في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الخفاض الفرعوني

بسم الله الرحمن الرحيم
(يا أيها الذين آمنوا!! لا تتبعوا خطوات الشيطان.. ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر... ولولا فضل الله عليكم، ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا... ولكن الله يزكى من يشاء.. والله سميع عليم..)
صدق الله العظيم


المقدمة:


إن عادة خفاض المرأة من العادات التي عرفتها المجتمعات البشرية، في العديد من البلدان، وفى جميع القارات، ومنذ أمد بعيد في التاريخ.. ومن أكثر صور الخفاض انتشارا في بلادنا، الصورة التي اشتهرت باسم (الخفاض الفرعوني)، وهي التي سيكون عليها تركيزنا في هذا الكتاب..
ولقد قامت عدة محاولات لمحاربة عادة الخفاض الفرعوني، ومن أبرز هذه المحاولات القانون الذي سنه الإنجليز في عام 1945 لمحاربة هذه العادة.. وهو القانون الذي استغله الجمهوريون آنذاك، في تصعيد العمل الوطني ضد الإنجليز... فقد جعل الجمهوريون من القانون، ومن محاولة تطبيقه على امرأة من رفاعة، فرصة لمواجهة صارمة مع الإنجليز... فقد كشف الجمهوريون غرض الإنجليز الحقيقي من قانون منع الخفاض الفرعوني، ذلك الغرض الذي ما كان يمكن أن يكون، بأية حال من الأحوال، هو ترقية المجتمع السوداني، أو الدفاع عن حقوق المرأة السودانية، وصون كرامتها، فإن ذلك ليس مما يحرص عليه الاستعمار الإنجليزي بل الأمر على العكس من ذلك تماما، فإن غرض الانجليز من ذلك القانون، هو غرض يتمشى مع أهدافهم الاستعمارية، في التمكين لأنفسهم، وتطويل فترة بقائهم بالسودان، وهذا ما سنبينه في موضعه من الكتاب.. وعلى الرغم من وضوح القصية، إلا أن البعض، ممّن ينسبون إلى الثقافة، لا يزالون يتوهمون أن الجمهوريين، في ثورة رفاعة، كانوا يساندون عادة الخفاض الفرعوني، وهذا توهم لا يجد ما يبرره، ثم هو توهم يعطى الاستعمار الإنجليزي، فضيلة ليست له، إذ يعتبر إن غرض هذا الاستعمار من قانون الخفاض، هو فقط محاربة عادة ذميمة متفشية في المجتمع السوداني، وليس له أي غرض استعماري وراء ذلك!! وهذه غفلة شديدة، إن جازت على البعض في وقت سن القانون، ما ينبغي أن تجوز بعد مرور هذا الوقت الطويل. والآن وعلى الرغم من مرور حوالي خمسة وثلاثين عاما على قانون منع الخفاض الفرعوني، والمنع لا يزال ساريا، وعلى الرغم من حملات التوعية النشطة بمضار الخفاض فإن الخفاض الفرعوني لا يزال يمارس في المجتمع السوداني بصورة واسعة!! فما السر في ذلك؟! ولماذا فشلت القوانين، وحملات التوعية في القضاء على هذه الظاهرة؟ وما هو الأسلوب المثل لمحاربتها، بالصورة التي تقضى على العادة ومضارها ثم في نفس الوقت تحفظ على المجتمع القيمة التي من أجلها مارس هذه العادة عبر التاريخ الطويل؟ إن جميع هذه الأسئلة ستجد الإجابات عليها، إن شاء الله في متن الكتاب..
