((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946

menu search

أسئلة وأجوبة - الكتاب الثانى

الخرطوم في ربيع الآخر 1378 الموافق 5/11/1958م
بسم الله الرحمن الرحيم، نستغفره ونستعينه.
أما بعد ـــ فإلى الأخ الكريم موسى أبو زيد . تحية طيبة .
فقد وصلني خطابك الطريف يسأل عن "الروح"، ويورد ما نشرته مجلة "الإسلام والتصوف" عما دار في ندوة عقدتها في القاهرة، اشترك فيها بعض العلماء الأجلاء، وناقشوا فيها أمر "الروح"، وتعرضوا للآية الكريمة: "يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي.. وما أوتيتم من العلم إلا قليلا".. ولست أريد هنا أن أتعرض لما قاله العلماء الأجلاء في تلك الندوة الطريفة، وإنما أريد أن أحدثك عن "الروح" كما طلبت، وسيكون حديثي مستقلاً.. وعلى الله قصد السبيل..

الحق و الحقيقة


ويطيب لي أن أفترع حديثي إليك عن "الروح" بجملة مأثورة، شائعة، وهي قولهم: "لا يعرف الله إلا الله، ولا يدخل في ملكه إلا ما يريد"، وبذلك نكون قد دخلنا على المسألة كلها من الباب، وهو معرفة الله، سبحانه وتعالى..
ومعرفة الله تقع على مستويين ـ معرفة "حقيقة"، ومعرفة "حق"..فأما معرفة "الحقيقة" فتلك معرفة الذات.. وهي معرفة ممتنعة لعدم الضدية فيها.. فإنه، سبحانه، وتعالى ليس له كفء، ولا ضد.. ولوجود الثنائية، في عقولنا فإنها لا تعرف إلا بالضدية. فلولا النور ما عرفنا الظلام، ولولا الحر ما عرفنا البرد، وهكذا سائر معارفنا.. وكل ما يمكن أن نحققه في باب معرفة ذات الله هو الإيقان القاطع بوجوده، سبحانه، وتعالى، واستحالة الإحاطة بمعرفته، والشعور بالعجز التام عن إدراكه، ولذلك قيل: "العجز عن الإدراك إدراك"..
وأما معرفة "الحق" فهي معرفة الأسماء، والصفات، والأفعال.. وتلك معرفة ممكنة، وميسورة، ويقع تفاوت الناس فيها على مراتب، ومراحل.. وكلما عظمت معرفتها عند العارف، كلما ازداد اليقين بوجود الذات.. ومعرفة "الحق" إنما كانت ممكنة لوجود الضدية فيها.. فإن الحق ضده الباطل.. ثم إنها لما كانت معرفة الأسماء، والصفات، والأفعال، فإن الضدية تكتنفها اكتنافاً تاماً، وذلك لمشاركة الخلق في جميع صفات الخالق، ولقد قال المعصوم: "إن الله خلق آدم على صورته".. ومعلوم أن ليس لله، تبارك، وتعالى، صورة حسية، وإنما المقصود هنا أن الله، تبارك، وتعالى، حين كان حياً، وعالماً، ومريداً، وقادراً، فقد خلق آدم حياً، وعالماً، مريداً، وقادراً.. إلا أن صفات الله جميعها في نهاية الكمال، وصفات الخلق في جانب النقص.. وحين قال المعصوم: "تخلقوا بأخلاق الله.. إن ربي على سراطٍ مستقيم"، إنما أراد أن نحاول بالعبادة، والاستقامة، والعلم، أن نخرج من نقص صفاتنا لندخل في كمال صفات الله، تبارك، وتعالى . فليس سير العابد إلى الله قطع مسافات، وإنما هو تقريب صفات من صفات..
والكلمة الجامعة التي صدرت بها حديثي هذا تشير إلى هذين المستويين من المعرفة.. فهي حين قالت: "لا يعرف الله إلا الله"، إنما أشارت إلى الحقيقة، أو "الذات" وحين قالت: "ولا يدخل في ملكه إلا ما يريد"، إنما أشارت إلى "الحق"، أو الأسماء.. ومعنى "لا يدخل في ملكه إلا ما يريد" إشارة إلى الصفة الأزلية، وهي "الإرادة"..فإنه ما من خير، أو شر، وما من هدى، أو ضلال، وما من إيمان، أو كفر، إلا وقد أراده الله، تبارك، وتعالى.. ولقد ظن بعض الفرق الضالة، من فرق المسلمين، أن الله، تبارك، وتعالى، لا يخلق الشر، والضلال، والكفر، وإنما يخلق الخير، والهدى، والإيمان.. فأشركوا مع الله خالقاً آخر، من حيث أرادوا تنزيهه.. والإرادة صفة وسط بين صفتين: أعلاها العلم، وأدناها القدرة.. وبهذه الصفات الثلاث.. العلم، والإرادة، والقدرة برزت المخلوقات جميعها للوجود.. فبالعلم أحاط الله تبارك وتعالى بالمخلوقات، أوائلها وأواخرها، وما بين ذلك.. وبالإرادة خصص صور البدايات، وما يليها.. وبالقدرة أبرزها إلى حيز الوجود، ووالى إبرازها.. وتلحق بهذه الصفات الثلاث صفات ثلاث أخر: هي الخالق، البارئ، المصور..

