في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

دعوة الجمهوريين للمذهبية:


لقد انشغل الجمهوريون بأمر المذهبية، والدعوة للفكر الحر، المستبصر، وذلك طوال تاريخهم.. وكانوا يرون الاستقلال هو وسيلة للحرية، فإذا افتقد هذا المعنى فلا عبرة به.. وكان مما جاء في كتابهم (السفر الأول)، الذي صدرت طبعته الأولى في 26 أكتوبر عام 1945 (نحن اليوم بسبيل حركة وطنية، تسير بالبلاد في شحوب أصيل حياة العالم هذه المدبرة، إلى فجر حياة جديدة، على هدى من الدين الإسلامي، وبرشد من الفحولة العربية، وبسبب من التكوين الشرقي.. ولسنا ندعو، اول ما ندعو، إلى شيء أكثر، ولا اقل من اعمال الفكر الحر فيما نأتي، وما ندع من امورنا.. الفكر الحر الذي يضيق بكل قيد، ويسال عن قيمة كل شيء، وفي كل شيء، فليس شيء بمفلت من البحث، وليس شيء بمفلت من التشكيك.. فلا يظنّن احد ان النهضة الدينية ممكنة بغير الفكر الحر، ولا يظنّن احد ان النهضة الاقتصادية ممكنة بغير الفكر الحر، ولا يظنّن احد ان الحياة نفسها يمكن ان تكون منتجة، وممتعة، بغير الفكر الحر!!
ان الحزب الجمهوري لا يسعى إلى الاستقلال كغاية في ذاته، وانما يطلبه لأنه وسيلة إلى الحرية، وهي التي ستكفل للفرد الجو الحر الذي يساعده على اظهار المواهب الكمينة في صدره وراسه) انتهى..
هذا ما قاله الجمهوريون حين لم يكونوا يملكون تفاصيل مذهبيتهم، وانما يرون خطوطها العريضة فقط..
وفى اوائل الخمسينات، وبعد ان امتلأ فراغ الحماس الوطني بالقدر المطلوب، وظلّت الحركة الوطنية تفتقر إلى المذهبية التي تعطي الاستقلال محتواه الإيجابي، ذهب الجمهوريون يؤكدون ضرورة الالتفاف لأمر المذهبية، فقالوا في بيان لهم في نوفمبر 1951: (ولو فرضنا جدلا أن التكتل الصناعي الذي تدعو اليه حركتنا الوطنية حول جلاء الاستعمار فحسب، استطاع ان يخرج الاستعمار، لخشينا ان يقودنا إلى حرب اهلية مستطيرة، ويجب ان يفهم جيدا ان القول بالجمعية التأسيسية التي تقرّر مصيرنا قول مضلّل..
ذلك بأننا منقسمون بين طائفتين كبيرتين بينهما عداء تاريخي، ليس لأيهما برنامج ايجابي، وانما برنامج كلتيهما الحرص على ان لا تنتصر الاخرى، لا يمكن ان يكون في مثل هذه الحالة، انتخاب حر، ولا ينتظر ان يرضى المهزوم في انتخاب مطعون فيه عن نتيجته، ولا يمكن تبعا لذلك ان يكون هناك استقرار، وانما هي الحرب الاهلية والفوضى، والفساد والنكسة.. انه لحق ان حركتنا الوطنية لا يمكن ان تحقق طائلا الّا إذا جمعت اشتات الفرق، والطوائف، والأحزاب ايضا حول الفكرة الخالدة التي جاء بها الإسلام والتي أشرت اليها اّنفا، والتي اجتمع عليها اوائلنا فحققوا العزّة والحرية والعدل.. ولن تجد سودانيا واحد يتخلّف عن دعوة تجمع بين عز الدنيا، وشرف الآخرة.) انتهى.
غير ان الأحزاب، وطوال تاريخها لم تعن بأمر الفكرة المذهبية في شيء، ولقد حدث ما توقعه الجمهوريون من فوضى وتفرقة وحرب اهلية، فكانت فتنة اول مارس 1954 كرد فعل لفشل حزب الامة في اول انتخابات سودانية، كما اشتعلت نار الحرب الأهلية في الجنوب لتستمر حوالى السبعة عشر عاما، وتنطفي، على يد نظام مايو.