((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الثانى

الأستاذ محمود محمد طه.. تحية
نحن بعض الطلبة الثانويين بجزيرة توتي نحرر جريدة حائطية بهذا النادي الثقافي، ورأينا أن هذه فرصة مناسبة لنقدم لقرائنا أحد رواد الفكر الإسلامي.. ونحن هنا نتوجه إلى حضرتك ببعض الأسئلة التي نرجو أن تجيب عليها، والتي نتمنى أن تكشف بعض الجوانب الغامضة في اتجاهك.. لأن بعض الناس، كما نعتقد، لم يفهموك الفهم الصحيح، ولذا اتهموك بالكفر والإلحاد..

الأسئلة:ـ


السؤال الأول: إنك، على ما نعتقد، تتبنى مذهباً جديداً يدعو لبعث الإسلام، فنرجو أن توضح لنا بإيجاز محتوى هذا الاتجاه؟؟
السؤال الثاني: لقد اتهمك بعض الناس بالإلحاد ـ فلماذا تعتقد أنهم رموك بهذا الاتهام؟؟ أو ما هو الشيء الخاص في فكرك الذي يختلط فهمه على هؤلاء الناس فيعتبرونه إلحاداً؟؟
السؤال الثالث: بصفتك أحد دعاة الإسلام ألا تعتقد أن واجب الداعي يقتضي عليه التدرج في تصحيح المفاهيم الدينية الخاطئة وأن يتجنب التطرف حتى لا تأتي دعوته بنتيجة عكسية؟؟
السؤال الرابع: ما هو في نظرك أسلم الطرق لتطهير الإسلام من المفاهيم الخاطئة، والشبهات التي ألصقت به، والمفاسد التي ينسبونها إليه؟؟
الإجابة:
حضرات أبنائي الطلبة الثانويين، أعضاء نادي توتي الثقافي ـ بعد التحية المباركة، يسرني كثيراً أن أجيب على أسئلتكم الأربعة الموضحة بعاليه..

الأجوبة:ـ


الإجابة على السؤال الأول: حركة بعث الإسلام التي ندعو إليها ليست جديدة، وإنما هي قديمة جداً، ولكن الناس نسوها، لأن الأمد طال بينهم وبين صدر الإسلام، فأصبحت العبادات تمارس بحكم العادة، من غير أن تترك أثرها على الأخلاق، ونحن نريد أن نعيد الإسلام إلى قوته الخلاقة في صدور الرجال والنساء، حين كانوا يمارسونه على عهد النبي بوعي وبفهم.. ونحن نرى، كما يرى الإسلام، أن العبادات وسائل إلى كمال الشخصية، ونضج الأخلاق، وليست غاية في ذاتها، تؤدى، ثم لا يطلب المؤدي، وراء أدائها، شيئاً في هذه الحياة اليومية، التي يحياها بين الناس، وإنما ينتظر أن يدخل بها الجنة في الآخرة ـ إن الإسلام يرى أن المصلي، إذا صلى ركعتين ثم انصرف من مصلاه، ولم يزدد بتلك الركعتين طمأنينة قلب، وصفاء فكر، فإنما صلاته باطلة..
ونحن ندعو، لتحقيق ما ندعو إليه من بعث الإسلام، إلى تقليد محمد، تقليداً متقناً، على أن يعرف المقلد أن التقليد وسيلة، لا غاية.. هو وسيلة إلى الاستقلال عن التقليد، والوصول إلى الأصالة التي بها تتحقق الحرية الفردية، وتتم عناصر الشخصية الكاملة.. إن القرآن يقول: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني.. يحببكم الله"... ويقول: "لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة".. واتباع الرسول المشار إليه في الآية الأولى إنما يكون باتباعه في أفعاله، وأحواله، لا في أفعاله وحدها.. وهذا واضح لمن كان له أدنى معرفة، وكذلك التأسي برسول الله، في الآية الثانية، إنما هو تأس به في أفعاله، وأحواله أيضاً.. وأفعاله في العبادات تجملها عبارته في دعوته الأمة إلى تقليده حين قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".. تلك أفعاله، فما هي حاله؟؟ حاله الأصالة، لا التقليد !! فأنت إن كنت تريد أن تكون أصيلاً، كما كان النبي أصيلاً، فليس لك إلى ذلك من سبيل إلا تقليد النبي في أفعاله، على أن تعرف أن التقليد وسيلتك إلى الأصالة، وليس غاية في ذاته..

الإجابة على السؤال الثاني: إن من يرميني بالإلحاد أحد رجلين: رجل يسمع الشائعات عني ولم يلقني، وإنما اكتفى بما يسمع، وما يسمع صادر عن سوء فهم لما أقول . ورجل لقيني ومنعه عن إدراك ما أقول قشور علم تلقاها، وظنها اللباب.. فهو يعيش على التبن فلما قدمنا له القمح أنكره، ونفر منه.. والذي يصعب على هذا الطراز الأخير هو ما صعب دائماً على المتمسكين بأقوال السلف من غير فكر، حتى لقد نعى عليهم القرآن فعلهم هذا بقوله: "هذا ما وجدنا عليه آباءنا".. وتلك سنة قديمة، وأنتم تعرفون أن الناس عندما جاءهم النبي بقولة: "لا إله إلا الله"، قالوا، فيما حكى عنهم القرآن: "أجعل الآلهة إلهاً واحداً؟؟ إن هذا لشيء عجاب!!" .. فاستغربوه، ومن أجل ذلك قال النبي: "بدأ الإسلام غريباَ، وسيعود غريباً، كما بدأ.. فطوبى للغرباء" وهو إنما يعود غريباً، كما بدأ، لأنه في بعثه من جديد، كما نحاول الآن أن نفعل، سترفع قمة التوحيد، إلى مستوى جديد، يستغربه الناس، كما استغربوا "لا إله إلا الله" من قبل.. ولا يمكن أن يعود الإسلام خلاقاً في صدور رجال عصرنا، ونسائه، إلا إذا ارتفعت قمة تحقيق "لا إله إلا الله" إلى مستوى جديد، لم يسبق له مثيل.. وذلك أمر سيكون، بعون الله وبتوفيقه.. ويومئذ سيتم العصر الذهبي للإسلام، وستملأ الأرض عدلاً، كما ملئت جوراً، وسيستقر على الأرض السلام بين الخلائق..

