في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

الباب الأول
الاستقلال السياسي للبلاد



إن الاستقلال في مفهومه الحقيقي، والعميق، لا يعني مجرّد خروج المستعمر.. وانما يشكّل خروج المستعمر، مرحلة من مراحل الاستقلال، ولا يكتمل الاستقلال الّا بعد مراحل اخرى تتبع.. فالاستقلال هو في الحقيقة الاصالة، وعدم التبعية، في مجالات الفكر والثقافة، والسياسة والاقتصاد.. فقد يخرج المستعمر، ثم تظل الدولة المعنية تابعة له، او لغيره، بصورة من الصور، تمكّن الاستعمار من تحقيق اغراضه القديمة، بصورة غير مباشرة، وفي مثل هذه الحالة، فعلى الرغم من جلاء المستعمر في الظاهر، فإن الاستقلال لم يتم.. والاستقلال يعتمد على وعي الشعوب، فبقدر وعي الشعب، وحماسه، وتضحيته، في سبيل مناهضة الاستعمار، يكون حرصه على صيانة استقلاله، بعد جلاء المستعمر، ويكون حرصه على بناء بلاده في مختلف المجالات، الثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.. ولذلك فإن الاسلوب الذي يتم به جلاء المستعمر، يلعب دورا اساسيا في تحقيق الاستقلال الذي يعقب هذا الجلاء..
فبالنسبة لبلادنا قد كانت الحركة الوطنية التي سبقت جلاء المستعمر تقوم على مفهومين، وتسير على خطين مختلفين - خط اتجه منذ البداية إلى الالتحام بالشعب، وتوعيته، واثارته ضد المستعمر، والعمل المباشر في مصادمة الاستعمار، وكشف اساليبه، وهذا الخط كان عليه الجمهوريون.. اما الخط الثاني، والذي كانت عليه جميع التنظيمات والأحزاب الاخرى، فهو لم يهتم بتوعية الشعب، ولا اثارة حماسه، بل ولم يحرص على مجرد اشراكه في العمل من اجل الاستقلال.. كما لم يتجه لمصادمة المستعمر، وانما اتخذ معه اسلوب المفاوضات، وتقديم المذكرات الهادئة.. واصحاب هذا الخط الاخير لا يرون لأنفسهم واجبا بعد خروج المستعمر، أكثر من ابقاء السلطة في ايديهم.. وقد نشط هذا الخط الاخير من البداية في كنف الطائفية، التي لجأ اليها ليلتمس عندها السند، ثم هو بعد خروج المستعمر ظلّ يعتمد على الطائفية، ويمكّن لها من رقاب الشعب، فهو لم يهتم بان تكون له مذهبية، ولم يهتم بإقامة حكم رشيد يؤمن الاستقلال، وانصرف انصرافا تامّا عن توعية الشعب وتنويره.. امّا بالنسبة إلى الجمهوريين، فإن معركة الاستقلال لم تنتهي بجلاء المستعمر، وانما هي معركة مستمرة، ولذلك هم قد ذهبوا إلى ملء فراغ الفكر، بإقامة المذهبية الرشيدة، وذهبوا إلى العمل على تربية وتوعية الشعب ولازالوا يفعلون، فمعركة الاستقلال عندهم معركة مستمرة..
ونحن في هذا الجزء من الكتاب سنسعى لإبراز هذين المفهومين من الاستقلال.. المفهوم الذي يرى في الاستقلال ليس مجرد حدثا تاريخيا وانما هو عمل مستمر، وهو لن يتم الّا بعد ان يحقق الشعب أصالته في مجالي التربية والفكر، فينعتق عن اسر الطائفية، فيصبح بذلك، مستقلا فكريا، ووجدانيا، وسياسيا، واقتصاديا..