((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الثانى

(أنباء السودان) الأربعاء 4 نوفمبر 1959
لحم الخنزير بين التحريم و التحليل
بقلم الأستاذ محمود محمد طه


حضرة الأخ الكريم السيد إبراهيم: تحية طيبة .
أما بعد فقد اطلعت في صحيفة "أنباء السودان" الغراء، عدد 21 أكتوبر، على سؤالك الذي تقول فيه: "في حديث جرى بين المواطنين في الخرطوم جنوب تعرض شاب تقدمي إلى لحم الخنزير وقال إنه الآن أصبح حلالاً بعد أن زالت الأسباب الوقتية التي دعت إلى تحريمه" وأنت تريدني أن أحدثك "عن وجه الصحة في هذا الموضوع"..
إنه مما لا شك فيه أن الأصل في كل شيء الحل، والحرمة عرض طارئ، سببه جهلنا بمنعم النعم، وقصورنا عن القيام بحق الشكر، ولذلك جاء في حق بني إسرائيل: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيراً، وأخذهم الربا، وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل.. واعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليما"..
ولو أن الناس عرفوا منعم النعم، وقاموا بحق الشكر عليها، لكانوا في سعة من أمرهم، غير معنتين، ولا مشقوق عليهم، بل ولا معذبين، في الدنيا، ولا في الآخرة.. أقرأ، إن شئت، قول الله تعالى: "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، وكان الله شاكراً عليماً؟؟"..
وكلما ارتقى الناس، وعرفوا، وأرهف حسهم، وتيقظت ضمائرهم، كلما اتسعت حرياتهم، وقلت الحدود عليهم، وضاقت دائرة المحرمات، واتسعت دائرة المباحات.. وهذا أمر يطالعنا بجلاء حين نقارن بين ما حرم على اليهود، وما حرم على المسلمين.. فأما ما حرم على اليهود فإن الآية التي افترعت بها هذا الحديث تشير إلى طرف منه.. وأما ما حرم على المسلمين فأقرأ بشأنه قوله تعالى: "قل لا أجد، فيما أوحى إلى، محرماً على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ميتة، أو دماً مسفوحاً، أو لحم خنزير، فإنه رجس، أو فسقاً أهل لغير الله به.. فمن أضطر، غير باغ ولا عاد، فإن ربك غفور رحيم".. فأنت تراه حصر المحرمات من المأكولات في هذه الأربعة، ثم قال "فمن أضطر، غير باغٍ ولا عاد، فإن ربك غفور رحيم".. فكأنه تجاوز للمضطر حتى عن هذه الأربعة، وذلك لأن الاضطرار ينفي هوى النفس، فتنتفي بذلك علة التحريم، وترجع الأمور إلى أصولها.. وهي الحل، كما قلنا في صدر هذا الحديث، وينفي هوى النفس أمر آخر غير الاضطرار، وهو المعرفة التامة بالله..
فمن عرف الله، حق معرفته، لم يأثم، بمطعم طعمه، ولا مشرب شربه، وما بلغ ذلك أحد.. أقرأ قوله تعالى: "ليس على الذين آمنوا، وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا.. والله يحب المحسنين"..
والمعرفة بالله عمل متصل في تزكية النفس، وتطهيرها، والاحتيال عليها لتستجيب لنداء الأعالي، وتتجافى عن وهاد الحيوانية الوضيعة، ولذلك فقد وجب على العارف أن يتوخى كل أمر يعين نفسه على أن تتخلص من نقائص طبعها الحيواني، لتدخل في صفات الله تعالى، ويكتمل حظها من المعرفة..
وإنما حرم لحم الخنزير لأمرين، اثنين: أمر في عينه، وأمر ملابس للنفس البشرية، في طورها الحاضر.. فأما أمر العين فهو أن الخنزير حيوان تتجسد فيه صفات النفس الحيوانية الدنيا، من شح، وشره، وحرص.. وأكل لحمه يكسب نفس آكله هذه المذام، ويجعلها مستعصية على الإصلاح، وغير مستجيبة لنداء الروح..
وأما الأمر الملابس للنفس البشرية في طورها الحاضر فهو أنها لا تزال بحاجة ماسة إلى الرياضة التي تضعف فيها نوازع الحيوانية البدائية، وتقوي فيها نوازع الروح.. وعلى هذين الأمرين قام تحريم لحم الخنزير.. فأنت ترى إذن أن هذا التحريم قائم وسيظل قائماً إلى حين..

