في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

الباب الثاني
الاستقلال الاقتصادي


إنه لمن بدائه الامور أن الاستقلال عندما تم بإعلانه من داخل البرلمان، بجلاء قوات المستعمر من البلاد في عام 1956، لم يكن ذلك الّا بمثابة خطوة اولى في طريق الاستقلال الحقيقي، الذي ما نزال نطلبه بشق الانفس!! ذلك بأن الحركة الاستعمارية عندما بدأت، انما كانت تستهدف السيطرة على مصادر المادة الخام، التي تحتاجها حركة التصنيع الواسعة، والتي اسفرت عنها الثورة الصناعية في أوروبا. كما كانت تستهدف احتكار اسواق الدول المستعمرة لتصريف منتجاتها الصناعية..
ومن ثم فإن الاستعمار السياسي، انما كان يقوم مقام الوسيلة لغاية هي الاستعمار الاقتصادي، وذلك هو البعد الحقيقي للاستعمار!! وايما دولة جلا عنها المستعمر، واقامت مكانها حكومتها الوطنية، فإن روابطها الاقتصادية التي احكمها المستعمر قد بقيت، وهي من القوة والتعقيد بحيث تحتاج إلى مجهود فائق، وطويل لإعادة بنائها، على اسس جديدة، تؤدى إلى الانعتاق، والاستقلال الحقيقي لهذه البلاد. هذه العلاقة التي تم املاؤها من جانب واحد، هي التي تركت هذه الدول برغم جلاء الاستعمار عنها، تابعة له اقتصاديا!! هذه التبعية ماتزال من ضمن ادوات الدول الغربية الهامة في التحكم في السياسة العالمية.. وهذه الحقبة التي اعقبت التسلّط الاستعماري المباشر على الدول، واصبح فيها، يوالى الاحتفاظ ببعض نفوذه على البلاد على نحو غير مباشر، من خلال استخدام نفوذه الاقتصادي، هو ما حدا ببعض الناس بتسميته (الاستعمار الحديث)، وما هو بذلك في حقيقة الامر، وانما هو الاستعمار القديم يتغير اسلوبه فقط، ويبقى الجوهر.
و(الاستعمار الحديث) انما هو الاستعمار الشيوعي الذي قد جازت خديعته، في بادئ الامر، على كثير من الدول التي كانت مرزوءة بالاستعمار القديم، فأخذت تستجير به، كالمستجير من الرمضاء بالنّار، حتى بدأت تتكشّف لها حقيقته، لذلك فإن هذه المرحلة من مراحل التحرّر الحقيقي من الاستعمار الغربي، لهي من اصعب، واشق المراحل، واشدها دقة وتعقيدا.. هذه الصعوبات والمشاق تتمثل اوضح ما تتمثل، في المشاكل الاقتصادية المستعصية، والتي لازمت كل الدول النامية، وهي تحاول النهوض اقتصاديا، والتحرّر من قبضة النفوذ الغربي الذي أملى عليها شروط وفرض عليها تركيبا اقتصاديا، راعى فيه مصالحة هو، دون مصالح هذه الدول..

التبعية الاقتصادية:


لقد كان جل النشاط الاقتصادي بالسودان، تحت السيطرة المباشرة لرأس المال الأجنبي المحتكر، ولقد ترتب على هذه السيطرة، ضمان الاستغلال المباشر للشعوب المستعمرة، والاستحواذ على فائض انتاج العاملين الوطنيين، وعلى نسبة عالية من الدخل القومي، وتحويلها إلى خارج البلاد!! ولقد تمكّن الاستعمار من تدعيم مصالحه الاقتصادية عن طريق السيطرة على النظام النقدي، في البلاد المستعمرة، حيث كانت البنوك في هذه البلاد مجرّد فروع للبنوك في الدول الغربية، وهي تقوم بتمويل شركات الاحتكار في الدول المستعمرة، والتي بدورها فروع لرئاساتها، ومراكز اداراتها، في الدول الغربية.. ولقد استطاعت هذه المصارف تحويل الكثير من الموارد المالية الوطنية التي اعتصرتها رؤوس الاموال الاجنبية من فائض عرق الشعوب المستعمرة إلى الخارج، مما قلّل من حجم المدخرات المالية المطلوبة لبناء، وتطوير، الاقتصاد الوطني، وتوفير الخدمات الاجتماعية الضرورية للمواطنين..
كما ذكرنا آنفا، فإن الحكم الاستعماري لم يترك البلاد المستعمرة، الّا بعد ان ربط مصالحها الاقتصادية به، وباقتصاده.. وبرغم محاولة هذه الدول للخروج عن هذا الطوق، والتحرّر من هذا القيد، بإعادة تركيب، وبناء هيكل اقتصادها، فإن الدول النامية، في معظمها، لا تزال مرتبطة تجاريا، وتحت نفس الظروف، ونوعية العلاقات، التي كانت مرتبطة بها مع الدول الصناعية، حيث لا يزال نمط تقسيم العمل الدولي كما هو، فالدول الصناعية لاتزال تسيطر على الاقتصاد التصنيعي، بينما لاتزال الدول النامية في معظمها، متخصصة في انتاج الخام على النحو الذي قد فرضته عليها ارادة المستعمر، وقد اعاقها قصورها الذاتي عن التحرر منه بعد خروجه.
هذه الدول، لظروف ضيق سوقها المحلّى، وعدم استعداده، لاستيعاب هذا الخام في صناعات محلّية، فقد اصبحت تعتمد على التجارة الخارجية اعتمادا كبيرا كمصدر هام من مصادر الدخل القومي، ومورد أساسي من موارد الفائض المحول لتمويل اعمال التنمية والبناء الاقتصادي.. هذا الوضع قد ترك آثارا في غاية السوء على اقتصاديات هذه الدول بصورة زادت من اعتمادها على الدول الصناعية، كما اخّر، بل اعاق، مجهوداتها لتحقيق طموحها الوطني للتحرّر الاقتصادي والسياسي الكامل.. فلقد ظل عائدها النسبي من تجارة الصادر يتدهور باستمرار، وشروط التبادل التجاري – وهي قد ظلّت كالمفروضة عليها – تسير لغير صالحها. فصادراتها تباع بأثمان منخفضة في مقابل ارتفاع اسعار وارداتها من الدول الصناعية.. ثم هي، في نفس الوقت، لا تكاد تملك طريقا لتنمية، وتطوير اقتصادياتها، وزيادة طاقاتها الانتاجية، الّا باعتمادها على عائداتها من التجارة الخارجية، وعون الدول الصناعية، في توفير المعدات والآليات الانتاجية..
هكذا فإن هذه الدول التي كانت تحت الاستعمار الغربي، ما استطاعت ان تستغني عنه اقتصاديا، وانما اعتمدت عليه اعتمادا كبيرا، وعلى النحو الذي صحّ معه القول بأن كثيرا من هذه الدول، قد نالت استقلالا اسميا دون مضمون!!