في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

المذهبية والحاجة للتجديد:


لقد فصّلنا في كاتبنا (الرسالة الثانية من الإسلام) من أمر المذهبية الإسلامية التي توفّر المساويات الثلاث: (المساواة السياسية) و(المساواة الاقتصادية) و (المساواة الاجتماعية)، وتستطيع بذلك ان توفق بين حاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة.. ونحن، حين نكلّف أنفسنا بالدعوة بإصرار، لتلك المذهبية العلمية الرشيدة، لا نرى ان الحاجة اليها هي حاجة بلادنا فقط، وانما هي حاجة العالم بأسره، شعوبا، وحكومات، وافراد..
لقد انهزمت الثورات العالمية المعاصرة، تماما، ثورة العمّال السياسية، ثورات الشباب، والطلّاب الثقافية والجنسية.. وقد دفع اليأس بعض المفكرين لكي يعلنوا عن نهاية عصر الايديولوجيات، والمذهبيات، وهم يشهدون الحركات الثورية المعاصرة – الماركسية التقليدية واليسار الجديد – وهي تتصالح وتتناغم مع المجتمع الرأسمالي الذي اعلنت الحرب ضده، فصار السباق الرهيب على التكنولوجيا الحربية، والسلمية يجد من الاهتمام أكثر مما تجده الايديولوجيا والمذهبية، وقطعت روسيا اشواطا بعيدة في العودة للسير في الخط الاقتصادي الرأسمالي، ولحقت بها الصين، وهي تنقلب ضد ثورتها الثقافية، فصارت تتودد للغرب بغرض الحصول على التكنلوجيا. وهكذا، انكفأت حركات الشباب، والطلّاب على نفسها، وهي تبحث عن خلاص في صورة جديدة، تصورته يأتي، بتجاوز العقل الموضوعي الذي أنتج الايديولوجية نفسها، فلجأت إلى المخدرات، وعقارات الهلوسة، بغرض تغييب العقل عن ذلك الواقع، واكتساب القدرة على رؤية العالم من جديد بصورة مدهشة كبديل لصورة عالم الحروب وتلوث البيئة، ومجتمع الوفرة الاستهلاكية والثورات الفاشلة!!
هذه هي صورة التحدي، التي ينبغي ان تستجيب لها المذهبية، التي نتحدث عنها، والتي قلنا انها هي (الإسلام) في مستواه العلمي. فالي أي مدى يمكن لثورة الإسلام الثقافية، والفكرية، ان تنجح فيما فشلت فيه الثورات العالمية المعاصرة؟ والي أي مدى يمكن للمذهبية الإسلامية ان تنجح فيما فشلت فيه الفلسفة الاجتماعية المعاصرة، في التوفيق بين حاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة وحاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة؟ والي أي حد يمكن للمذهبية الإسلامية الواعية أن تستنقذ العالم ومفاهيم الهوس الديني الجامح؟؟ كما إلى أي مدى يمكن للمذهبية الإسلامية ان تقدم للشباب المعاصر المنهاج الذي به يحقق السلام الداخلي، فيتم له كمال تحرّره من الجهل، والتخلّف، والخوف، والقلق، وأمراض العصر التي تفشّت؟ هذا ما ينبغي ان يكون هو شغلنا نحن المسلمين، ونحن السودانيين، فإن نحن استطعنا ان نقيم حياتنا هنا في السودان، في ضوء هذه المذهبية الإسلامية نكون قد أحرزنا (الاستقلال الحقيقي)، فتتم لنا بذلك الاصالة الفكرية التي تعطي السودان وضعا فكريا، وسياسيا واقتصاديا، واجتماعيا (مستقلّا) عن تقليد الحضارة الغربية..
هذا هو الاستقلال الذي نعمل له نحن الجمهوريين منذ عام 1945م. وقد عنيناه حين قلنا في اول كتاب لنا (السفر الأول): (ويؤمن الحزب الجمهوري، ايمانا لاحد له بالسودان.. ويعتقد انه سيصبح من الروافد التي تضيف ذخر الانسانية الوانا شهية من غذاء الروح، وغذاء الفكر، إذا آمن به ابناؤه، فلم يضيعوا خصائصه الاصيلة، ومقوماته، بالإهطاع نحو الغرب، ونحو المدنية الغربية في غير روية، ولا فكر).