في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

بسم الله الرحمن الرحيم
(سيجزيهم وصفهم!! إنه حكيم عليم!!)
صدق الله العظيم..


المقدمة:


إن مطلب الحرية لهو أعزَّ مطالب الفرد البشري متى وحيث وجد، ولا يسكته احيانا عن المناداة الصريحة بهذا المطلب، الّا ما يفرض عليه من صور القهر والتسلّط والارهاب، في بعض الازمنة والامكنة، فيظل المطلب الكريم رغبة دفينة، مستكنّة في دواخل النفس..
ويأتي تعلّق الانسان بمبدأ الحرية، وحرصه على التحرّر من شتى صور القيد والاستغلال، من علاقته السابقة (بالإطلاق) الذي منه صدر، تنزلا في مراتب العلم والارادة والقدرة. ثم من قاعدة النشأة، بدأت حركة الرجعى إلى الاطلاق من جديد، مرورا بأطوار النشأة المتعاقبة، التي توجت في البشر، بنفخ الروح، ببروز العقل، الذي به نشأت إرادة الحرية التي بها تميز البشر عن سائر الخلق.. وهو لمّا يزل يكدح نحو مطلوبه (الاطلاق)..
وبذلك اصبحت الطبيعة المغروسة في النفس البشرية تسعى للتعبير عن ارادة الحرية في حياة حرّة كريمة، تتسع كل يوم، تنشد المطلق، ويبغى بها الانسان تحقيق فرديته، واستقلاله من كل عوامل الاستغلال، واسترقاق العناصر له..
والطريق الذي يحقق للإنسان رغبته الاصيلة في التحرّر من رق العناصر له، والذي يتم به خلاصه من اسر الاوهام، ومخاوف الحياة، يأتي بأن تتوحّد عبودية الفرد في العبودية للخالق، وهو تحرّر يعني التخلّص من استرقاق سائر الاحياء والاشياء، فيفضي به ذلك إلى عبودية خالصة لله، بالتسليم له كإرادة خيرة، هادية ومهتدية، فيكون التواؤم، والتصالح، مع هذه الارادة وسيلة إلى الحرية الفردية المطلقة..
ومبدأ تحقيق الحرية الفردية المطلقة كمطلب لكل فرد، لن يتم بسواه للإنسان كمال حياة الفكر وكمال حياة الشعور، وبه يصبح الانسان سيد نفسه: يفكّر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، ثم لا تكون عاقبة كل اولئك الّا خيراً، وبراً، بالأحياء والأشياء. ولا سبيل لتحقيق تلك الحرية الفردية المطلقة الّا التوسّل بالمجتمع الصالح، وكلاهما يتم وفق المذهبية الإسلامية الرشيدة التي تستطيع ان توفق بين حاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة..
لقد ظلت تلك الحاجة هي مطلب الانسان الذي سعى لتحقيقه في عمر الحياة الطويل وتطورها الوئيد، فسارت حياة المجتمعات من عرف إلى عرف، تشوبها احيانا بعض صور الانحراف والاستغلال، فتجئ التشاريع السماوية من وقت لآخر مصححة لهذه الاعراف والقيم وموجهة لتطور البشرية، حتى اكتمل بالقران ما ارادت ان تفضي به السماء من دستور، به تساس الحياة وتوجه..
واليوم، وبعد ان وصلت الحياة المعاصرة إلى درجة كبيرة من التعقيد، تطرح قضية تحقيق الحريات للمجتمعات، والافراد تحديا كبيرا للفلسفات المعاصرة والحكومات العلمانية.. ويظهر هذا التحدي من خلال عجز انظمة الحكم المختلفة عن تحقيق هذه الحريات، وهو عجز يمثله، ابلغ تمثيل، ما صار اليه العالم اليوم من انقسام واضح إلى كتلتين: الكتلة الشرقية الشيوعية، والكتلة الغربية الرأسمالية، فهما تسعيان إلى فرض هيمنتهما على بقية دول العالم، واجهاض حق شعوبها في الاستقلال السياسي والاقتصادي، وفي العيش الحر
المستقل..
هذا العجز الفاضح يجعل امر حل مشاكلنا في غير هاتين الكتلتين، وهو ما جعلنا نحن الجمهوريين، ننادي بأهمية ابراز الكتلة الثالثة، تلك التي تملك من المذهبية ما تصفّى به هاتين الكتلتين، وتحقق به استقلال الدول، وحرية الافراد داخل الدول، ولا نرى سبيلا إلى ذلك غير ما ظللنا ندعو له منذ وقت بعيد من بعث للإسلام في مستوى أصوله كمذهبية واعية مقتدرة..
وحديثنا في هذا الكتاب، في الذكرى السادسة والعشرين لاستقلال السودان، عن تاريخ الحركة الوطنية المعاصرة، والدور الذي لعبه الجمهوريون في نيل الاستقلال، لا يطرح عملا في اتجاه السرد التاريخي الاكاديمي، بالصورة التي يجري بها العمل عندنا في مناهج التاريخ الدراسية، تلك الصورة التي تضيع معالم القضية الوطنية وتشوهها، وتحول معنى الاستقلال إلى مجرّد غطاء شكلي يخرج فيه الحكّام الاجانب من البلاد، ويكون لنا فيه علم، وتمثيل سياسي، ودبلوماسي في المحافل الدولية، ولكن يجئ حديثنا في هذا الكتاب لكى يؤكد، من جديد، ما سبق ان اكّده الجمهوريون في الاربعينات بأن الاستقلال ليس هو (استبدال الانجليز في اسلاخ سودانية) وانه (قد يخرج الانجليز غدا، ثم لا نجد انفسنا احرارا، ولا مستقلين، وانما متخبطين في فوضى مالها من قرار..)..
ولذلك فإن الاستقلال الحقيقي انما يقوم، بالإضافة إلى خروج المستعمر، على فلسفة حكم تعطيه المحتوى السياسي الديمقراطي، والاقتصادي الاشتراكي، والذى، مع توفّر عنصر التربية الاخلاقية، يمكّن المواطن السوداني من تحرير نفسه من الجهل، والخوف، والتخلّف..
ان التاريخ لم يكتمل صنعه بعد، وانما هو على التحقيق يصنع الآن، وفى كل لحظة بصورة تستكمل ما كان قد بدأ في منتصف الاربعينات. وحديثنا في هذا الكتاب انما هو قنطرة تربط بين الماضي والحاضر، حتى يتضح لشعبنا ان ما نحن عليه اليوم من العمل في اتجاه الثورة الفكرية، والثورة الثقافية، وفى الدعوة إلى المذهبية الإسلامية الرشيدة، ومحاربة المؤسسة السلفية والطائفية، انما هو امتداد لتراث نضال الجمهوريين منذ الاربعينات..