في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

"الإختلاط" بين الشريعة والدين

بسم الله الرحمن الرحيم
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا)
صدق الله العظيم


مقدمة


إن الإسلام، فى أصوله، لا فى فروعه، يدعو الى تمام الحرية.. حرية الأفراد من رجال ونساء.. ولكن الحرية عنده حق يقابله واجب وهو حسن التصرف فيها، كما أن لها ثمنا، وهو دوام سهر كل فرد عليها.. والإسلام، فى أصوله أيضا، يدعو الى المساواة التامة بين النساء والرجال فى الحقوق والواجبات..
وما يهمنا فى هذا المجال هو، فى المكان الأول، الحديث عن واجبات المرأة.. فوفاء بوعدنا فى منشورنا الثالث عن واجبات المرأة سيتناول هذا المنشور موضوع الإختلاط. وما هي الواجبات التى ينبغى على المرأة القيام بها حتى يجيء المجتمع المختلط المبرأ من آفات السلوك ومعايب الأخلاق..
الحجاب: إن الحديث عن الإختلاط يقتضي، فى البداية، الحديث عن الحجاب.. فالحجاب فى الشريعة يعني أن تظل المرأة فى بيتها فلا تخرج الاّ للضرورة.. وعليها، إذا خرجت، أن تخرج محتشمة فلا يظهر منها الاّ وجهها وكفتا يديها.. والضرورة فى الشريعة تعنى الاّ يكون للمرأة عائل يعولها وأطفالها.. فلها حينئذ الخروج لتكتسب لهم رزقهم.. والضرورة بهذا التعريف لا يدخل تحتها خروج الفتيات لتحصيل التعليم المدنى الذى نعرفه الآن.. كما يقول بذلك دعاة الفكر السلفي، دونما ورع ولا حياء، محتجين بأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.. فالعلم المقصود فى هذا الحديث إنما هو العلم الذى لا تصح العبادة الاّ به.. هذا هو المقصود وليس المقصود خروج الفتاة لتتعلم الطب أو القانون مثلا..
والحجاب، بصورته السالفة، هذه منصوص عليه فى الشريعة، فى فروع القرآن – الآيات المدنية – قال تعالي: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) ففى هذه الآية دلالة واضحة على أمر النساء بالإحتجاب.. وفى الحديث أيضا: (عن أم سلمة رضى الله عنها أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة - وفى رواية "عائشة" رضى الله عنها - قالت: فبينما نحن عنده أقبل إبن مكتوم فدخل عليه وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إحتجبا منه. فقالتا: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟) والحديث الذى رواه أبوداؤد عن أبي أسيد يدل دلالة واضحة على قيام الحجاب فى الشريعة وعزل النساء عن الرجال – قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من المسجد وقد إختلط الرجال بالنساء "إستأخرن فليس لكنّ أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق" فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى أن ثوبها يتعلق بالجدار من لصوقها به)..
وقد كانت السيدة عائشة التى قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم (خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء) تعلم الرجال من وراء حجاب.. والى ذلك تشير الآية الكريمة (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)
هذا هو رأى الشريعة فى الحجاب.. وهو رأى صريح لا فرصة للجدال فيه.. ولكن هل هذا هو رأى الدين الأخير فى الحجاب؟؟
هنا ينبغى الإشارة الى التفريق بين الشريعة والدين.. فإن الفهم السائد عندنا الآن أن الدين هو الشريعة وأن الشريعة هي الدين.. وحقيقة الأمر أن الشريعة هي طرف الدين الذى تنزل لمجتمع القرن السابع لينظمه.. فهى من ثم قانون ذلك المجتمع الذى يناسب حاجته – وهى بذلك ليست الدين كله وإنما هي طرف منه.. وتقوم الشريعة على الآيات المدنية – فروع القرآن – وهى الآيات الناسخة للآيات المكية – وهى أصول القرآن.. ولتوضيح هذا الأمر نجد الإختلاط مثلا، محرما فى الشريعة ولكنه مطلوب فى الدين حين يجىء وقته.. والآية التى صدرنا بها هذا المنشور تدل دلالة واضحة على أن الإختلاط هو الأصل.. ولكن عندما وقع العجز عن القيام بمسئولية الإختلاط وواجباته صودرت حرية ذلك المجتمع فجاء إنعزال النساء عن الرجال (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا).. "الفاحشة" هنا هي ما دون الزنا والاّ فعقوبة الزنا معلومة.. "فأمسكوهن فى البيوت" عقوبة على سوء التصرف فى حرية السفور، وهو حجر عليها.. فالإسلام غرضه الحرية، وغرضه أن يكون المجتمع مجتمعا مختلطا ثم هو مجتمع مبرأ من آفات السلوك وعيوبها.. لأنه إنما يرمى لتربية الأفراد، فى المقام الأول، فيكون المجتمع كله – نساؤه ورجاله – عفيفا عفة قائمة فى الصدور، وليست مفروضة عليه بعزل نسائه عن رجاله..