الإرادة الإلهية


ولما كانت الإرادة صفة وسطاً بين صفتي العلم والقدرة، فإن فيها خصائصهما معاً، ولذلك فحيث تذكر الإرادة مفردة فإنها تعنيهما معاً..
والإرادة صفة أزلية قائمة بذات الله، تبارك، وتعالى، والمخلوقات جميعها صور لتجلياتها في الوجود المادي.. ومن هنا جاء السؤال القديم عند الصوفية: "هل الخلق هم الحق أم هل هم غيره؟؟".. ولقد حاول النابلسي، عليه رحمة الله ورضوانه التعبير عن ذلك حين قال:-
إن تكن بالله قائم * لم تكن بل أنت هو
أنت ظل الغيب من أسمائه و الشمس هو

وهذا استطراد ما نحب أن نواصله، فلنرجع إلى الحديث عن "الإرادة"..لقد قلنا إنها صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى.. وقلنا أيضاً أن المخلوقات ـــ عظيمها وحقيرها، علويها وسفليها ـــ إن هي إلا صور لتجليات الله في الوجود.. وبين المخلوقات تفاوت عظيم في العلم والقدرة، ولكنه تفاوت مقدار فقط.. فقول الله تعالى: "وفوق كل ذي علمٍ عليم" ينطبق على جميع المخلوقات، من أدناها إلى أعلاها.. وينظمها في شكل هرمي، له قاعدة عريضة، وله قمة دقيقة، عليها واحد.. وفيما بين القاعدة والقمة جميع صور المادة ـــ الغاز، والسائل، والجامد، والشجر، والحيوان "بما في ذلك الإنسان"، والأرواح،.. وقد يتبادر إلى الذهن استغراب أن توصف جميع هذه المستويات بالعلم حتى يكون تفاوتها فيه تفاوت مقدار، وما ذاك إلا لأننا نعرف العلم تعريفاً بعينه، ولا نعلم علماً وراء ما اصطلحنا على تسميته بالعلم.. ولذلك يقول الله تعالى في الخلق، وفينا: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم".. والعقول الفطرية الأولية في الحياة البدائية تنسب الحياة لكل جسم تراه ـــ فللحجر حياة، وللأرض حياة، وللحطب حياة، وكذلك يفعل الأطفال.. ولأمر ما كان ذلك !! ومهما يكن من شيء فإن المخلوقات جميعها، وبشكلها هذا الهرمي، من قمتها إلى قاعدتها، تطلب الله، وتسير إليه.. وكما سبق القول فإن السير إلى الله ليس بشد الرحال، ولا بقطع المسافات، وإنما هو بتقارب صفات المخلوق من صفات الخالق، والتقلب في هذا السير هو المعبر عنه بالفناء في قول الله سبحانه وتعالى: "كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذوالجلال والإكرام".. وللوجه هنا معنيان: الوجه البعيد هو الذات، والوجه القريب هو الوجه الذي يلي الذات من المخلوقات ـ أي هو أرفعها جميعاً، وهو الذي على قمة الشكل الهرمي، وهو هو الذي نطلق عليه "الحق" حين نطلق على الله "الحقيقة"..أو قل هو خلاصة المخلوقات التي هي، كما سبق وقررنا، مظهر تجليات الله في الوجود..

