في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

القرآن ومصطفى محمود والفهم العصرى

إليكم ما نشرته جريدة (أنباء السودان):

تعالوا إلى كلمة سواء!!
الله والإنسان – الخوض في أسرار الكون


عزيزي موسى.. تحية.. وبعد فقد أرسلت إلى صحيفة (أنباء السودان) الغراء الرد على سؤالك الأول، وهأنذا أبعث بالرد على سؤالك الثاني.. يسأل السيد م. ع. أ. الأخ الكريم مصطفى أبوشرف ما هو آت: (أستاذي.. فقد التبس عليّ الأمر في موضوع قرأته في كتاب (الله والإنسان) للكاتب مصطفى محمود، وقد جاء في فقرة من فقراته ما يلي: (إن الله الذي لا يحترم عقلا صنعه بيديه يعطيني العذر في ألا أعبده).. ثم يستطرد السائل فيقول: (ويعلل الكاتب حديثه بحجة أنه أراد بهذه الجملة تحطيم الحجة التي يلجأ إليها الفقهاء للهرب من الجدل.. حجة أن الدين فوق العقل، وأن الله فوق العقل، وأن العقل عاجز، قاصر، عن فض مغاليق الوجود.. ويقول أنه أراد لفت النظر إلى ما في هذه الحجة من تناقض.. فهم، بإساءتهم إلى العقل، يسيئون إلى أشرف ما صنعه الصانع الذي يعبدونه، ويفتحون ثغرة نعتذر بها عن عبادته، ونتمسك بأقوالنا، ومعنا حجة عليهم، وليست لهم.. ثم يستطرد السائل فيقول: (إنني عندما أقرأ هذا الحديث ينتابني الذعر، وتسيطر على الهواجس، وأرى أن الكاتب، في تعليله، وحديثه، قد فنّد كل الحجج، وتحدى الدين، ورجاله، لما في كلامه من حقائق.. ولكن الله، في محكم كتابه يقول: (يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).. إن الله يأمرنا بألا نبحث في الذات، وما وراء الحياة.. وأريد أن أسأل: (هل أسرار الكون، وما وراء العقل، يمكن أن تخوض العقول للبحث فيه؟؟)
(هذا هو السؤال.. وقد أوردته برمته حتى يرى القارئ مبلغ الاضطراب الذي في عبارته.. ومهما يكن من أمر، فإن أحدا من الفقهاء، لم يقل: أن العقل لا كرامة له، وأن الله لا يحترم العقل.. بل أن الفقهاء ليقرأون حديث النبي في ذلك، وهو طويل، ويشير إلى أن أول ما خلق الله تعالى العقل، وأنه، تبارك وتعالى، قال: (ما خلقت خلقا هو أكرم عليّ من العقل).. والفقهاء يعلمون أن التكليف الشرعي والإجتماعي، الذي بفضله تميز الإنسان عن الحيوان، مداره العقل.. والفقهاء يقولون مع المتنبئ:
لولا العقول لكان أدنى ضيــ * *ـــغم أدنى إلى شرف من الإنسان

