((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




أسس دستور السودان

الباب الثاني - أهداف ودستور الحزب الجمهوري

الباب الثاني
أهداف ودستور الحزب الجمهوري
مقدمة


تحت إسم "أسس دستور السودان" الذي هو عنوان هذا السفر ننشر، في هذا المكان ثلاثة ملاحق: الملحق الأول هو دستور الحزب الجمهوري عند قيامه لأول مرة، وذلك في أكتوبر عام 1945 والملحق الثاني هو دستور الحزب الجمهوري لدي هبته في أكتوبر عام 1951، وكان قد تعطل نشاطه أثناء سجن رئيسه بين عامي 1946-1948، ثم أثناء إعتكافه برفاعة بين عامي 1948-1951 أو كاد..
وأما الملحق الثالث فهو دستور الحزب الجمهوري الحاضر وغرضنا من هذا النشر، وبهذه الصورة أن يرى القراء تطور الفكرة الجمهورية في هذه الفترة وكيف أن جوهر الفكرة ظل ثابتا على هذا المدى،، ثم كيف أن روح أكتوبر موجودة في دستور 1951.
ونحن إنما نشرنا دستور الحزب الجمهوري ضمن "أسس دستور السودان" لأن الإختلاف بين الدستورين إنما هو إختلاف مقدار.. فالحزب الآن يطبق دستوره في مجتمعه الصغير- الأعضاء- وهو سيطبق دستوره "أسس دستور السودان" في مجتمعه الكبير – الشعب السوداني- حين يملك سلطة التطبيق، على هذا المستوى.

أهداف الحزب الجمهوري:


"*" إن غاية الحزب الجمهوري هي انجاب الفرد البشري الحر وهو عندنا الفرد الذي يفكر كما، يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، ثم لا تكون نتيجة قوله أو فعله إلا الخير ، والبر، بالأحياء، والأشياء..
"*" للتوسع في إنجاب الأفراد الأحرار لا بد من قيام المجتمع الصالح، وهو عندنا المجتمع الذي يقوم على ثلاث مساويات: المساواة الإقتصادية، وتبدأ بالإشتراكية حيث يكون للفقير حق، لا صدقة، ثم تتطور نحو الشيوعية، حيث تشيع الخيرات بين الناس، بغير تمييز.. والمساواة السياسية وتبدأ بالديمقراطية النيابية، شبه المباشرة، ثم تتطور كل حين وبكل سبيل، نحو الديمقراطية المباشرة.. والمساواة الإجتماعية حيث تمحي فوارق الطبقة، واللون، والعنصر، والعقيدة..
"*" هذا المجتمع دستوره الدستور الإسلامي - ونحب ان ننبه إلى أن كلمة إسلامي هنا تعني ما يعنيه الجمهوريون، لا الدعاة السلفيون - وذلك لأن الدستور، في هذا المستوى، يملك القدرة على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الإجتماعية الشاملة. ولقد عجزت كل الفلسفات الإجتماعيات عن هذا التوفيق، وبغير هذا التوفيق لا يمكن الجمع بين المساويات الثلاث التي سلفت الإشارة إليها، بل أنه لا يمكن حتى الجمع بين الإشتراكية والديمقراطية في جهاز إداري واحد.
"*" ولكن الدستور الإسلامي بهذا المعنى - دستور القرآن- لا يمكن أن يتحقق في المجتمع إلا إذا تحقق لدي طائفة صالحة من الأفراد، ولذلك فإن أعضاء الحزب الجمهوري يمارسون تطبيق دستور القرآن على أنفسهم عبادة بالليل، وبالنهار، ثم ترجمة لهذه العبادة إلى معاملة.. معاملة للخلق، ومعاملة للخالق، على قدم الصدق والإخلاص - وغرضهم من ذلك، إلى جانب إعادة تربية أنفسهم، أن يخلقوا النموذج الإسلامي السليم، الذي يغري الآخرين بسجاحة خلقه، ورجاحة عقله ليتأسوا به، وينتسبوا إليه - فالدعوة بلسان الحال مقدمة على الدعوة بلسان المقال، ففي حديث قدسي قال تعالي لروحه (يا عيسي! عظ نفسك، فإن إتعظت فعظ الناس، وإلا فأستحي مني)
"*" لكي نخلق النموذج الذي يجسد الشمائل الإسلامية، وهي شمائل الإنسانية الراقية، فإن الجمهوريين يقلدون محمدا، ويحاولون أن يسلكوا طريقه، وقد أخرج الحزب الجمهوري كتيب "طريق محمد" ودعا الناس إليه، وطريق محمد غير شريعة محمد.. طريقته سنته، وسنته أرقي من شريعته، وليس في تفكير الجمهوريين مثالية، فإن المثالية فكر عاجز عن العمل، ولكن الجمهوريين يقرنون العلم بالعمل.. وهذا هو النهج الإسلامي، والقاعدة في ذلك قوله تعالي ((إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه)) وقوله تعالي ((يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون؟ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)) وقول المعصوم ((من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم))
فالإسلام علم، وعمل بمقتضى العلم.. ويبدأ العلم بعلم الشريعة الذي لا يصح العمل- العبادة- إلا به، ثم تكون العبادة، ثم تنعكس العبادة في المعاملة، فتكون النتيجة سلامة في القلب من سخائم الأحقاد والضغائن، وصفاء في العقل من أوضار الجهالات والأباطيل.. ثم يرتفع العلم من علم الشريعة إلى علم الحقيقة، وهي حقيقة النفس البشرية. ويكون العمل هنا حسن معاملة للناس، وتخلقا بمعالي الأخلاق.. قال المعصوم ((تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على سراط مستقيم)).
"*" بخلق النموذج الجمهوري، وهذا يعني المسلم الصحيح الإسلام، المسلم ذا القلب السليم، والذهن الصافي، وبإشاعة هذا النموذج في الناس، فإن القدرة ستمكن الجمهوريين من تطبيق دستور القرآن على المجتمع السوداني وبذلك تجيء جمهورية السودان نموذجا صالحا للدول، كما يحاول اليوم الفرد الجمهوري أن يخلق من نفسه نموذجا صالحا للأفراد.. إن الدعوة إلى الإسلام منذ اليوم لن تكون على نحو ما كانت في الماضي فإنه لا إكراه ولا وصاية في عالم اليوم، فالفرد الذي يريد أن يدعو إلى الإسلام عليه أن يبدأ بنفسه فيطبق عليها دستور القرآن ويأخذها بأخلاق القرآن حتى تصبح نموذجا يغري وقدوة تُطلب، وقل مثل هذه للدولة التي تريد أن تدعو إلى الإسلام.. فالفرد الصالح نموذج يدعو الأفراد إلى الإسلام بلسان حاله، قبل لسان مقاله.. والدولة الصالحة نموذج يدعو الدول إلى الإسلام بلسان حاله قبل لسان مقاله.. فإن الله تبارك وتعالي يقول ((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)) وتعني بيّنوا الرشد، بأن تجسدوه في شمائلكم، وأخلاقكم، ثم بيّنوه بعد ذلك بأن تفصلوه في أقوالكم وأعمالكم.
إن البشرية كلها تحتاج الإسلام.. والمسلمين في طليعة من يحتاجه، ولا سبيل إلى الدعوة إليه غير هذا السبيل القويم..
هذه نبذة موجزة عن أهداف الحزب الجمهوري، وتفاصيلها وردت في كتب الحزب الجمهوري المختلفة فلتلتمس في مظانها، وعلي الله قصد السبيل..