الإجابة على السؤال الثالث: لست أدري ماذا تعنون بالتطرف.. إن الأمر المهم في تصحيح المفاهيم الدينية هو الرجوع إلى تجديد "لا إله إلا الله"، ورفع قمتها رفعاً جريئاً.. و"لا إله إلا الله" دائماً مثار الاستغراب، والإنكار.. فإذا ما جودها أحد، ونظر من قمة تجويده، أصبح من الجائز، عند عامة الناس، وصفه بشتى الصفات، ومن ذلك الجنون نفسه، حتى أن أحد هؤلاء العارفين لما رُمي بالجنون قال:
مجانين، إلا أن سر جنونهم عجيب على أعتابه يسجد العقل
فهل تعنون بالتطرف هذا الأمر؟؟ إنه لا يمكن أن يكون هناك تصحيح للمفاهيم الدينية الخاطئة إلا من هذا المستوى..
ولا تظنوا أن التهم التي تكال إلى الداعي إلى الإسلام تضر بالدعوة.. بل العكس هو الصحيح.. أقول هذا لأنكم في سؤالكم يبدو أنكم ترون أن ما تسمونه تطرفاً "يأتي بنتائج عكسية" على حد تعبيركم.. إن الدعوة إلى تجديد "لا إله إلا الله" هي من السعة بحيث يتجند في خدمتها مؤيدوها، ومعارضوها، وإن ظن معارضوها أنهم، بفعلهم ذلك، إنما يهدمونها هدماً..

الإجابة على السؤال الرابع: أسلم الطرق في تطهير الإسلام من المفاهيم الخاطئة التي علقت به هي أن يعمل كل مسلم، في نفسه، على تصحيح تلك المفاهيم أولاً، قبل أن يتصدى لتصحيحها في نفوس المسلمين، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.. وأسلم طريقة ليصحح المسلم في نفسـه المفاهيم الخاطئة هي تقليد محمد، في أفعاله، وأحواله، كما سبق بذلك القول، حتى تنبثق الحكمة، من قلبه، على لسانه، فإن الحكمة علم، وعمل بمقتضى العلم، وهذا ما نعني بتقليد محمد.. وعلى كل عابد أن يتجنب العادة في عبادته، فإن آفة كل عبادة هي أن تصبح عادة.. وهذا ما نعني حين نقول: إن المقلد للنبي يجب أن يعرف أن التقليد وسيلة لا غاية . فإن دخول الوسائل، والغاية، في اعتبار العابد هو الذي يخرجه، من حكم العادة، إلى منطقة الفكر، فيظل يسأل نفسه دائماً، عقب كل تصرف يصدر منه، سواء أكان ذلك التصرف في معاملته الناس، أي معاشه، أو في معاملته ربه، أي عبادته: هل هذا التصرف توسل صحيح إلى غايته التي يريدها، أم هل هو توسل معيب؟؟ وأنتم بالطبع تعرفون أن قيمة الفكر في العبادة أعلى القيم جميعاً.. أسمعوا قول الله تعالى: "قل أنظروا ماذا في السموات والأرض !!".. هل هو دون قوله تعالى: "وأقم الصلاة"؟؟ إنما وقع التفاوت بين الأمرين لأن الأول لا يمكن أن يكون تشريعاً للعامة، ولذلك جعل إتقان الأمر الثاني وسيلة إليه.. ثم أقرأ قوله: "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون".. فالذكر هو القرآن برمته، فإنه قد أنزل، وما نزل منه للناس هو ما يطيقون تطبيقه منه ـ هو الشريعة.. قوله: "ولعلهم يتفكرون" هو المقصود من ممارسة الشريعة، حتى يرتفع العابد، من الشريعة إلى الطريقة ـ أعني تجويد تقليد النبي، عن وعي، وفكر، حتى يُعطى شريعته الخاصة، وهي فوق الشريعة العامة، بما لا يقاس، وحينئذ يصح منه الإقتداء بحال النبي، وهي الأصالة التي وردت الإشارة إليها آنفاً.. هذه أسلم الطرق لتصحيح المفاهيم الخاطئة.. بل الحقيقة أنه ليس هناك تصحيح لها غير هذا الطريق..

ختاماً أشكركم على أسئلتكم الطريفة جداً، والحق أنها أسئلة تحتاج إلى تفصيل طويل، عريض، ولكني أعلم أنكم تريدون الرد عليها في حيز ضيق يمكن معالجته على جريدة الحائط كما أخبرتموني.. والله المسئول أن يهيئ لنا الظرف المناسب لتفصيل ما جاء إجماله ههنا..

محمود محمد طه