((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الثانى

كوستي في 28 /7/ 1966 ـ ص ب 71
عزيزي الفاتح .. تحية طيبة ..
وبعد ، فلابد من الإعتذار مرة أخرى ، حيث تأخر الرد على جوابك الأول ، مما أوجب أن تستعجله بجوابك الذي وصل البارحة ، بتاريخ 24 /6 / 66 ولابد من المبادرة بالرد على جواب البارحة، وذلك لثلاثة أسباب.. أولها أني أجد بعض الفراغ منذ أمس، وذلك لإنتظام الأعمال أخيراً .. وثانيهما لأكفر عن تأخير الرد على جوابك الأول .. وثالثهما ، إني قد انتشيت بقراءة هذه الكلمة التي وردت على منك مطوية مع جوابك هذا المؤرخ 24 / 7 / 1966 ، مما أوجب المبادرة ، وقد أرسلت الرد على جوابك الأول مسجلاً ، ولابد أن يكون قد وصلك الآن ..

علم الظاهر ليس علماً


نعم علينا أن نسير وسط الظلمات: ظلمات النفس، وظلمات الكون، فلولا السير لا تكتسب الأنوار.. فلو لم يسر الهلال ما أصبح بدراً مكتملاً.. ونحن، في هذه المسيرة، محتاجون لضوء، ولو ضوء شمعة، يبدد الحلكة، كما قلت.. وهذا الضوء البدائي، تلتمسه النفوس المؤمنة في إيمانها "إن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، يهديهم ربهم بإيمانهم، تجري من تحتهم الأنهار، في جنات النعيم".
ولقد صدقت أن المعارف قد كثرت، وأصبحنا لا نعرف ماذا نأخذ منها، وماذا ندع ولكنها معارف تتعلق بالقشور، ولا تتصل باللباب "وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون" قال "لا يعلمون" ثم قال "يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا" . فكأنه قال: إن علمهم ليس بعلم.. وكأنه قال أيضاً: إنهم لا يعلمون حقائق الوجود، وإنما يعلمون مظاهر الوجود ـ لا يعلمون الله ـ ومن أجل ذلك كثر القلق، وكثرت الحيرة في عهد العلم ـ كثرت معرفة الفروع، وقلت معرفة الأصول ـ والفروع تفرق، والأصول تجمع الناس على واضحة..

العقيدة مقدمة العلم


وأنت تقول: "ولكنا، مع توفر المعارف، والعلوم، لا نزال نبحث عن مرفأ ترسو فيه مراكبنا، التي أضناها المسير" وهذا حق، يعرفه كل ذكي يقلب الطرف فيما حوله من حالة القافلة البشرية وأنت تقول: "نحن في حاجة لعقيدة نهائية، نعرفها، ونهضمها، ونتمرس بها، ونختبرها لتصبح لنا ذلك المرفأ الذي ترسو عليه مراكبنا" وأنا على ذلك موافق، بشرط واحد: هو أن تكون العقيدة مقدمة المعرفة.. نحن نتوكأ على العقيدة، ريثما نعرف ما نعتقده معرفة يقين.. نحن إذن، في حاجة إلى معرفة متكاملة للحقيقة الكلية، التي منها صدرنا، وإليها معادنا..
لقد وردت إشارة في "رسالة الصلاة"، الصفحة 46 الطبعة الأولى إلى ذلك، حيث ورد "إن الإسلام، في حقيقته، ليس ديناً، بالمعنى المألوف عن الأديان، وإنما مرحلة العقيدة فيه، مرحلة انتقال إلى المرحلة العلمية منه.. مرحلة الشريعة فيه، مرحلة انتقال إلى مرتبة الحقيقة، حيث يرتفع الأفراد من الشريعة الجماعية إلى الشرائع الفردية، التي هي طرف من حقيقة كل صاحب حقيقة" ..

نحن نبحث عن أنفسنا


فالشريعة الفردية علم نفس.. والذي نبحث عنه نحن الآن، هو معرفة أنفسنا، ويحدثنا القرآن فيقول: "من اهتدى، فإنما يهتدي لنفسه" والنبي يحدثنا أيضاً، فيقول: "من عرف نفسه، فقد عرف ربه".. والآيات الكونية، التي يعيننا على كشفها العلم المادي التجريبي، إنما هي وسائلنا إلى معرفة نفوسنا: "سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق: أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟".. فنحن لا نبحث في مجاهيل الفضاء، ولا في ظلمات الأرض، إلا عن أنفسنا، ولكنا لا نعلم ذلك..
فالعقيدة مرفأ من عواصف الحيرة، ودياجير الشك، ما في ذلك ريب.. ولكن العقل البشري المعاصر، لا يريد العقيدة إلا متوكأ يبلغ بها مشارف العلم، ومنازل اليقين، وكلما استيقن العقل من مرحلة، طالعته مرحلة جديدة، لا يسعه فيها إلا الاعتقاد، ريثما تتكشف له معمياتها، وتدخل بذلك في مرحلة العلم، فتطير له في الأفق البعيد، مرحلة جديدة، لا يسعها إلا العقيدة، وهكذا دواليك.

