في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

الرأي العام:


هذا ما كان عن صعيد القانون، والخلفيات التي تجعل القانون فعّالا في المجتمع.. هناك الصعيد الثاني الذي يؤثر تأثيرا كبيرا على كرامة المرأة واعزازها وهو أهم من القانون.. ذلك هو صعيد الرأي العام، وهو أمر لا يكفي القانون وحده في تكوينه، وانما يحتاج إلى التوعية، والترشيد، الذي تجئ به التربية.. الرأي العام يقوم على الطرف اللطيف من القوانين.. يقوم على الاخلاق المرعية، والعرف السائد، في المجتمع..
لقد كان مجتمعنا في الجاهلية الاولى يئد البنت حية، وذلك خوف العار الذي يجرّه على الاسرة سبيها، أو انحرافها، وخوف العبء الذي يقع على الاسرة من اعالتها، واعاشتها.. وجاء في ذلك توبيخ القرآن في الإسلام: (وإذا الموؤودة سئلت * بأي ذنب قتلت؟؟).. وهو توبيخ ظاهر، وبليغ.. ثم انه يقول في موضع آخر: (وإذا بشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودا وهو كظيم * يتوارى من القوم، من سوء ما بشّر به، أيمسكه على هون، ام يدسّه في التراب؟؟ الا ساء ما يحكمون!!).. هنا التوبيخ أشد، والوضوح أشد من الآية السابقة.. ولقد جاءت شريعة الرسالة الاولى متأثر بالرأي العام الجاهلي، في معنى ما أن حكمة التشريع تقتضي التدريج، والتطوير، حتى يبلغ المجتمع المراقي المرجوة له، على مكث، وفي اطّراد..
والآن!! نحن في الجاهلية الثانية ينسحب علينا ظلّ من الجاهلية الأولى، في معاملتنا لبناتنا.. فالبنت تشعر بطرق كثيرة بأنها طفل غير مرغوب فيه في الأسرة.. والولد يفضّل عليها بصورة واضحة.. أكثر من ذلك!! نحن نشجّع الولد الصغير على ان يفرض وصاية على اخته الطفلة، وان كانت أكبر منه سنّا، وأكثر منه علما.. ونحن نتهم البنت، ونخشى منها العار الذي يلحق الاسرة من تصرّفها.. ونقول عند سماعنا نبأ ميلاد الأنثى: (ربّنا يجعلها من المستورات)!! والسترة أمر مطلوب للرجال، كما هو مطلوب للنساء، وشدة حرصنا عليها من النساء يجعلنا لا نسأل عنها غيرهنّ!! ولقد ذهبنا في هذا الحرص إلى حدود ان البنت عندنا متهمة دائما.. ومن اجل ذلك مكّنا اخاها من زجرها، والتسلّط عليها، وارهابها.. ونحن نظن ان ذلك يجعلها تحفظ نفسها، ولا تفرّط في عفّتها، خوفا من اهلها، وذويها، ومنهم اخوها الذي رسّب فيها الخوف منه، والحساب منه.. ومنهم ابوها.. ولكن الوقت الآن اختلف عمّا كان عليه الأمر في سابق العهد.. فلقد كانت البنت جاهلة، وقليلة التجربة لأننا لم نكن لنعلمها، ولأنها قد كانت حبيسة الجدران.. وامّا الآن فقد اختلف الحال فيجب ان نتجه الى اكرام البنت، والي اعزازها، حتى تكون كريمة، عزيزة، مرفوعة الرأس، في جميع الاوساط التي تتحرّك فيها الآن بطلاقة، وترسّل، مثل المدارس، ومثل مجالات العمل المختلفة، في حياتنا المعاصرة خارج المنزل.
ان التميز بين البنت، وأخيها، في سن الطفولة، له سوء العواقب على تنشئتها، اذ تشعر بأنها مخلوق دون اخيها الذكر.. فهي مفروض عليها طاعته، وخدمته، في المنزل، وتوفير سبل الراحة له.. كل ذلك يجري تحت سيطرته عليها، وارهابه اياها، وبتشجيع من الأب، ومن الأم.. وهذا النوع من التربية يشعرها بالحقارة، والوضاعة، وعدم الكرامة.. وهذا شعور سيلاحقها حين تسلك في المجتمع الخارجي في الشارع، وفي المركبات العامة وفي جميع متقلّبها خارج المنزل.. فالبنت التي تتلقّى نوعا من التربية كهذه في سن طفولتها تكون مهيئة للانزلاق الخلقي في اي لحظة من حياتها، وبخاصة في سن مراهقتها اذ انها لا تتوقع اي معاملة أحسن تقوم على اساس الندّية، والمساواة.. فالبنت التي يكون عليها ان تلبّي جميع طلبات اخيها في البيت، ثم هي لا تنتظر شيئا من المعاملة الحسنة على ذلك، فإنها عندما تخرج للمجتمع وتجد بعض المعاملة، عند الرجال الاجانب، ألين، وألطف، مما وجدت في البيت، فإنها تحاول ان تكتسب، وتعوّض، ما فاتها من شعور بالإنسانية، والمساواة، مما يجعل لها تعلقّا زائدا بالجنس الآخر الاجنبي.. وهذا التعلّق قد يعبّر عن نفسه، في غالب الأمر، في صورة مبالغة في الملاطفة، والموافقة، قد تنتهي بانحراف خلقي، وعدم عفّة.. ذلك لغياب سلامة السلوك الرّصين، والعقل الناضج، الذي انعدم بانعدام التربية الدينية السليمة – وقيام الفهم الشائه الذي لا يعرف العلاقات الانسانية بين النساء والرجال.. ثم انه لأن البنت قد تربّت على طاعة عمياء فهي قد تظن ان هذا واجبها تجاه كل رجل مما يهيؤها للفهم الخاطئ الذي يترتب عليه السلوك الخاطئ..
المرأة، فيما ندعو إليه، عضو اساسي في المجتمع.. فهي تنتج، وتخدم، المجتمع في المجالات التي تناسبها.. وانتاجها، بالتقويم السليم، أشرف من اي انتاج يقدمه للمجتمع الرجل.. المرأة صنو الرجل.. في الحديث: (النساء شقائق الرجال).. للمرأة من الحقوق وعليها من الواجب، مثل ما للرجل، وما عليه.. إننا إن لم ننجب المرأة الكريمة فلا سبيل لنا إلى الكرامة، على الاطلاق.. قضية المرأة ليست ضد الرجل، وانما هي ضد الجهل والتخلّف.. قضية المرأة هي قضية الرجل..
هذا ما يجب ان ننور به الرأي العام، ونربّيه عليه، وهذا هو الدين – هذا هو الإسلام.. وهو المذهبية التي لا فكاك للعالم اجمع من اعتناقها والسير على هديها..