذا ما عنيناه بقولنا أن التسيير، ههنا، قد أصبح غير مباشر.. ولقد تحدثنا، آنفا، عن لطف تدخل الإرادة الإلهية في الإرادة الإنسانية، حتى أنها لم تنزعج، ولم تستشعر سلبا لحريتها.. وإنما كان ذلك كذلك لأن الإرادة الإلهية إنما تتدخل في الإرادة البشرية عن طريق العقل.. وهو تدخل من اللطف بحيث يشعر العقل البشري أنه صاحب المبادرة، فيما يأتي، وما يدع، من الأمور.. فهو، إن ضل، فإنما هو قد اختار أن يضل.. وهو لا يرى الضلال في ذلك، وإنما يرى أنه مهتد.. قال تعالى، في ذلك: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا؟؟ فإن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء.. فلا تذهب نفسك عليهم حسرات... إن الله عليم بما يصنعون..).. فهو قد (زين له سوء عمله فرآه حسنا).. والحكمة، كل الحكمة، في دقة التسيير وردت في عبارة (فرآه حسنا)..
وهو، إن اهتدى، فإنما هو صاحب المبادرة في الهداية.. ولا يرى لغيره فضلا في هدايته، إلا قليلا.. ويذهل عن الحقيقة التي تشتمل عليها هاتان الآيتان: (واعلموا أن فيكم رسول الله، لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم.. ولكن الله حبب إليكم الإيمان، وزينه في قلوبكم.. وكره إليكم الكفر، والفسوق، والعصيان.. أولئك هم الراشدون * فضلا من الله، ونعمة.. والله عليم حكيم)..
فقد يبدو، إذن، أن التسيير لا ينافي الحرية، لأن عنصر الاختيار في العمل، قائم.. والحرية، في أبسط صورها، هي مسئولية، والتزام، وتصرف وفق شريعة يكافأ فيها المحسن بإحسانه، ويجازى فيها المسيء بإساءته.. وهذا هو ما عليه الأمر في التسيير، فإنه يقع على مستويين: مستوى القانون العام، ومستوى القانون الخاص.. فأما القانون العام فإن به تم تسيير المادة غير العضوية، وتسيير المادة العضوية، إلى أن بلغت هذه أدنى منازل العقول.. والقاعدة القانونية فيها قوامها: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا، يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا، يره)..
وأما القانون الخاص فقد دخل مسرح الحياة بعيد ظهور العقل.. والقاعدة القانونية فيه قوامها (الحلال، والحرام).. وهو محاكاة محكمة للقانون العام، فإنه في مقابلة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا، يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا، يره)، قد جاء بقوله: (وكتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس.. والعين بالعين.. والأنف بالأنف.. والأذن بالأذن.. والسن بالسن.. والجروح قصاص.. فمن تصدق به فهو كفارة له.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)..
والقانون الخاص نفسه يقع على مستويين: مستوى الشريعة العامة، ومستوى الشريعة الخاصة.. فأما الشريعة العامة فهي للمجتمع.. وأما الشريعة الخاصة فهي للأفراد.. وهذه الأخيرة أدخل في القواعد الخلقية، منها في القواعد القانونية.. وهي، بذلك، تتسامى، وتوكل بالتجويد، والإحسان.. والتسيير فيها، من ثم، ينفتح على التخيير، وذلك بفضل الله، ثم بفضل العلم الذي عصم الأفراد الذين يعيشون في مستواها، (الأخلاق)، عن التورط في مخالفة القواعد القانونية التي ترعى حقوق الجماعة في مضمار الشريعة العامة.. ولتوضيح مقام الشريعة الخاصة، من الشريعة العامة، يحسن أن نضرب مثلا بسنة النبي، في خاصة نفسه، وشريعته، لعامة أمته.. فإنه كنبي، قد كان فردا.. مستوى تكليفه أعلى من مستوى تكليف أمته، وذلك لمكان علمه بالله.. وهو، لما كان مجاله مجال الشريعة الفردية، قد كان أدخل في منطقة التخيير، منه في منطقة التسيير.. نخرج من هذا التقرير إلى أن التسيير إنما هو بالقانون، والقاعدة فيه أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك،.. كما تدين تدان.. والحكمة وراءه أن يسلمك إلى التخيير، حين تحسن التصرف في حريتك الفردية.. وكلما زاد إحسانك في التصرف، كلما زادت حريتك اتساعا، وعمقا.. والقاعدة في ذلك: (هل جزاء الإحسان، إلا الإحسان؟؟)..