((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الثانى

طريق محمد


ثم إني بعد أن نشرت "دقائق التمييز" بنحو عشر سنين أخرجت كتيباُ في تفصيل ما أجملته تلك الكلمة، ودعوت فيه إلي العودة إلى طريقة الطرق ـ "طريق محمد" ـ لأن الناس أصبحوا بحاجة ماسة إلى بعث الإسلام.. يستوي في هذه الحاجة المسلمون وغير المسلمين.. وكان عنوان هذا الكتيب: "طريق محمد" وهو الآن يجري في طبعته الخامسة، وقد وجد إقبالاً كبيراً من جمهور المواطنين.. وعليه اليوم عبادة الأخوان الجمهوريين، وإليه، دعوتهم.. ونحن ننتظر، بما يحيي هذا الكتيب من السنة المطهرة، أن يكون به بعث الإسلام، جديداً، خلاقاً في صدور الرجال، والنساء، كما كان العهد به لدى خروجه، من منجمه، لأول مرة، في القرن السابع الميلادي.. فإن المعصوم يقول: "بدأ الدين غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء !! قالوا: من الغرباء، يا رسول الله؟؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها..".. فإذا كان الوقت وقت إحياء السنة المطهرة بعد اندثارها، فإنه لمما يحزن الدعاة، أشد الحزن، أن يروا مثل هذه الجهالة، التي تجري الآن في الخرطوم بحري، ويروج لها، وسط العامة، والمثقفين، باسم الله..
ولقد سمعت عن هذه الجهالة المنكرة التي يروج لها باسم "الله" منذ زمن، وظللت أتابعها عن كثب.. ذلك بأن لي ابني عم يهمني أمرهما كثيراً.. فأما أحدهما فهو من أبرز أعضاء هذه الجماعة، وليست بيني وبينه لقاءات، ولا زيارات، ولعله كان يتجنبني.. وأما ثانيهما فقد كان يزورني كثيراً.. وكان يحمل إلي الورقة التي كتب له "السَبَت" عليها بعض النصائح، والإرشادات.. ثم إني لما استيقنت من أمر ما عنده نصحته في ترك هذه الجماعة، والإقبال على الله بالوسائل المشروعة.. وكان يثقل عليه نصحي.. فلما أكثرت عليه قطع زيارتي.. وأصبح يبلغني عنه أنه إنما انقطع عن زيارتي لأني أحدثه بما لا يرضيه في أمر مشايخه هؤلاء..
ثم إني أضمرت في نفسي أن أفضح هذه الأرواح.. فأرسلت من أبنائي من ينقل عني لابن عمي البعيد اقتراحاً بأن أتقدم إلى مشايخه ببعض الأسئلة التي قد تكشف له عن مستواهم، فوافق.. فأرسلت الأسئلة الآتية: ـ
قال تعالى: "وهو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، وهو الحكيم العليم"..
س 1: هل هو إله واحد، وبنفس درجة الألوهية، أم هل هو بدرجتين من الألوهية؟؟
س 2: هل هو إلهان؟؟ فما التفاوت بينهما؟؟ وما اسم إله الأرض، وما اسم إله السماء؟؟" ولقد وردت الإجابة المنشورة بالزنكوغراف ههنا..