لقد ثبت بالتجربة العملية، والتجربة الطويلة، أن العادات الاجتماعية لا تحارب بالقوانين.. وهذا ما تفطّن له الجمهوريون منذ البداية وقالوه.. ثم عاد معظم المهتمين بمحاربة الخفاض الفرعوني ليقولوا به أخيرا!! ثم أن التوعية التي تقوم على مجرّد ذكر المضار الجسدية، والنفسية، المترتبة على ممارسة العادة الاجتماعية، هذه التوعية، بصورتها هذه، ليست كافية هي أيضا، لمحاربة العادة.. وكذلك الوعظ الديني هو الآخر ليس بكاف أيضا.. فإن الأمر أدق من ذلك وأعمق من ذلك بكثير. فإن عادات السلوك الفردي والسلوك الجماعي، أمور مرتبطة بالنفس البشرية، وبالقيم الإنسانية.. والعادة تسيطر على الأفراد وعلى المجتمعات، بصورة قوية، يصعب معها محاربتها إلا بعد إيجاد دافع قوى، وخلق إرادة قوية عند الأفراد والمجتمعات، تعين على التخلص من سلطان العادة، وهذا لا يتوفر بمجّرد التوعية بمضار العادة، فالناس مثلا يعلمون مضار عادة التدخين، وقد تمت توعية في هذا الصدد واسعة، وأصبحت السلطات الصحية تشترط على شركات الدخان أن تكتب على علب السجاير عبارة (ضار بالصحة).. ورغم ذلك فإن عدد المدخنين في ازدياد مستمر، وتجارة الدخان من أكثر أنواع التجارة رواجا!! فالوعي بالمضار الصحية وحده لم بقض على عادة التدخين الضارة.. بل إننا نجد الكثيرين من الأطباء، وهم أكثر الناس الماما بمضار التدخين، يمارسون التدخين، وفى بعض الحالات بإسراف!! ولذلك لا يمكن محاربة العادات الضارة بفعالية إلا بعد توفير المنهاج الذي يعين على اقتلاع هذه العادات من داخل العقول والنفوس، والذي يعين على إيجاد إرادة التغيير التي تحرر الأفراد والجماعات من سلطان العادة.. ولمحاربة العادات الضارة لا بد من توفير البديل، فإن النفوس لا تعيش في فراغ. وإذا كانت العادات المراد تغييرها مرتبطة بأمور أصيلة وحسّاسة في حياة الناس، مثل العرض والعفة – وهذا ما ينطبق على عادة الخفاض – فإن الأمر يحتاج إلى مجهود أكبر ونظرة أعمق..
انه من الخطأ الفادح، الظن بان المجتمعات تنشئ عاداتها الاجتماعية اعتباطا، ودون حكمة.. وهذا الخطأ وقع فيه كثير ممن يتصدون لمحاربة الخفاض، وهو من الأسباب الأساسية لفشلهم.. فإن حقائق المعرفة تقول إنه ليس فيما يدخل الوجود باطل مطلق، فكل ما دخل الوجود دخل بحكمة، ولا بد من مراعاة هذه الحكمة عند التعامل معه..
الحكمة أبلغ ما تكون إنما نجدها في معالجة الإسلام لمشاكل المجتمع وقضاياه.. وما يتصل بموضوعنا الذي نحن بصدده في هذا الكتاب، عادة وأد البنات التي كانت تمارس في الجاهلية..
لقد كان دافع الناس الأساسي لممارسة تلك العادة هو خوف العار الذي يتعرّضون له إذا سبيت البنت، أو اختطفت، أو تعرضت للفقر المدقع.. فهنالك قيمة إذن، كانوا يبتغونها من وراء الوأد، وهي العفة والصون، ولكنهم أخطأوا السبيل إلى تحقيق تلك القيمة إذ أعدموها الحياة نفسها: (وإذا الموؤدة سئلت، بأي ذنب قتلت)، فلما جاء الإسلام، وحرّم تلك العادة، لم يقلّل من شأن القيمة التي وراءها، ولذلك لم يبطل، في حقيقة الأمر تلك العادة تماما، وإنما طورها.. فهو حين حرّم الوأد الذي هو حجب البنت في الحفرة جاء بالبديل وهو الحجاب بجدران المنزل الأربعة: (وقرن في بيوتكن ولا تبرّجن تبّرج الجاهلية الأولى).. فلا تخرج المرأة ولا تختلط بأجنبي، إلا لضرورة هي إلا يكون لها عائل يعولها.. ففي هذه الحالة يباح لها الخروج، والاختلاط، لتكسب عيشها كسبا شريفا، وعندئذ يجب أن تخرج بالزى الشرعي الذي هو بديل عن جدران المنزل التي كانت بدورها بديلا عن حفرة الوأد... وهيئة هذا الزي هي أن يغطى المرأة حتى لا يظهر منها سوى وجهها، وكفّيها، وظاهر قدميها.. وإباحة الخروج للمرأة في هذه الحالة هو أيضا قد أريد به سد ثغرة الحاجة لدى المرأة، كي تعف يدها ونفسها..
