في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

بين الشريعة والحقيقة


ولقد نبهتك على الأمرين السابقين لأنك بهما تحرز المقدرة على أن تميز بين الشريعة والحقيقة، فلا تتورط في التخليط.. ذلك التخليط الذي يطالعني حيثما نظرت في أقوالك، في أمر الحلال والحرام، في هذا الفصل.. خذ، مثلا، قولك، من صفحة 112: (والرجل العابد الزاهد المشغول القلب بالله يرى الجمال فيرى فيه الخالق الذي صور وليس المخلوق. فلا تكون نظرته حلالا فقط.. وإنما تكتب له حسنة.. وهي نظرة لا يقدر عليها إلا متصوف عابد يرى قدرة الله في كل شئ وإبداع صنع الله على وجه كل شئ..
"وصوركم فأحسن صوركم". وهو رجل قد غفل عن الخلق فلم يعد يرى إلا الخالق).. هذا قولك، وهو قول يدل على عدم التمييز الدقيق، في الأمور.. وصاحبك، هذا العابد، الزاهد، الذي وصفته إنما هو رجل مذهوب العقل: (هو قد غفل عن الخلق فلم يعد يرى إلا الخالق). وهو، من ههنا، قد رفع عنه تكليف الشرع.. هو في حالة فناء.. فإن أفضى به فناؤه إلى البقاء، فإنه يصبح صاحب حقيقة.. ولا بد لصاحب الحقيقة، الباقي، من شريعة.. وقد تكون شريعته فردية، فهو يعيش بها فوق مستوى شريعة الجماعة.. ولها ضابط، هذا الضابط هو، دائما، عصمته من أن يخرق شريعة الجماعة، مما يترتب عليه ضرر على أحد.. وخرق شريعة الجماعة، في المعاملات، دائما يترتب عليه ضرر.. لأن المعاملة لا تقع إلا بين طرفين، على الأقل.. وفي صفحة 113 يرد قولك: (وهنا نصل إلى جوهر التحريم.
فالتحريم دائما لضرر والله أقام شريعته محبة ورحمة لا تسلطا وغطرسة. فإذا انتفى الضرر.. فأنت في المنطقة الحلال. وغض البصر ليس فقط غض البصر عما يتعرى من الجسد وإنما هو أيضا غض البصر عما في يد الناس من مال ونعمة، وهو الحياء والترفع عن النزول بالنفس إلى مواطن الشهوة والحسد والحقد والغيرة).. هذا ما قلته أنت.. وسيقوم سؤال بسيط: إذا كانت هناك قاعدة تشريعية، في المعاملة، وخرقها إنسان، على اعتبار أنه، في نظره، لم يضر نفسه، ولا غيره، بهذه المخالفة، فهل يترك ليكون هو قاضي نفسه، حين أخذ القانون في يده؟؟ أم هل يجلس، في القضاء على باطل، وحق دعواه رجل غيره؟؟ فإن قلت بالأولى، فقد عطلت تنفيذ الشريعة، حين جعلتها أمرا يخضع لاعتبار كل فرد.. وإن قلت بالثانية، فإن مجرد خرق شريعة المعاملة جريمة، وإن لم يكن هناك خصم يشكو الضرر.. وأما قولك: (وغض البصر ليس فقط غض البصر عما يتعرى من الجسد وإنما هو أيضا غض البصر عما في يد الناس من مال ونعمة)، إلخ، إلخ.. فهو قول طيب.. وقد وردت فيه الآية على النبي الكريم، تأمره: "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم، زهرة الحياة الدنيا، لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى".. وقد ظل النبي الكريم يغض بصره عن المحارم، ويكفكف نفسه أن تتمنى ما في أيدي الناس، تنفيذا لهذا الأمر.. وقد كان النبي الكريم صاحب شريعة فردية، وصاحب حقيقة كبرى، وصاحب شريعة جماعية لأمته.. وقد كان يعيش في رعاية تامة لشريعته الفردية، وهي فوق مستوى الشريعة الجماعية، ومع ذلك، فقد كان يعتبر نفسه محكوما بقواعد الشريعة الجماعية في المعاملة.. وقواعد الشريعة الجماعية، في المعاملة، تقوم على ظاهر النص.. والضرر يترتب على مجرد مخالفتها.. وغض البصر عن المحارم، الذي نحن بصدد الحديث عنه، خير مثال على ذلك.. فقوله تعالى: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم" وجبت طاعته بغير تأول فيه.. ومن خالفه، اتكالا على أن عمله، في تقديره هو، لا يضر أحدا – لا هو ولا غيره – لأنه هو إنما: (يرى الجمال فيرى فيه الخالق الذي صور وليس المخلوق)، على حد تعبيرك، لا يُقبل منه هذا العذر، ويعزّر، وإن لم يكن له خصم يقاضيه، لأن الدوله هي خصمه في هذا..