ثم إني كتبت ، في ذلك ، الجواب الآتي:
أم درمان في 7/7/1971
عزيزي حسن
تحية طيبة
وبعد فلقد استأذنتك في أن أقدم لمشائختكم ـ أعني للأرواح ـ بعض الأسئلة لتقدمها أنت إليهم، ولقد تم ذلك، وتلقيت أنا الأجوبة التي أرسلتها مع ابني علي.. ولقد كان ذلك عملا كريما منك.. أرجو أن يجزيك الله عليه خير الجزاء.. وكان جل غرضي من تقديم هذه الأسئلة للأرواح أن تعرف أنت عنهم ما عسى ينير طريقك، ويثنيك عما أنت فيه الآن من الاستهانة بأمر نفسك، وأمر دينك، حتى إنك لتأخذه من مصدر مجهول، مظنة الضلال به أكبر من مظنة الهدى.. وأعلم يا عزيزي أنه لا يصح، لا في العقل، ولا في الدين، أن تسترشد بإرشاد الأرواح، حتى إن كانت هذه الأرواح هي جبريل.. فأنت مأمور بإتباع محمد، لا بإتباع جبريل، إلا أن يكون محمد بينك وبينه.. ولقد جاء محمد في شريعته، وفي سنته، بكل ما تحتاجه أنت، وغيرك، إلى يوم الدين.. وهذا هو السر في ختم النبوة بمحمد.. قال تعالى: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين".. ومعنى ختم النبوة أنه ليس هناك من يؤخذ عنه أمر من أمور الدين غير محمد.. وحين يغيب عنا إرشاد محمد لا نأخذه، ولا نلتمسه إلا عند الورثة المحمديين.. ولقد يقوم في بالك أن الأرواح التي تحضر لكم في "السبَت" وتحدثكم من خلف حجاب، إنما هي أرواح الصوفية، والصالحين، من أمثال الغزالي، وقريب الله.. ولكن اعلم.. أن الأخذ من هؤلاء، وهم في البرزخ لا يصح، ولا يقوم على إرشادهم أمر من أمور الدين، لا في التشريع، ولا في التسليك.. وإنما يؤخذ التشريع والتسليك من الأحياء، من ورثة الأنبياء.. ثم كيف يفوت على علمك أن الأرواح الشريرة قد تدعي أنها روح الغزالي، أو روح قريب الله، أو غيرهما من السلف الصالح، ثم تأمر بالطاعة، حتى تخدع البسطاء، فيطيعوها في الطاعة، وهي تكتفي منهم بمجرد الطاعة؟؟ فإن العلماء يعلمون أن طاعة الشريرين، في الطاعة، تشكل، في حد ذاتها، معصية، لأنها تفتح الطريق على الضلال، ثم لا يكون الضلال إلا نتيجة حتمية لها.. يقال أن إبليس قد ظهر لعيسى بن مريم، وهو على الجبل، فقال له: "قل لا إله إلا الله".. فعرفه عيسى، وعلم أنه إنما يأمره بشهادة التوحيد ليورطه في إحدى السوأتين: إما أن يرفض قولها، أو يطيعه في قولها، وفي أيهما ما يكفيه.. وأسعف العلم المسيح: فقال له: "كلمة حق، ولا أقولها بقولك".. فخرج بذلك من الحرج، وأفحم إبليس.. فلا يغرنك كون الأرواح التي في "السبت" تأمركم بالذكر، وبتلاوة القرآن..
ثم أعلم أن الصوفية والصالحين، من أمثال الغزالي، يعلمون جيداً أن السلوك إنما يكون على الأحياء من المشائخ، لا على الأموات.. والمكاففة فيه شرط.. وكذلك أخذوا العهود على المشائخ، وكذلك أعطوها للمريدين، خلفاً عن سلف.. ولو كانت هذه الأرواح أرواحهم لنصحتكم بأن تلتمسوا السلوك على الأحياء من ورثة محمد.. هل تعلم الحكمة في قرن شهادة "لا إله إلا الله" بشهادة "محمد رسول الله"؟؟ إن الحكمة هي أن يكون بينك وبين الغيب جسد، من الدم واللحم، لأن النفس لا تجد استقرارها إلا بذلك.. ثم جاءت الطرق بعد أن بعد العهد بمحمد، وأصبح كأنه غيب، فكان المشائخ بين الناس، وبين محمد، ليسوقوا المريدين إلى الله.. فكان كل مريد يقرن بالشهادة المثنية شيخه.. فجاءت "لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عبد القادر الجيلاني ولي الله".. هذه عند القادري.. وعند أصحاب الطرق المختلفة ما يناسب طريقتهم من إيراد اسم شيخهم بعد اسم محمد.. وهذا يعني ضرورة الأخذ من الأحياء.. ولو كان من تأخذون عنهم أنتم الآن، من مشائخ التصوف، كما يزعمون، لردوكم إلى خلفائهم الأحياء من الورثة المحمديين..
وأعلم إني، عندما وجهت الأسئلة إلى هذه الأرواح، لم أكن أريد أمراً غير اطلاعك، واطلاع زملائك، ممن نهجوا نهجك، على مبلغ الغفلة التي تصحب هذا الصنيع..
إن الجهل، والتضليل، أمر واضح في إجابات الأرواح التي أوردتها.. أولاً، هناك تجاهل للأسئلة، وتهرب منها، وذهاب في تعميمات لا تستقيم مع الإجابات على الأسئلة المحددة التي قدمت.. لقد كانت الأسئلة هكذا: "وهو الذي في السماء إله، وفي الأرض إله، وهو الحكيم العليم"..
س 1 ـ هل هو إله واحد، وبنفس درجة الألوهية، أم هل هو بدرجتين من الألوهية؟؟
س 2 ـ هل هو إلهان؟؟ فما التفاوت بينهما؟؟ وما اسم إله الأرض، وما اسم إله السماء؟؟
كانت هذه هي الأسئلة.. فماذا كانت الأجوبة؟؟