هذا التطوير لعادة الوأد فيه قفزة لم يكن منها بد، وبذلك تغيرت الوسيلة، في هذه العادة، وبقيت القيمة التي إن هي إلا مساعدة النساء، ثم الرجال، على العفّة والصون..
إن الإسلام إذن، قد رعى القيمة التي كان الناس يرمون إليها من وراء (الوأد) وفى نفس الوقت طوّر الوسيلة، بل هو قد وكّد، وركّز، على القيمة الحقيقية، وهي العفة التي في الصدور، ووظّف منهاجه في المعاملة، والعبادة، لهذا الغرض.. وقد أشار إلى هذه القيمة بقول الله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم، وريشا، ولباس التقوى، ذلك خير، ذلك من آيات الله، لعلّهم يذّكرون).. وحكم الوقت اليوم، قد قضى بتطوير الضرورة التي تبرر خروج المرأة، ومن ثم تطوير الزي.. وهو ما عليه الجمهوريات اليوم.. وتفصيل كل هذا يلتمس في كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) وكتاب (كيف ولماذا خرجت المرأة الجمهورية تدعو إلى الدين)..
بمقتضى هذه النظرة الدينية العميقة، وعلى هدى المعالجة الإسلامية الحكيمة لأمر المرأة في الماضي، فإنا يجب أن ننظر إلى القيمة التي استوجبت (الخفاض) وان نلتمس رواسبها العميقة في النفس البشرية، فنطوّر هذه العادة، بالحكمة، وبالتدريج، مع اعتبارنا الكافي، بل توكيدنا الزائد للقيمة التي توّخاها الناس، من قديم الزمان، من وراء عادة (الخفاض) هذه.. هذه القيمة إنما هي الحرص على (العفة) التي لم يكن من سبيل إليها إلا بالحجر العنيف على النساء، وإلا بفرض الحجاب الغليظ، وبالخفاض.. ومما يذكر في باب مراعاة الحكمة وتطوير العادة، عادة الخفاض بالذات، حديث النبي حيث قال لمن استفته في ممارسة الخفاض: (اخفضي ولا تنهكي)..
ونحن إنما نستشرف عهد التطوير الأكبر لعادة (الخفاض)، وذلك إنما يتم بالتربية الإسلامية التي بها يعف الرجال والنساء.. والحديث النبوي جاء بالوصية: (عفّوا، تعف نساؤكم)..
فمعالجة عادة (الخفاض الفرعوني)، إذن، إنما تتم بتطويرها بحصول التربية، وبتعميق أمر العفّة في الصدور، صدور الرجال والنساء، وحيث يتيقن كل رجل إن الله هو الحافظ، وهو الصائن لعرضه، لا الباب المقفول، ولا الثوب المسدول، ولا حتى (الخفاض).. وذلك حين تبلغ التربية الإسلامية أوجها، ويستقر في القلوب اليقين بقول الله تعالى: (فالصالحات قانتات، حافظات للغيب، بما حفظ الله).. عندئذ تطامن غلواء الغيرة الجنسية بفضل الله، ثم بفضل الثقة المتوفرة بين الرجال والنساء.. وغنى عن القول، إن الغيرة ما ينبغي لها أن تنزع من صدور وحجور النساء..
إن الخفاض على سوئه، وراءه قيمة مرعية يجب أن تعتبر أشد الاعتبار، فلا نلغي هذه العادة، وإنما نطوّرها.. لتبقى القيمة التي وراءها، ولتتوكد وتتعمّق، بأكثر مما كانت لدى أسلافنا، فهي قيمة دينية، تتقدس بها علاقة الرجل بالمرأة في الزواج، وفى الحياة، تقديسا..
إن تهوين أمر هذه القيمة، للعفّة والصون، التي تكمن خلف عادة الخفاض، هذا التهوين الذي نلمسه عند كثير من الداعين لإبطال عادة (الخفاض الفرعوني) إنما هو خطأ كبير، يجر إلى أوخم العواقب، وأبشع النتائج، مما انتهت إليه الحضارة الغربية من التفسّخ والتحلّل من القيم التي وكّدها الدين، ورعتها الإنسانية، وبذلن في سبيل ترسيخها الدم.