أطوار سبعة


ومع أن معارج التقارب بين القاعدة والقمة لا حصر لها إلا أنها تقع في سبع مراتب، أو قل سبع طبقات.. ولقد ورد التعبير عنها في القرآن كثيراً وبصور مختلفة ـــ فمثلاً قول الله تعالى: "إن ربكم الله الذي خلق السموات، والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاُ، والشمس، والقمر، والنجوم، مسخرات بأمره.. ألا له الخلق، والأمر، تبارك الله رب العالمين".. فذكر ستة الأيام هنا، وأشار إلى اليوم السابع بقوله: "ثم استوى على العرش".. وهذه الأيام السبعة إشارة إلى أطوار الخلق السبعة.. وقوله تعالى: "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرارٍ مكين * ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحماَ، ثم أنشأناه خلقاً آخر.. فتبارك الله أحسن الخالقين"، شبيه بقوله تعالى، الأول.. عبر عن الأطوار الستة بهذا التطور، والتدرج.. وعن الطور السابع بقوله: "ثم أنشأناه خلقاً آخر"، وهو هو نفس معناه في قوله: "ثم استوى على العرش"..
وقوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني خالقٌ بشراً من صلصال من حمأ مسنون * فإذا سويته، ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين"، شبيه بقوله تعالى في الآيتين السابقتين.. فإنه هنا أجمل الأطوار الستة في قوله تعالى "فإذا سويته"، ثم عبر عن الطور السابع بقوله تعالى: "ونفخت فيه من روحي"، وهو تعبير مقابل تماماً للتعبيرين في الآيتين السابقتين، وذلك حين قال في الأولى: "ثم استوى على العرش"، وفي الثانية: "ثم أنشأناه خلقاً آخر"..
ولما كان كل شيء موجود في الآفاق موجوداً في النفس البشرية، ـ في البنية البشرية ـ فإن هذه الأطوار السبعة موجودة أيضاً.. والله تعالى يقول: "سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق.. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟؟".. وهذه الأطوار السبعة في النفس البشرية وردت العبارة الصريحة عن ستة منها، وتركت السابعة للإشارة، كما جرى في آية خلق السموات، والأرض، التي أوردتها هنا، وكما جرى، وبصورة أقل خفاءً، في الآيتين الأخريين اللتين أوردتهما آنفاً.. فالطور الأول من أطوار النفس هو طور النفس الأمارة، وهو طور مشترك بين الإنسان والحيوان.. وقد ورد ذكره في قوله تعالى، على لسان يوسف الصديق: "وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء".. والطور الثاني هو طور النفس اللوامة، وقد ورد في قوله تعالى: "لا !! أقسم بيوم القيامة * ولا !! أقسم بالنفس اللوامة" وهو أول أطوار الترقي في سلم البشرية.. والطور الثالث هو طور النفس الملهمة، وقد ورد في قوله تعالى: "ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها".. والطور الرابع هو طور النفس المطمئنة، والطور الخامس طور النفس الراضية، والطور السادس طور النفس المرضية.. وقد ورد ذكر هذه الثلاث في قوله تعالى: "يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضيةً مرضية".. وأما الطور السابع فقد أشار إليه إشارة لطيفة، خفيفة، في الآية التي تليهما حين قال: "فادخلي في عبادي" وهو طور النفس السابعة..