كـانت: ـ


1ـ "ليس كمثله شئ و هو السميع العليم" ..
2ـ "الله الذي لا إله إلا هو قيوم السموات ، و الأرض ، لا شريك له" ثم يجري القلم المجهول 1ـ "ليس كمثله شيء وهو السميع العليم"..
2 ــ "الله الذي لا إله إلا هو قيوم السموات، والأرض، لا شريك له" ثم يجري القلم المجهول في تسجيل رموز هي ترجمة كترجمة الدرويش المأخوذ بالحال، المغلوب على أمره، الذي لم يسعفه لسان المقال المبين.. وبعد لأي طويل يجئ قوله: "هو الله في السماء والرحمن في الأرض.. فبأي آلاء ربكما تكذبان"..
وأول ما تجب الإشارة إليه أن مرشديكم يخطئون في القرآن، كما يخطئ المبتدئون عندنا.. وحتى المبتدئون عندنا إنما يخطئون، حين يخطئون، عندما يقرأون الآيات، ولكن عندما يكتبون، لا يكتبون إلا بعد تحقيق للآيات، حتى لا يقع منهم الخطأ في الكتابة، ذلك لأن أمر القرآن عظيم في صدورهم: "ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".. ولكن مرشديكم يخطئون في كتابة القرآن، وهم يستطيلون.. فلقد جرى القلم المجهول بالآية الكريمة هكذا: "ليس كمثله شيء.. وهو السميع العليم".. وصحة الآية هكذا: "ليس كمثله شيء.. وهو السميع البصير".. هذه واحدة.. وأخرى!! فإن ما يشبه القرآن في الإجابة على السؤال الثاني ليس بقرآن.. فقد يضلل كثير من الناس إنه قرآن.. وفي هذا، من السوء، ما يكفي وحده للابتعاد عن هؤلاء المضللين..
والإجابة الأخيرة، التي تقول: "هو الله في السماء والرحمن في الأرض"، هي أقرب الإجابات.. وقد وصلها المجهول بعد جهد جهيد، حتى لقد بان الإعياء على يده، والكلال على عقله،.. ثم هي، بعد كل أولئك، قاصرة عن علم أخواننا، فما رأيكم في أمر مرشديكم هؤلاء؟؟
وشيء آخر !! فما أرى إلا أنك، وأصحابك، ممن نهجوا نهجك، مفتونون أشد الفتون بهذه الرموز التي يجري بها قلم الأرواح.. فأعلموا أنها حجة عليكم.. فإنها لغة الأرواح حين تعجز عن التعبير بلغة البشر ـ بلغة القرآن ـ وهي حجة عليكم لأنها إنما تقول لكم: إنما نحن أرواح، فما ينبغي لكم أن تأخذوا عنا دينكم".. فلكأنها تقول لكم ـ لكل واحد منكم ـ "إنما نحن فتنة، فلا تكفر"..
وشيء أخير !! فإني ما أريد من هذا النصح إلا أداء واجب العلم الذي يلقيه على نحوك، ونحو إخوانك، ممن تورطوا في هذه الهلكة.. فاتقوا الله في أنفسكم، وفي دينكم، وفي أهليكم، وأرجعوا إلى بارئكم، قبل فوات الأوان ووقوع الحسرة ونزول الهوان.. أرجعوا إلى ملة إبراهيم، بسنة محمد: "ومن يرغب عن ملة إبراهيم؟؟ إلا من سفه نفسه.." وملة إبراهيم إنما تؤخذ عن الرجال بالمبايعة، وبالمكاففة، خلفاً عن سلف، من الورثة المحمديين.. .

أما بعد فإني أدعوك، وأدعو إخوانك، إلى الإطلاع على كتب الفكر الجمهوري.. وإني لعلى أتم استعداد لاستقبالكم، للتحدث إليكم فيما تريدون من أمر الدين، شريعة، وطريقة، وحقيقة.. وما أبغي وراء ذلك إلا هدايتكم، والنصح لكم ما وسعني إلى النصح السبيل.. وعند الله التسديد، وعليه التكلان..
محمود محمد طه