الكشوفات: ظلمانية ونورانية


وأنت تقول: "العلم لم يعط كلمته النهائية في كل شيء" والحقيقة العلم لا يعرف النهايات في أي شيء، وهو لا يبحث في الحقيقة المطلقة بالطبع، وإنما يبحث في ظواهر الأمور، وخصائص المادة، وقوانين القوى.. يذكرني هذا بقولة الصوفية: إن هناك كشوفات ظلمانية، وكشوفات نورانية.. فأما الكشوفات الظلمانية فتتعلق بالآيات الكونية، وأما الكشوفات النورانية فتتعلق بالآيات الإلهية.. وقد وردت الإشارة إلى ذلك، في أول هذا الخطاب، حين قال تعالى: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة هم غافلون".. وأنت تسأل: "فما هو هذا الشيء؟" وتعني الشيء الذي نحتاجه.. وتجيب: "هو الإيمان" ثم تقول: "نحن، كمسلمين علينا أن نؤمن، عن اقتناع، ورضى بالله سبحانه وتعالى.. وإنني في هذا، لا أكتب إلا عن تجربة شخصية أخوضها" وأنا أحب أن أهنيك على هذه التجربة، فإن المعارف لا تكون إلا عن تجارب، فليسدد الله خطاك..

ما في الكون إلا الله


وأنت تقول: "فالله سبحانه وتعالى في كل شيء أراه" وأحب أن أسمع منك أكثر من هذا.. كيف تراه؟
وأنت تقول: "وهو بالطبع منفصل عن الأشياء، "ليس كمثله شيء"، ولكن مخلوقاته تبدو للمؤمن إشارات لوجوده" والله ليس منفصلاً عن الأشياء، وليس متصلاً بها.. وليست الأشياء تشير إليه، إلا لدى البدايات.. وفي النهايات، ليس للأشياء وجود، وإنما هي هو.. وفي قولة عبد الغني النابلسي:
إن تكن بالله قائم لم تكن ، بل أنت هو
أنت ظل الغيب من أسمائه ، والشمس هو
أو كقوله أيضاً على لسان الحق:
لذاتي بذاتي ، لا لكم ، أنا ظاهر وما هذه الأكوان إلا مظاهر
أو كقوله أيضاً:
لمعت أنوار سلمى لك من خلف الستاير
لا يكن طرفك أعمى عن تناويع الأشاير
والصوفية يقولون: "ما في الكون إلا الله" وفي توسع في الأمر يقولون: "ما في الكون إلا الله، وأسماؤه، وصفاته، وأفعاله" كأنهم يقولون بذات، وأسماء، وصفات، وأفعال، يشيرون بذلك إلى تنزلات الذات في مراتب الوجود، وقد وردت إشارات إلى ذلك في "رسالة الصلاة"..

رسالة الإنسان تحقيق ربوبيته


وأنت تقول: "ولكن الإنسان، في خاطر المؤمن، مخلوق له رسالة يؤديها.. ورسالته هي معرفة الله، والائتمار بأمره.." وهو قول حسن، ولكنه غير كافٍ لوقتنا الحاضر.. أولاً أحب لك أن تتحدث عن المسلم، فإنه أرقى من المؤمن، والمستقبل للإسلام، لا للإيمان، وعند المؤمن، الإنسان كما وصفته في قولتك السالفة، ولكنه، عند المسلم، مخلوق رسالته تحقيق ربوبيته، عن طريق تحقيق عبوديته.. "كونوا ربانيين، بما كنتم تعلمون الكتاب، وبما كنتم تدرسون".. هو مخلوق رسالته أن يحقق حريته الفردية المطلقة، عن طريق المعرفة.. معرفة الحق ـ "اعرفوا الحق، وسيجعلكم الحق أحرارا" كما قال السيد المسيح.. أو قل: إن رسالة الإنسان هي أن يعرف نفسه.. فرد الأمر إلينا.. فإن الله غير محتاج إلى معرفة من يعرفه، ولا إلى عبادة من يعبده، ولا إلى توحيد من يوحده، وإنما نحن المحتاجون إلى كل أولئك.. وحصيلة حاجتنا أن نعرف أنفسنا، وأن نكون في سلام معها، وذلك عن طريق معرفة الله، ومسالمة الله..
أراني سأطيل إن أنا تابعت رؤياك الطريفة بمثل هذا التفصيل، ولكني سأوجز بأن جميع الصور التي وردت في الصفحة الثانية تروقني، وتدلني على بداية لها ما بعدها، ويثلج صدري، بوجه خاص، قولك في ختام إلهاماتك: "إنني أرى النور أوشك أن يشرق، فعلينا أن نعمل بما سلف، لعل هذا الأمل يتحقق، وهو ليس على الله ببعيد"..نعم ! علينا أن نعمل، رجاء موعود الله.. "والله متم نوره، ولو كره الكافرون".."إن موعدهم الصبح !! أليس الصبح بقريب؟" بلى!!
وبعد، فآمل أن يكون جوابي الأول قد وصلك، وأن تكون قد وجدت فيه حاجتك.. وعسى أن أراك بخير.. سلامي الكثير للأستاذ عبد الله، مع هذا رؤياك الطريفة.. أمدك الله بمدد من عنده، وجعلك من أرباب البصائر والأبصار..
المخلص
محمود محمد طه