محمود محمد طه

لحم الخنزير بين التحريم و التحليل أيضاً
أنباء السودان 23/12/1959


لدى سؤال من أخ كريم عن تحريم لحم الخنزير وجهه إلى على صفحات جريدة أنباء السودان الغراء يوم 21 أكتوبر الماضي أجبت إجابة ظهرت في في نفس الجريدة ، يوم 4 نوفمبر في العدد الذي يلي ذلك .. و بتاريخ 11 نوفمبر ، تفضل شيخ العلماء ، الشيخ الوقور محمد المبارك عبد الله ، فأملي رداً على جاء فيه الآتي: "لقد أخذ الأستاذ محمود رأي الصوفية في هذا الموضوع من غير فهم .. لقد كان الباطنية يرون أن هناك مرتبة في الدين يحل فيها لصاحبها كل شئ و تسقط عنه التكاليف ، مستندين إلى قوله تعالى: "و أعبد ربك حتى يأتيك اليقين" .. و الفقهاء يرون أن لحم الخنزير محرم و سيظل محرماً أبداً ، و لن يحل إلا في حالة الضرورة التي نص عليها الفقهاء ، كأن يبقى بها المرء حياته .." إنتهى ..
و لقد كتب أخ كريم ، في نفس الصحيفة ، يطلب إلى الأستاذ الجليل أن يناقش ردي مناقشة موضوعية تبين وجه الخطأ فيه .. ذلك بأني ، كما قال ، قد أوردت آيات بينات ، أنا بين أمرين فيها: أما أن يكون فهمي لها صحيحاً ، فيكون جوابي على سائلي صحيحاً ، و إما أن يكون فهمي لها خاطئاً ، فيكون جوابي على سائلي خطأ.. و إنتظرت رأي الأستاذ الجليل أسابيع فلم أظفر به .. فرأيت أن أعود إلى تلك الكلمة بأخرى قصيرة ، لعل الأستاذ الجليل يراجع رده الذي أشرت إليه آنفاً ، فيفيد أو يستفيد ..
والحق إني ما أحب أن أضيف جديداً على حديثي السابق حتى أسمع من فضيلة الأستاذ الجليل.. وكل ما أريد أن أؤكده لفضيلته الآن هو إني لا آخذ رأي الصوفية من غير فهم، وإنما أعرف حقيقة ما أتحدث عنه.. ولي، ولله الحمد، من إجلال الحق ما يمنعني من المجازفة بالحديث فيما لا أعرف..
وإني لأرجو صادقاً أن يرجع الأستاذ الجليل إلى إجابتي فيقرأها جيداً، ثم ليرد بما يرى توضيحه.. أحب له بشكل خاص، أن يتملى هذه الفقرات من الرد: "فمن عرف الله، حق معرفته، لم يأثم بمطعم طعمه، ولا مشرب شربه، وما بلغ ذلك أحد.. أقرأ قول الله تعالى: "ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا، إذا ما اتقوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا.. والله يحب المحسنين".. "والمعرفة بالله عمل متصل، في تزكية النفس، وتطهيرها، والاحتيال عليها لتستجيب لنداء الأعالي، وتتجافى عن وهاد الحيوانية الوضيعة، ولذلك فقد وجب على العارف أن يتوخى كل أمر يعين نفسه على أن تتخلص من نقائص طبعها الحيواني، لتدخل في صفات الله تعالى، ويكتمل حظها من المعرفة..
و إنما حرم لحم الخنزير لأمرين إثنين: أمر في عينه ، و أمر ملابس للنفس البشرية ، في طورها الحاضر ..
فأما أمر العين فهو أن الخنزير حيوان تتجسد فيه صفات النفس الحيوانية الدنيا، من شح، وشره، وحرص.. وأكل لحمه يكسب نفس آكله هذه المذام، ويجعلها مستعصية على الإصلاح، وغير مستجيبة لنداء الروح..
وأما الأمر الملابس للنفس البشرية في طورها الحاضر فهو أنها لا تزال بحاجة ماسة إلى الرياضة التي تضعف فيها نوازع الحيوانية البدائية، وتقوي فيها نوازع الروح.. وعلى هذين الأمرين قام تحريم لحم الخنزير.. فأنت ترى إذن أن هذا التحريم قائم، وسيظل قائماً إلى حين".. هذا ما ورد في ختام الرد.. فأرجو أن يتأمله الأستاذ الجليل، وأن يتأمل تفاصيل ردي من أوله.. ثم ليقل بعدها ما يريد.. فإنه، حينذاك، لا يعدو أن يفيد أو يستفيد.. والله أسأل لنا جميعاً التوفيق والسداد..

محمود محمد طه