وأنت تقول: (ولذا جعل الطلاق مكروها لكنه ممكن إذا استحالت الحياة).. هذا قولك في صفحة 123، وهو قول يحتاج إلى ضبط في العبارة، ذلك بأن الطلاق حلال.. ولكنه أبغض الحلال إلى الله، كما قال المعصوم.. وعبارة: (جعل الطلاق مكروها) لا تؤدي هذا المعنى.. والطلاق شريعة مرحلية، الغرض منه، كما قلت، تصحيح خطأ وقع فيه أحد الزوجين، أو كلاهما، عند الاختيار، مما تستحيل معه الحياة الزوجية، وذلك بإعطاء فرصة جديدة، لاختيار جديد.. وهو قد جعل على مرتين.. فإذا كانت الثالثة فإنها تفرق بين الزوجين تفريقا، نهائيا، لا عودة بعده لهما إلى بعضهما، إلا إذا نكحت الزوجة رجلا آخر، نكاحا صحيحا.. قال تعالى في ذلك: "الطلاق مرتان.. فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.. ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا، إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله.. فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به.. تلك حدود الله، فلا تعتدوها.. ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون * فإن طلقها فلا تحل له، من بعد، حتى تنكح زوجا غيره، فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا، إن ظنا أن يقيما حدود الله، وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون".. فهو قد جعلت فيه فرص كافية ليغير أي من الشريكين، أو كلاهما، طريقة سلوكه ليجعل استمرار الحياة الزوجية مع شريكه ممكنا.. فإن استنفدت الفرص الثلاث، فقد رسم الطريق إلى فرص ثلاث جديدة: "فإن طلقها فلا تحل له، من بعد، حتى تنكح زوجا غيره، فإن طلقها، فلا جناح عليهما أن يتراجعا، إن ظنا أن يقيما حدود الله".. وهذه الرغبة الحكيمة، الرحيمة، في استمرار علاقة إنسانية بدأت بوفاق، هي التي أتاحت كل فرص الإستمرار، وهي التي جعلت الطلاق حلالا، حين يستحيل الاستمرار في جو من التسامح، والمجاملة، لأنه، ساعتئذ، سيكون خير حل لوضع ميئوس منه.. ومع ذلك، جاء التنفير عنه.. بقول المعصوم: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق).. وسيجئ يوم يبطل فيه الطلاق، لقلة الحاجة إليه.. وذلك حين تكون فرص إحسان الإختيار متاحة بقدر كاف.. فإن لكل رجل زوجة في الحقيقة، هي صنو نفسه، وله زوجة في الشريعة، هي محاولة لمصادفة زوجته في الحقيقة.. فإذا وقع الخطأ، وهو، في المرحلة الحاضرة، كثيرا ما يقع، وكان الخطأ بدرجة يستحيل معها استمرار الحياة، فإن الطلاق هو العلاج.. لأنه يتيح فرصة جديدة، لمحاولة جديدة.. فإذا وقع اختيار الرجال على زوجاتهم في الحقيقة، ووقع اختيار النساء، ونهض، على هذا الاختيار، زواج الشريعة، فإن المحبة التي تلحم بينهما تجعل شريعة الطلاق، في حقهما، شريعة منسوخة.. وإنما يجئ ذلك اليوم بزيادة أنوار القلوب، والعقول، لدى الرجال، والنساء، مما تتضح معه الرؤية في بواطن السرائر.. ويومئذ يكون لكل رجل امرأة واحدة، ويكون لكل امرأة رجل واحد.. وتكون علاقة الرجل بجميع النساء الأخريات، وتكون علاقة المرأة بجميع الرجال، عدا زوجها، علاقة براءة، وطهارة، ونقاوة.. ولا تتجه الغريزة الجنسية فيهما، ولا تستيقظ، لغير شريكها.. وهذه هي حكمة التشريع في تحريم الزواج بين الأخوات، وبين الأم وابنها، وهو ما أوردته أنت في صفحة 123 حيث قلت: (ويحرم الدين الزواج بين الأخوات وبين الأم وابنها والأب وابنته لأنه يريد أن تنمو في الأسرة ألوان أخرى من العاطفة غير الشهوة كالأمومة والأبوة والأخوة والمودة وأن يكون الرباط الأسري هو التراحم)..
سيجئ وقت، قريبا، إن شاء الله، تكون فيه العفة، والصون، أمرا ثابتا في صدور النساء، والرجال.. ويكون جميع النساء، إلا امرأة واحدة، لدى كل رجل، كأنهن أخواته، أو أمه.. فلا تتحرك فيه رغبة جنسية لإحداهن، على الإطلاق.. ومثل هذا يقال عن المرأة بين الرجال، إلا رجلا واحدا، هو زوجها.. فكأن التحريم الشرعي اليوم في الدوائر المحرمة هو مقدمة لتلك الحالة التي يصحب مجيئها مجيء الموعود الذي سيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.. وحالة العفة هذه هي من ضمن العدل الذي ستملأ به الأرض يومئذ..