في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الخفاض الفرعوني

خفاض المرأة.. تاريخه.. ودوافعه:


إن ظاهرة الخفاض عند المجتمعات المختلفة، ظاهرة قديمة، وواسعة الانتشار.. وعن تاريخ هذه الظاهرة، يحدثنا الدكتور عبد الحسين طبا، المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية، بشرق البحر الأبيض المتوسط فيقول: (يحدثنا مشاهير المؤرخين أمثال هيرودوتس أن الفينيقيين، والحاميين، والإثيوبيين، كانوا في القرن الخامس قبل الميلاد يمارسون خفاض الأنثى، كما كان يفعل ذلك أيضا المصريون، ومرة أخرى في عام 1767م ذكر الرحالة الألماني نيوبور (وهو عضو في أول بعثة علمية جاءت إلى الجزيرة العربية ومصر وسوريا)، بأن هذه العملية كانت منتشرة نوعا ما في بعض أقطار الشرقين الأوسط والأدنى
ص 43 من كتاب: (الممارسات التقليدية التي تؤثر على صحة المرأة والطفل).. وهذا الكتاب عبارة عن حلقة دراسية عقدت بالخرطوم في فبراير 1979م، وصدرت في كتاب عن منظمة الصحة العالمية.. ونحن سوف نشير إلى هذا المصدر باسم كتاب: (الممارسات التقليدية).
ويضيف نفس المصدر: (الجدير بالذكر انه رغم التاريخ الطويل والممارسات الواسعة لخفاض الأنثى، فإنه لا يوجد ليل قاطع يبين أين نشأت هذه الممارسات في الأصل، وكيف بوشرت في البداية) ص 44.. ورغم أن أقدم تاريخ عرف لممارسة الخفاض هو القرن الخامس قبل الميلاد إلا أن الأرجح عند المؤرخين أنها أقدم من ذلك بكثير، فهي ظاهرة قديمة موغلة في القدم، وهي واسعة الانتشار.. وهي لا تزال تمارس في عديد المناطق إلى اليوم..

انتشار الظاهرة:


إن ظاهرة الخفاض لازالت تمارس (في عدد من البلدان الأفريقية، وعلى نطاق أضيق في الأجزاء الجنوبية من شبه الجزيرة العربية، وفي ماليزيا واندونيسيا) ص 43 من المصدر السابق.. وعن انتشار ظاهرة الخفاض، يقول الدكتور طه بعشر: (ولأسباب تاريخية متعددة يبدو أن خفاض الأنثى كان يمارس في أجزاء عديدة من العالم، وفي الواقع ليست هناك قارة واحدة مستثناة من هذه العادة القديمة. إلا أن هذه الممارسة كانت أكثر شيوعا في أفريقيا منها في الفارات الأخرى. وقد ذكر أن المجتمعات ذات الخلفيات الثقافية الدينية المختلفة – مسيحية ويهودية، ومسلمة، وأرواحية "مذهب حيوية المادة"- مارست هذه العادة في وقت أو أخر) ص 72 من كتاب (الممارسات التقليدية)

تاريخ الخفاض الفرعوني:


تحدثنا عن ظاهرة خفاض المرأة بصورة عامة، أما الخفاض الفرعوني، بصورة خاصة، فإن التسمية، وبعض الأدلة الأخرى ترجح، أنه نشأ في مصر، عند الفراعنة منذ وقت مبكر.. فعن نشأة وتاريخ الخفاض الفرعوني ورد بالبحث الذي أعدته وزارة الشئون الاجتماعية السودانية، بالتعاون مع جمعية أخصائي أمراض النساء والولادة عن:(الآثار الاجتماعية والصحية لظاهرة الخفاض الفرعوني بالعاصمة المثلثة يناير-فبراير 1977م)، ورد بهذا البحث، ما نصه: تعددت الآراء حول منشأ هذه الظاهرة ولم يتوصل الباحثون إلى رأى قاطع يحدد الموطن الأصلي لهذه الظاهرة.. إلا أن أقدم إشارة إلى هذه الظاهرة وجدت في أوراق البردي والتي ذكرت بأن بنات ممفيس تجرى لهن عملية الخفاض في مراسيم بمناسبة الخطوبة والزواج، كما أن هنالك مناقشات علمية حول وجود الظاهرة في المومياء المصرية. وقد ذكر دكتور طه بعشر في إحدى ندواته في تلفزيون جمهورية السودان، وذلك بمناسبة حضوره اجتماعات المؤتمر الخامس لجمعية أخصائي أمراض النساء والولادة – فقد ذكر بأنه ليس من السهل بل قد يكون من المستحيل، حتى الآن، إمكانية التحقق من إن هذه الظاهرة، موجودة في المومياء المصرية القديمة أم لا..
ومن المعروف علميا بأن المصادر التاريخية الأساسية لمعرفة الحضارة الفرعونية تتمثل في ثلاثة مصادر هي: ورق البردي، والمومياء، والمعابد وما بها من نقوش وآثار.. وبما أن هذه الظاهرة قد ذكرت في أوراق البردي، عليه يمكن الجزم بأن هذه الظاهرة قديمة وممارسة من قبل الميلاد في وادي النيل، ولكن هذا لا يعنى بأن ممارستها كانت مقصورة على وادي النيل وحده، فالدراسات قد أثبتت بأنها مازالت تمارس في الحبشة، والصومال، وكينيا ومناطق أخرى في أفريقيا، وذلك وفق ما جاء في الدراسات التي نشرت في مجلة الشبكة الأمريكية) ص2 من البحث.
وقد انتقلت ظاهرة الخفاض الفرعوني من شمال وادي النيل إلى السودان، وإن كان بعض الباحثين يرى أنها انتقلت إلى السودان من الحبشة.

