في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

الاستقلال عن المحاور الدولية:


والاستقلال السياسي بالنسبة للأقطار حديثة الاستقلال انما يتأكد معناه دائما بالحياد ازاء الصراع الدولي بين المعسكرين الشرقي والغربي، اللذين يتصارعان على مناطق النفوذ في بلاد العالم الثالث، فيسعيان إلى تقييد هذه البلاد بسلسلة من الاحلاف، والمعاهدات، التي تنتقص من سيادة هذه البلدان. وفى حقيقة الامر فإنه من الصعب الحديث عن الحياد بإزاء المعسكرين، بالنسبة إلى بلد من البلدان، إذا لم يمتلك هذا البلد مذهبية هي في حد ذاتها (محايدة).. هذه المذهبية (المحايدة) انما هي (الإسلام).. فالإسلام بقدرته على الجمع بين الاشتراكية والديمقراطية في جهاز حكومي واحد، انما يشكّل (المذهبية الثالثة المحايدة) بين الاشتراكية الماركسية من جهة، والديمقراطية الغربية من جهة اخرى.. وهو على ضوء هذه (المذهبية الثالثة) له القدرة على انشاء (الكتلة الثالثة)، التي تمتلك ان تفض الكتلة الغربية والكتلة الشرقية، فتقيم نظاما عالميا موحدا: جغرافيا وفكريا..
هذا هو الاستقلال عن المعسكرين الشرقي والغربي في قمّته.. ولكن فإن حكم الوقت الحاضر والذي اقتضى وجود هذين المعسكرين، انما يقتضي ايضا ان تنشئ البلدان حديثة الاستقلال علاقتها مع كل من المعسكرين بصورة تحفظ توازن القوى بينهما، فلا يميل ميزان القوى لصالح أي منهما، مما يغريه بالقضاء على المعسكر الآخر وفرض سيطرته على العالم، الامر الذي يؤخر بروز الكتلة الثالثة..
وحفظ توازن القوى بين هذين المعسكرين، ليس عملا شكليا، في ان نعطي تسهيلات عسكرية ومناطق نفوذ متساوية لكل منهما، او لا نعطي، اطلاقا لأى منهما..
فالأمر ليس بهذه البساطة، ويقتضي فهما اعمق لقضايا الصراع الدولي وتوازن القوى.. فبالنسبة لنا نحن في السودان، ومنطقة الشرق الاوسط عموما، فإننا نواجه خطرا سوفيتيا اطبق علينا من جهات عديدة، بصورة ادت إلى اختلال توازن القوى في هذه المنطقة لصالح السوفييت، مما يجعل الحديث عن الحياد الشكلي بين امريكا والاتحاد السوفيتي، انما هو امر في مصلحة السوفييت تماما..
ولانعدام المذهبية والرؤية الواضحة لقضايا التوازن الدولي التي صاحبت حكم الأحزاب الطائفية في السودان، فلقد ذهبت – مثلا – في عام 1967 لكى تستضيف مؤتمر القمّة العربي بعد هزيمة العرب في يونيو 1967، فيما عرف بمؤتمر اللّاءات الثلاثة : (لا اعتراف ولا صلح ولا تفاوض مع اسرائيل) والذي لا يخدم الا مصلحة السوفييت في المنطقة!! ولقد رجحت كفة السوفييت على كفة امريكا حتى لقد اصبح العمل الآن من اجل توازن القوى في هذه المنطقة، انما يتم بمواجهة النفوذ السوفيتي ولو اقتضى ذلك الاستعانة بأمريكا لوقف الاطماع السوفيتية..
ولذلك فإن الاتجاه لتوطيد العلاقات السياسية والاقتصادية بين السودان وأمريكا، والذي سار فيه نظام مايو، انما يخدم غرضا من اغراض توازن القوى في هذه المنطقة.. بل ان الاتجاه لخلق علاقات ذات طابع مميز بين السودان ومصر وأمريكا انما يشكل صمّام الامان لوقف الاجتياح السوفيتي لمنطقة الشرق الاوسط وافريقيا.. والامر هنا ليس امر انتهاك للسيادة الوطنية او عمالة، بقدر ما هو امر املته تطابق المصالح السياسية، الدولية، في هذه المنطقة بين هذه الدول الثلاث.. بل ان مصلحة السلام نفسها لكل العالم انما تقتضيه اليوم..
لقد سار نظام مايو طويلا في اتجاه تعزيز شخصية السودان الدولية، بعد ان غابت طيلة فترة الحكم الوطني على يد الأحزاب الطائفية، الامر الذي مكنه من ان يلعب دورا بارزا على الساحة العربية والافريقية والدولية، فنجده مثلا قد تصدى لمسالة اعادة التضامن العربي بين الدول العربية، كما ان السودان وفى فترة رئاسته لمنظمة الوحدة الافريقية، قد عمل على حل الكثير من المشاكل الأفريقية كالمشكلة التشادية وغيرها.
ويمكن القول اخيرا، بأنه بقدر ما تتوفر لنا المذهبية (المحايدة) بقدر ما تتعزّز شخصيتنا الدولية (المحايدة) فنقدم نموذجا من السلوك السياسي الدولي، يغرى دول العالم المتضرّرة من الصراع بين روسيا و أمريكا، بالسير فيه..