في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الاستقلال

ملء فراغ الحماس عند الجمهوريين:


لقد كان الجمهوريون منذ فجر دعوتهم ينادون بالمذهبية ولا يرونها في غير الإسلام، وكانوا يقولون انّنا لا نملك الآن ملء فراغ الفكر، لأنهم لم يكونوا يملكون تفاصيل المذهبية فاتجهوا اول ما اتجهوا، لملء فراغ الحماس، حيث كان هو الواجب المباشر الذي يواجه الحركة الوطنية.. ولقد ملأه الجمهوريون فعلا بصورة ازعجت الاستعمار واقلقته.. فقد كانوا ينددون به جهرة في خطبهم بالأماكن العامة، كما اخذوا يوزّعون المنشورات التي تهاجم الانجليز بصورة اثارت الشعب، وحرّكت حماسه، ودفعت الانجليز في النهاية لمحاولة كبت الجمهوريين.. فكانوا اول من سجن في تاريخ الحركة الوطنية..
وفي داخل السجن، وخارجه، كان الجمهوريون عاملين على اثارة حماس الشعب، ومقدّمين القدوة له.. راجع كتابنا (الاستقلال جسد روحه الحرية).. وكتابنا (معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية)، الجزء الاول.
ولقد استغلّ الجمهوريون في ملء فراغ الحماس قضية الجنوب، وقانون الخفاض الفرعوني.. فقد سنّ الانجليز قانون الخفاض الفرعوني لعلمهم ان السودانيين سيعارضونه لتعلّقه بأمر العرض، والشرف، فيتسنّى لهم بذلك اظهار الشعب السوداني بمظهر الشعب الهمجي المتخلف، والذي لا يستحق الاستقلال.. ولم يفت هذا الغرض على الجمهوريين ففضحوه في بيانهم عن الخفاض الفرعوني بتاريخ 10/12/1945 والذي جاء في صلبه (ايها السودانيون، لقد جاء بياننا شارحا ما كان متنبئا بما سيكون، وسوف تقدّم لنا بعد هذا مشاريع كثيرة باسم الاصلاح ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب. قد تجوز فيها الخدعة على الكثيرين ولكن الحزب الجمهوري قد قطع على نفسه عهدا بأن يكشف القناع عن متشابهها ويحذّر من خطرها ويعمل لإزالتها ولن يخشى بعد اليوم غير الله احدا). ولقد تطورت معارضة الجمهوريين لقانون الخفاض الفرعوني حيث بدأ تطبيقه في رفاعة، بسجن سيدة سودانية، خرجت على ذلك القانون، فاستغلّوا تلك الحادثة في اشعال ثورة زلزلت جبروت الانجليز، ودفعت الحماس الوطني إلى ذروته - راجع كتابنا: (معالم على طريق تطوير الفكرة الجمهورية) الجزء الاول، وكتابنا: (الخفاض الفرعوني) -
امّا فيما يتعلق بقضية الجنوب، فقد كان واضحا منذ العشرينات مخططات الانجليز لفصل الجنوب عن الشمال، وضمّه لممتلكات بريطانيا في يوغندا وشرق افريقيا، فأصدرت الحكومة قوانين المناطق المقفولة، بغرض ابعاد الشماليين من جنوب السودان. ومع بروز الحركة الوطنية ارتفعت قضية الجنوب في الجو السياسي. وفى وسط هذا المناخ صدر بيان الجمهوريين الاول عن مشكلة الجنوب، والذي نقتطف منه الآتي: -
(هذا بيان الحزب الجمهوري للناس، وهو نذير من النذر الاولى، ستليه اخر، ترمى بالشرر وتضطرم بالنار، وتتنزّى بالدم. فإن مسألة الجنوب لا يمكن الصبر عليها، او الصبر عنها، وان الانجليز ليبيتون له امرا).. (ايها السودانيون لماذا يقفل الجنوب في وجه الشمال وتفتح ابوابه لكل دخيل جشع ونازح افّاق؟).. (ولماذا تطأطئون رؤوسكم إلى الابد والله لا ينهاكم عن الذين اخرجوكم من دياركم - لماذا؟ - أحُبّا في السلامة، ام عزوفا عن الكرامة، ام زهدا في الاوطان، ام لأن للإنجليز ربّا قويا ولكم رب ضعيف؟) (ولكن الحزب الجمهوري الذي يسعى إلى تحقيق وحدة السودان اولا وقبل كل شيء يقف اليوم امام صخرة الجنوب، وقد عقد النية على ازالتها عن طريق الوحدة)..