انتشار الخفاض الفرعوني:


وفي وقتنا الحاضر فإن الخفاض الفرعوني، منتشر في عدة مناطق، أهمها السودان والصومال و(تفيد التقارير بأن الخفاض الفرعوني يمارس في أثيوبيا بين الصوماليين "ميلي" وبين الدناكيل والحواري والقالة "هيوبر" وفى ارتريا. ويمارس النوع الثاني والنوع الثالث في بعض أجزاء كينيا. وفى مصر كان النوعان الأول والثاني منتشرين فيما سبق ولكنهما منذ عدة عقود أصبحا في انحسار مستمر "شاندال") ص 56 من كتاب (الممارسات التقليدية) – النوع الثاني والثالث هما نوعان متشددان من الخفاض الفرعوني – ويعتبر السودان والصومال في الوقت الحاضر من أكثر الدول التي تنتشر فيها ظاهرة الخفاض الفرعوني.
وعن انتشار الظاهرة في السودان نورد هنا هذه المعلومات من التقرير الذي قدمته الدكتورة أسماء عبد الرحمن الضرير عن (دراسة مدى انتشار خفاض الأنثى في السودان اليوم)..
جاء في القرير ما يلي: (خططت الدراسة بحيث تشمل القطر كله، وعلى وجه الخصوص الخرطوم، ود مدني، كوسطى، بورتسودان، دنقلا، الفاشر، وواو، وشملت عينة الإناث (10.000) امرأة. وكانت 37.5% من اللاتي جرت مقابلتهن من فئة العمر 15-24 سنة و36% من 25-34 سنة، وكانت العينة في مجملها متساوية التوزيع بين المناطق الحضرية والريفية كما كانت 90% من النساء اللاتي تمت مقابلتهن أميّات ومن الطبقة الاجتماعية والاقتصادية الدنيا. وكانت هنالك ثلاثة أنواع من الخفاض: الفرعوني 84% والأوسط 4% و(السنّة) 1%. وبلغت نسبة من لا يمارسن الخفاض 4% وهؤلاء ينتمين إلى قبيلة الفلاتة وبينما وافق 81% من الأزواج على الممارسة أفاد 14% منهم أنها محرمة شرعا) ص 123 من كتاب (الممارسات التقليدية).. وهذا البحث قدّم في الحلقة الدراسية المنعقدة في فبراير 1979م، وهو لذلك يعتبر من أحدث الدراسات في موضوع الخفاض وهو يدل دلالة واضحة على إن الخفاض لا يزال منتشرا في البلاد بصورة واسعة تصل إلى نسبة 84%!!

ما هو الدافع للخفاض الفرعوني:


لقد أورد الباحثون، عدة أسباب ودوافع للخفاض بصورة عامة، والخفاض الفرعوني بصورة خاصة.. ويمكن تلخيص هذه الدوافع كما أوردها كتاب (الممارسات التقليدية) فيما يلي: -
1) كقربان ديني
2) كشعيرة لإعلان الدخول في القبيلة
3) كوسيلة لإضعاف الشهوة الجنسية وجعل الأنثى اقلّ عرضة للإغراء
4) للحفاظ على البكارة
5) لأسباب صحية
6) كوسيلة للعلاج
راجع صفحتي 72، 73 من الكتاب –
هذه بعض الدوافع التي ذكرت لعادة الخفاض الفرعوني – إلا أن الدافع الأساسي هو الحرص على العفّة والصون.. وهذا الدافع قد ترّسخ في أخلاد الأفراد في المجتمعات التي تمارس هذه العادة، بالصورة التي جعلت ممارسة العادة أمرا تلقائيا، والغرض منها لا يحتاج لوقفة تفكير، فالمجتمعات عادة لا تقف لتنظر في عاداتها وتقاليدها الراسخة، وتفلسفها، وإنما هي ترث هذه العادات والتقاليد، وتشعر بالقيمة والدافع الحقيقي لها، شعورا قد يكون في بعض الأحيان غامضا وقد لا تستطيع التعبير عنه، ولكنه، على كل حال، شعور راسخ ليس من السهل إن تتزحزح عنه، ومما يزيد في رسوخه طول زمن الممارسة.. وعادة الخفاض مرتبطة في وجدان الشعب بالدين كقيمة، وبالنقاء الخلقي والطهارة، ولذلك هي تسمى عندنا بـ (الطهارة) وهذه التسمية ترمز إلى ارتباطها في وجدان الشعب بهذه القيمة.