في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

الفصل الثاني عشر

المعمار القرآني



هذا أقل فصول الكتاب أهمية، ولكنه، مع ذلك، أقربها إلى نفوس القراء..
والذي لا يروقني في هذا الفصل هو تركيزه على مباني القرآن إلى الحد الذي يجعلني أخشى على القراء أن ينصرفوا عن المعاني إلى المباني.. ألست أنت تدعو إلى ذلك، بإرادة منك، أو بغير إرادة، حين تقول من صفحة 20: (إنا لسنا أمام معنى فقط.. وإنما نحن بالدرجة الأولى أمام معمار..)؟؟ أنظر إلى عبارة: (بالدرجة الأولى)!!
إن القرآن قد استخدم اللغة العربية استخداما معجزا، ما في ذلك أدنى ريب، ولكن، مع ذلك، ولعله، رغم ذلك، فإن إعجاز القرآن في المعاني، وليس في اللغة.. والقرآن، (بالدرجة الأولى) علم – هو علم نفس.. وما موسيقاه الباطنية التي تشير أنت إليها، بدون أن تتحدث عنها، إلا ذلك العلم.. القرآن استخدم التنغيم الخارجي ليحدث به تنغيما داخليا في تضاريس النفس البشرية التي شوش عليها الخوف العنصري أمرها..
وأخشى ما أخشاه عليك، وعلى القراء، هو ظنك هذا الذي وردت العبارة عنه، في صفحة 20، بقولك: (إنه قرآن في لغته. أما في اللغات الأخرى فهو شيء آخر غير القرآن. وإنا أنزلناه قرآنا عربيا، وفي هذا تحديد فاصل).. وأنا إنما كرهت لك هذا الفصل لأنه يمد في ضلال قديم هو اعتبار أن معاني القرآن إنما تلتمس في اللغة العربية.. هذا الضلال قد أنّى له أن يصحح، ولقد كنت أنت، ولا تزال عندي، من المرجويين لتصحيحه، ذلك لأنك ذكي، ولأنك زكي، ولأنك عالم..
إن القرآن ليست له لغة، وإنما اتخذ اللغة العربية وسيطا إلى الوصول إلى لغته.. ما هي لغته؟؟
هي أناغيم النفس الإنسانية التي تنساب في أودية قد تحجبت بحجب الأنوار، وبحجب الظلمات.. ولقد أشرنا إلى ذلك في حديثنا، في هذا الكتاب، عند الكلام عن الحروف.. إن القرآن ليست له لغة بالمعنى الذي نعرفه للغة.. أقرأ: (حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * وإنه، في أم الكتاب، لدينا، لعلي حكيم)..
هذا هو القرآن، وهذه هي لغته.. وإنما صب في قوالب التعبير العربية لتدركه عقولنا القواصر: "إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون".. فإذا عقلتم فما ينبغي لكم أن تقفوا عند جمال مظهره، وإنما ينبغي أن تقصوا آثاركم راجعين إلى المنبع حيث تجدون أنفسكم التي أضللتموها، فضللتموها..
"وإنه، في أم الكتاب، لدينا، لعلي حكيم".. "أم الكتاب" هي النفس الإنسانية الكاملة‍‍‍‍!! أين هي؟؟ هي عند الله، حيث لا عند..
والقرآن هو علم هذه النفس.. وهو هي..