هذه نماذج لما قام به الجمهوريون في ملء فراغ الحماس، بصورة تجاوب معها المواطنون، واضطرّت الانجليز لمحاولة كبتها فطلبوا من الاستاذ محمود ان يصمت عن معارضة الحكومة وان يمضي تعهدا بذلك لمدة عام ولمّا رفض الاستاذ محمود امضاء هذا التعهد أخبروه بأنه ان لم يفعل فسيمضي هذه السنة في السجن وفعلا قد أرسل للسجن لمّا بدا منه الاصرار على عدم امضاء هذا التعهد.. وفى السجن كان الاستاذ محمود يرفض اطاعة اوامر السجن ويرفض القيام لمدير السجن الإنجليزي ممّا اضطرّهم لفرض عقوبات عليه مما جعل حركة المقاومة متصاعدة داخل السجن منه، وخارج السجن من جميع الجمهوريين، وبدأ حماس المواطنين يتزايد مما اضطر حكومة الانجليز لإطلاق سراحه بعد خمسين يوما فقط، وكان ذلك بتدخل الحاكم العام لاستعمال حقه في العفو، وذلك اسكاتا للحماس الوطني بعد مواجهة شديدة لهم من قبل المواطنين والجمهوريين، اتخذت شتى صور الاحتجاجات من بيانات ومنشورات وعرائض احتجاج.. كما انهم قاموا بسجن الاستاذ محمود محمد طه لمدة عامين بعد احداث ثورة رفاعة المشهورة وقد كان ذلك بعد سجن الخمسين يوما بزمن بسيط لا يكاد يتجاوز الشهرين.. وفى هذه المرّة عاود الاستاذ محمود المقاومة من داخل السجن وذلك بمخالفة قوانين السجن، وبرفض القيام للمدير الإنجليزي..
كما صدرت احكام بالسجن لفترات مختلفة على بعض الجمهوريين وعلى بعض المواطنين، وهي بذلك تشير إلى تجاوب الجمهور والتهاب حماسه الوطني، كذلك اغلقت أندية الخرّيجين في مدني، والاندية الرياضية احتجاجا على سوء المعاملة التي يلقاها الاستاذ محمود في سجنه، وتوالت برقيات الجمهوريين والمواطنين على السلطات بالاحتجاج (راجع جريدة الرأي العام 24/10/1946).
لقد كان تقصير الأحزاب عن ملء فراغ الحماس الوطني واضحا، بصورة حملت جريدة (الرأي العام) بعد احداث ثورة رفاعة ان تخاطبها في عدد 28/10/1946 بقولها:
(جدّى أيتها الأحزاب كما يجد الجمهوريون وإن اختلفت معهم في الوسائل).
لقد بدا للأحزاب الاتحادية اخيرا، ان تملأ فراغ الحماس، بعد ان مست تطلّعاتها للاتحاد مع مصر، بمحاولات الانجليز انشاء (الجمعية التشريعية) عام 1948، فقاطعتها جميع الأحزاب، ماعدا حزب الامة الذي رأى فيها خطوة نحو الحكم الذاتي.. وفى معارضة انتخابات الجمعية التشريعية، قامت هذه الأحزاب بتنظيم المظاهرات التي قمعتها الحكومة، فاعتقل بعض الساسة كالسادة اسماعيل الأزهري، ومحمد نور الدين، وحمّاد توفيق، واحمد خير، وسقط في المظاهرات المعادية للإنجليز بعض الشهداء في عطبرة وبورتسودان..