((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الثانى

الأرواح الشريرة


هناك الأرواح الخيرة، والأرواح الشريرة.. وقد ورد ذكر كليهما في الآية الكريمة: "وإذ قلنا للملائكة أسجدوا لآدم.. فسجدوا، إلا إبليس.. كان من الجن، ففسق عن أمر ربه.. أفتتخذونه، وذريته، أولياء من دوني، وهم لكم عدو؟؟ بئس للظالمين بدلاً.." وذرية إبليس الشياطين، وذرية الشياطين الجن.. هو أبو الشياطين، وأما الجن فهم أحفاده.. ومن الجن مؤمن وكافر.. ولكن الشياطين كلهم كفار.. وهم بذلك لا يأمرون بخير.. وعداوتهم للبشر قائمة إلى يوم الدين.. "قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض، ولأغوينهم أجمعين".. وهذا هو ديدنه، وديدن ذريته.. الإغواء.. فكيف، مع هذا، يطمئن عاقل أن يأخذ دينه عن "السبَتْ"، كما يفعل هذا النفر في الخرطوم بحري؟؟ ومن أين لهم أن يثقوا أن الذي يحرك "السبَتْ" والقلم ليس شيطاناً رجيماً، أو جناً كافراً؟؟ ليسألوا أنفسهم هذا السؤال..
ومن الجن مؤمن يأمر بالخير، وهو يعلم.. ومنهم مؤمن يأمر بالشر، وهو يريد الخير، ولكنه لا يعلم، وإنما يؤتى من نقص علمه.. ويطيب لي بهذه المناسبة أن أورد قصة صديق اتصل به نفر من الجن، وتحدثوا إليه، وهو يسمعهم بوضوح، ولكنه لا يراهم، وأخبروه أنهم من الجن المسلمين، وأنهم يقرأون القرآن، وأنهم إنما رغبوا في صداقته لما بدا لهم من سلامة صدره، واستقامة سيرته، وإقباله على ربه.. وطمأنوه أنه لن يجد منهم إلا الخير.. وقد سار معهم في صداقة روحية.. ثم أخذوا يأمرونه بقراءة القرآن، وبالصلاة على النبي.. فرفع أمرهم هذا إلي، فنصحته بأن لا يأخذ منهم، وأن يتبع في عبادته، سنة النبي، وأنهم إن أمروه بشيء خارج عن السنة اعتذر.. وإن هم أمروه بأمر هو من السنة يأتيه، ولكن بنية طاعة أمر الله حيث يقول: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".. لا بنية طاعتهم هم.. يكون هذا منه على غرار ما ذكرنا من أمر عيسى بن مريم حين ظهر له إبليس، وقال له قل: "لا إله إلا الله" فقال عيسى: "كلمة حق، ولا أقولها بقولك".. فلم يفارق الحق، ولم يطمع إبليس في طاعة..