فالله، إذن، يحترم العقل، ويكرمه، والفقهاء يعلمون ذلك بالبداهة.. ومن هذا العلم البديهي يبدأون.. وإلا لكان اشتغالهم بالفقه لغوا باطلا.. فإذا صح هذا – وهو صحيح – فليس هناك إذن ما يبررهذه القولة، المتحذلقة، المتعالمة، الجوفاء: (إن الله الذي لا يحترم عقلا صنعه بيديه يعطيني العذر في ألا أعبده)..
إن الأمور تلبست على صاحبنا فظن أن العقل لا يكون كريما على الله، محترما عنده، إلا إذا خضع الله، سبحانه وتعالى، للعقل.. يدركه، ويحيط به، ويستنفد معانيه، ويفك مغاليقه.. فهو ينكر على الفقهاء قولهم: (إن الدين فوق العقل، وأن الله فوق العقل، وأن العقل عاجز، قاصر، عن فض مغاليق الوجود..) ويرى أن هذا القول لا يستقيم مع احترام العقل..
إن كل ما عناه الفقهاء هو أن الله لا تحيط به العقول، وأن الدين فوق العقل بمعنى أن العقل إذا عجز عن إدراك أسرار أوامر الدين، ونواهيه، فعليه أن يطيع، وأن يصدّق، وأن يؤمن بما جاء به الدين، لأن أسرار الدين هي حكمة الله، وحكمة الله كلما أدركت العقول طرفا منها، غاب عنها طرف.. ولذلك يقول، عز من قائل: (ويسألونك عن الروح، قل: الروح من أمر ربي.. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا..)..
والعقل ليس صورة ثابتة، وإنما هو نام، مطرد النمو، وما لا يدركه، اليوم، يدركه غدا.. وسبيله إلى إدراك ما لا يدرك، اليوم، التصديق، وحسن النظر، وإطالة الفكر، وارتقاب العرفان.. وهذا هو المقصود بقول الفقهاء (الدين فوق العقل)..
إن الدين هو الانقياد، والإذعان.. فما لا تذعن له وأنت عارف به، تذعن له وأنت مؤمن به.. لأن الله أرسل رسلا قامت الحجة على صدقهم.. والتصديق بما لا يمتنع عقلا أول مراتب العلم به.. ولذلك كان الإسلام، في طرفه القريب، مجرد تصديق، مع أنه في طرفه البعيد محض علم..
والعقل يدرك صفات الله، وأفعاله، بالتصديق به، أولا.. ثم بطول الروية، وحسن النظر، ثانيا.. ولذلك فقد دعانا تعالى للنظر في مخلوقاته: (قل انظروا ماذا في السموات والأرض!!) ولكنه لا يدرك ذات الله، فيحيط بها.. وذلك لأن العقل لا يميز الأمور إلا بأضدادها.. فلا يعرف النور لولا الظلام، ولا يعرف الحلو لولا المر.. وليس لذات الله ضد.. (ولم يكن له كفؤا أحد).. ولصفات الله ضدية، ولأفعاله ضدية، في صفات العباد، وأفعالهم.. وبذلك أصبح ممكنا أن تعرف العقول الله، سبحانه وتعالى، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله.. هذا هو السبب في أننا منهيون عن التفكير في ذات الله، مأمورون بالتفكير في مخلوقاته.. هل نحن منهيون عن التفكير فيما وراء الحياة، كما يظن السائل؟؟ كلا!! بل نحن مأمورون بالنظر في كل شيء، ما عدا ذات الله.. ولقد جاء التوحيد في الدين كوسيلة بها نوحد ذواتنا لنستطيع أن ندرك ذات الله، إدراك يقين، لا إدراك إحاطة.. فإن الإحاطة ممتنعة، لامتناع الوحدة المطلقة على أي ذات مخلوقة.. فالوحدة المطلقة هي حظ ذات الله وحده.. ولا يعرف الواحد إلا الواحد.. ولذلك قيل: (لا يعرف الله، إلا الله..) وقال النبي، صلى الله عليه، وسلم: (لك الحمد كما أنت أهله، لا أحصي ثناءا عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)..
(هل أسرار الكون، وما وراء العقل، يمكن أن تخوض العقول للبحث فيه؟؟)
الجواب نعم!! وهذا هو المطلوب، فعلا!! غير أن العقول يجب أن تستعين على اجتلاء غوامض الوجود بالمرانة، وطول الرياضة، والصبر عن نزوات الطبع، ودواعي الجبلة.. وهذا هو غرض المنهاج الذي اختطه الدين، ورسمه بأوامره، ونواهيه.. فإن كنت لا تعرف الحكمة فيما أمرت به، ونهيت عنه، وجب عليك التصديق بذلك، ثم العمل كما أمرت، حتى يكتسب عقلك القدرة على الخوض في أسرار الكون، وحتى يأتيك موعود الله، في قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.. وإن الله لمع المحسنين..)..
أرجو أن يكون قد وضح أن كرامة العقل على الله لا تتنافى مع قول الفقهاء: (أن الدين فوق العقل، وأن الله فوق العقل).. هذا وسيظل العقل كريما على الله ما عرف قدر نفسه، فلم ينف وجود كل شيء عجز عن إدراكه..))
هذه هي نهاية المقالة التي نشرت في يوم السبت 7 فبراير من عام 1959 في الرد على سؤال أثارته عبارة وردت في كتاب الدكتور مصطفى محمود: (الله والإنسان)، ولقد كانت تلك العبارة هي قول الدكتور: (إن الله الذي لا يحترم عقلا صنعه بيديه يعطيني العذرفي ألا أعبده)..
والإعتماد على العقل في فهم أصول الدين ليس خطأ الدكتور مصطفى محمود وحده، وإنما هو خطأ شائع قامت عليه معاهد الدين جميعها في الأوقات الأخيرة، وآية ذلك إهتمام هذه المعاهد بالتحصيل النظري لقضايا الدين، وتقصيرها في التطبيق، مع أن القاعدة الدينية في فهم الأصول قول الله تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله..)، وقول المعصوم: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)..
يعني من علم بما علم من الشريعة علمه الله علم ما لم يعلم من الحقيقة.. فهذا الدين دين علم، وعمل بمقتضى العلم.. والعلم الواجب فيه يبدأ بعلم ما لا تصح العبادة إلا به من أمور الشرع، ويقترن هذا العلم بالعمل إبتغاء العلم اللدني من الله فيما يخص خفايا أسرار الدين، وأصوله.. يقول تعالى في ذلك: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.. وأن الله لمع المحسنين)..
والعقل كريم عند الله، كل الكرامة.. سواء، أعرف واجبه، أم لم يعرفه.. وهو حين يعرف واجبه يكون في مستوى، وحين يجهل واجبه يكون في مستوى آخر.. ولذلك فقد قال العارفون: العقل عقلان.. عقل معاش، وعقل معاد.. فأما عقل المعاش فهو عقل قد إنشغل بالحياة الدنيا، ووظف نفسه لتحصيلها، ولم يرتفع إلى ما هو أعلى منها.. وهو على صاحبه حجة، وبه وجبت عليه العقوبة على التقصير عن شأو الفهم السليم.. وفي هذا العقل جاء قوله تعالى: (وقالوا: لو كنا نسمع، أو نعقل، ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم، فسحقا لأصحاب السعير) ولقد كانوا يسمعون، وكانوا يعقلون، في أمور دنياهم، ولكنهم لم يكونوا يعبرون من طرف الدنيا إلى بر الآخرة، وإنما كانوا يرتعون كما ترتع السوائم حين تجد المروج الخضر.. وعلم هذه العقول علم لا يغني غناء، ولا يفيد فائدة.. وفي هذا العلم قال تعالى: (وعد الله.. لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون..) نفى تعالى عنهم العلم، فقال: (لا يعلمون).. ثم أثبت لهم العلم فقال: (يعلمون) ولكنه، حين أثبته، لم يثبته حتى قال: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون..) فلكأنه علم لا يغني غناء، ولا يفيد فائدة، وإنما هو أقرب إلى الضرر منه إلى النفع، وكل (علم ظاهر)، لا يتعدى إلى الباطن مضر.. فهو، إن لم يفوّت أصول الأجور، يفوت درجات القرب.. وهذا القول ينطبق حتى على العلم بظاهر القرآن.. و(علم الظاهر) هو علم العقول.. فإن كان هذا العلم في أمور الآخرة فهو مقصر، وإن كان في أمور الدنيا فهو مفرط.. وفي حالة التقصير تفّوت الدرجات، وفي حالة التفريط تفوت أصول الأجور، وتحل العقوبات.. ثم ان علم العقول، إذا كان يهتدي بالإيمان، فإنما هو منزلة من المنازل في طريق السير نحو علم القلوب.. فعلم العقول إيمان، وعلم القلوب إيقان، وبين الإيمان والإيقان إختلاف درجة.. ومهما يكن من الأمر فإن العقول لا تعلم العلم النافع إلا إذا تأدبت بأدب الشريعة، ثم بأدب الحقيقة.. ففي حالة أدبها بأدب الشريعة فهي في حالة عبادة، وتلك أول منازل العبودية.. وفي حالة أدبها بأدب الحقيقة فهي في حالة عبودية.. وإنما من أجل العبودية خلق الله الخلق.. قال تعالى: (وما خلقت الجن، والإنس، إلا ليعبدون) ظاهره عبادة، وباطنه عبودية.. فمن وقف عند الظاهر، ولم يتعده، فهو في خطر من أن يكون عمله باطلا، وفارغا من المحتوى.. فإن لم يكن باطلا، وفارغا من المحتوى، فهو في الدرجات الدنيا من الثواب..
هذه العقول المؤدبة بأدب الشريعة، وأدب الحقيقة، هي العقول المروضة على الفكر الدقيق، الذي يدق حتى يلغي وجوده، ويرفع حجابه، فيجوز صاحبه من (علم الظاهر) إلى (علم الباطن)، ومن الإدراك (الشفعي)، إلى الإدراك (الوتري)، الذي به يتم العلم بأسرار الألوهية، وبأصول الدين، ذلك العلم الذي ظهر قصور الدكتور مصطفى محمود عن شأوه أشد الظهور في كتابه هذا الذي بين أيدينا..
ولقد يُلاحظ أن اسم هذا الكتاب كان، أثناء نشره منجما في مجلة (صباح الخير)،: (محاولة لتفسير عصري للقرآن).. فلما لقي الدكتور من المعارضة ما شككه في الثقة التي كان يأنسها من نفسه غير اسم الكتاب إلى (محاولة لفهم عصري للقرآن) وهو اسم أكثر تواضعا من سابقه، من غير أدنى ريب، بيد أنه تواضع لا تزينه فضيلة التواضع، بل إنه لتواضع يكشف عن ظاهرة مؤسفة، وهي أن الأستاذ مصطفى محمود لم يخض فيما خاض فيه من أمر أصول الدين إلا برأي فطير، وإلا بخواطر فجة..
وإنما بوحي من اسم الكتاب الأول: (محاولة لتفسير عصري للقرآن) جاء سؤال مجلة (الأضواء) السودانية: (هل يملك الدكتور مصطفى محمود مؤهلات المفسر العصري للقرآن؟؟) ولقد أوردت السؤال والإجابة عليه في هذه المقدمة والذي يهمني هنا هو وعد قطعته للقراء لأحدثهم عن التأويل وذلك حين قلت: (ومهما يكن من الأمر، فإن البشرية اليوم لا تحتاج إلى تفسير القرآن، وإنما تحتاج إلى (تأويله).. وليس ههنا مجال الخوض في هذا الأمر، وإنما موعدنا مع القراء الكرام كتاب، هو الآن تحت الإعداد، في الرد على محاولة الدكتور مصطفى محمود لما أسماه بتفسير عصري للقرآن).. هذا هو الوعد.. ولذلك فإن حديثي التالي سيكون عن (التفسير والتأويل).. وبإيجاز، لنفرغ للحديث عن أصل الموضوع..