و لقد كتبت له الكتاب التالي: ـ
أم درمان في 12/7/ 1971 ص. ب. 1151
عزيزي يوسف ،
تحية طيبة ..
أرجو أن تكون قد وصلت بسلام، وأن تكون بقية الأسرة قد وصلت موفورة ومعافاة..
فهمت من إبراهيم عن رؤياك في الليلة الأخيرة.. فأما الزوجتان الضرتان فإنما هما دنياك، وآخرتك، تتنافسان عليك.. ولحسن التوفيق أن كانت أحداهما مسنة، والأخرى شابة.. فإن المسنة هي دنياك، والشابة هي آخرتك، لأنك حديث الدخول عليها.. وكونها شابة يجعلك شديد الميل إليها.. وستنتصر هي في الاستحواذ عليك، وفي ذلك خير كثير.. وهذه الرؤيا تعطي طرفاً من أمر أصحابك، وهو، وإن يكن طرفاً بعيداً عن ظهورهم المباشر، إلا أنه يعطي فكرة جيدة، وأن لم تكن محددة.. إن أصحابك، فيما يبدو من مسلكهم معك، خيرون، وإلى الخير داعون.. ولكن ما ينبغي أن يطمأن إليهم، كل الاطمئنان.. فإن اختلاف العنصر بيننا وبينهم يجعل استفادتنا منهم أمراً محفوفاً بالشك.. ومن حسن الفطنة ألا نستبعد هذا الشك، لمجرد أنهم إنما يأمروننا الآن بعمل الخير، من قراءة للقرآن، أو صلاة على النبي.. فإن داعي الإضلال لا يبدأ بالإضلال من الوهلة الأولى، وإنما يطلب الثقة به أولاً من جانب من يراد إضلاله، فإذا توفرت الثقة في الداعي إلى الإضلال، بسبب ما يدعو إليه من ظاهر الطاعة، وتم الركون إلى صحبته، بدأت المفارقة.. على كل حال، فإن أمر الدين لا يؤخذ إلا عن النبي، أو عن الأشياخ من خلفائه، كالشيخ إبراهيم الدسوقي، مثلاً، الذي أنت منتسب إليه، وعامل بأوراده.. واليوم، فإن، حتى هذه الطرق التي فتحها الأشياخ، قد أخذت أبوابها في الانغلاق، ولم يبق باب تطمئن إليه النفس غير باب محمد.. ويمكن القول، على التحقيق، أنه، ونزولاً على حكم الوقت الحاضر، فإن الدين ينبغي ألا يؤخذ إلا عن النبي.. بقى شيء، فإن إعانة أصحابك إياك لا تكون في أمر الدين، بقدر ما تكون في أمر الدنيا.. فهم سيتجهون إلى خدمتك في أمور الدنيا، بإخبارك عن أمور تحدث لك، أو تحدث لمن يهمك أمرهم، من الأصدقاء، ومن أفراد العائلة.. أو قد تتجه إلى طب المريض منهم.. وقد تتجه إعانتهم لك إلى تيسير أمور النفوذ، أو السلطة، أو الترقي، أو تفريج الضائقة التي قد تنزل بك، وهكذا إلى أن تجد نفسك قد اعتمدت عليهم، وأصبحت كثير التطلع إليهم، والترقب لهم، وانتظار الفرج على أيديهم.. فلا تمكنهم من ذلك.. فإنك إن تفعل يكونوا أعواناً للضرة المسنة "الدنيا" في الاستحواذ عليك، بعد هزيمة الضرة الشابة "الآخرة"، كما وردت إلى ذلك الإشارة، في صدر هذا الجواب، أثناء الحديث عن رؤياك الأخيرة..
خلاصة الرأي لا تستعن بهم !! لا في أمور الدنيا، ولا في أمور الآخرة.. وإن قدموا لك هداياهم الطيبات فلا تقبلها.. وإن طلبوا منك شيئاً من أكل، أو شرب، فأعتذر، بأدب نفس، عن تقديمه لهم.. ولا تبادر بالقطيعة أيضاً، ولكن أطلب إليهم أن يكونوا أخواناً في الله، من غير غرض منك فيهم، ولا منهم فيك.. ولتقطع عليهم وسيلة التدخل في إرشادك في أمور الدين، من إعطائك أوراداً زائدة، مثل الصلاة على النبي، أو الذكر بالمفرد، أو خلافه، فإني أقترح عليك أن تترك الطريق البرهاني، وتأخذ في سنة النبي.. فإنها مأمونة، وواضحة، ومحفوظة من الزيادة.. فلا يمكن لمقترح أن يقترح زيادة عليها، أو نقيصة منها، من غير أن يعرض نفسه لسوء الظن باقتراحه، وللطعن في نصيحته.. ثم إنك إن كنت ملتزماً السنة في العبادة، والمعاملة، فإنك تستطيع، من غير أن تفارق أدب النفس اللائق، أن تعتذر عن أي اقتراح يأتي من قبلهم بزيادة ذكر، أو بمساعدة.. فإن لم يرقهم اعتصامك بالسنة المشرقة في أمر الدين، وأمر الدنيا فبدأ منهم تبرم، أو ضيق، ظهر من أمرهم ما يجب أن يظهر.. وإن سرهم اعتصامك بالسنة في أمر دينك، ودنياك، كانوا أصدقاء خيرين، لا خوف من شرهم، ولا حاجة لمجيء خير عن طريقهم.. فإن من كان مع الله على هذا النحو الذي وصفنا لا يحتاج لمن يوصل إليه الخير، من أمثال هذه الأرواح، ولا ممن هو أعلى منها.. وتصبح بذلك مؤمناً منهم..
كما قلت لك، فإنك، في هذه الآونة، متنازع بين الخير والشر.. بين دنياك، وآخرتك.. فكن عوناً للخير على الشر.. كن عوناً على دنياك لآخرتك، حتى إذا انتصر في صدرك أمر الآخرة، سرت من الآخرة إلى رب الدنيا والآخرة.. وهو نعم المولى، ونعم النصير، وهو المسئول أن يتولى جميع أمورنا، وأن يهديك عافية الدنيا، والدين.. هذا وإني لأنتظر أن أسمع منك، فإني شديد الاهتمام بأمرك هذا، وهو أمر على خطر عظيم، وأهمية عظيمة وبالنسبة لسنة النبي فإني أكلف الأخ إبراهيم ليرسل لك نسخة من "طريق محمد".. وستجدها، إن شاء الله، عاصمة، ومسددة.. إلى أن أسمع عنك فإني،

المخلص
محمود محمد طه