((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




أسس دستور السودان

خاتمة

خاتمة


يتضح من كل هذا، أننا بدستورنا الذي أوجزنا أسسه آنفا نختار لجمهوريتنا النظام الرئاسي ولدولتنا الاتحاد المركزي وذلك لاننا بهذا الوضع نيسر نهوض بلادنا بسرعة وتركيز، فإن النظام الرئاسي، في مثل طورنا الحاضر، انسب ما يكون لنا لما يهيئ من ادارة حازمة، سريعة البت في الأمور الى جانب ما يكفل من ضمانات لتلك الادارة، لتكون ممحصة ورشيدة وديمقراطية، ثم اننا نعتبر النظام الرئاسي نظاما مرحليا يعد الشعب لممارسة النظام الاكثر ديمقراطية وهو النظام البرلماني الذي يكون توزيع السلطات فيه اكثر شمولا مما هو في النظام الرئاسي. فكأن النظام الرئاسي عندنا نظام وصاية، ولكنه اقرب نظم الوصاية الى الديمقراطية، بل هو في الحقيقة ديمقراطي تماما..
واما الاتحاد المركزي فإنه، زيادة على انه تنظيم لمجتمعنا الصغير – السودان – على نفس الاسس التي يمكن أن يقوم عليها تنظيم مجتمعنا الكبير – العالم – وهو ما دعونا إليه في ديباجة دستورنا، يناسبنا من حيث حاجاتنا الحاضرة كل المناسبة، وذلك لانه يوفق بين مزايا الوحدة الوطنية المنشودة، ومزايا الاستقلال الذاتي المحلي، فيضمن وحدة التشريع في المسائل الهامة، التي يحسن أن يكون التشريع فيها موحدا لجميع الدولة، ويسمح في الوقت نفسه بايجاد تشريعات خاصة محلية، في المسائل التي تقضي المصلحة المحلية بأن يكون لكل بقعة تشريعها الخاص، طبقا لمصالحها المتميزة عن مصالح البقاع الأخرى، فإن هذا أدعى أن يرقى أقاليمنا المتخلفة – وكلها متخلفة – بسرعة وتركيز، ثم إن الاتحاد المركزي بما يستدعى من توزيع السلطات بين الهيئة المركزية وحكومات الولايات والمقاطعات والمدن والقرى يصبح أدنى أن يحول دون استبداد السلطة الواحدة الممركزة المتمتعة بالسلطان الكامل على جميع اجزاء الدولة، وفى هذا وضع للسيادة في الشعب، هو في ذاته خليق أن ينهض بالمواطنين ويصحح رأيهم في مقدرتهم وفى قيمتهم الذاتية. وبغير هذا التصحيح لن تبرز شخصية الشعب، ولن يتكون الرأى العام القوى المستنير، زيادة على أن هذا النظام، بما يضع أمور المواطنين في الولايات والمقاطعات والمدن والقرى في أيديهم يحفز الافراد على الاستزادة من الثقافة العامة ويبعث فيهم روح الاهتمام بالمسائل العامة، كما انة يؤدى الى تحسين الادارة ودقة سير دولابها، وهو أيضا، بما يوفق بين عاطفتي الاتحاد والاستقلال لدى الولايات يحل الثقة بين المواطنين محل الشك ويسير باجزاء القطر بسرعة نحو التقدم ونحو توثيق العلاقات، ونحو تقوية الاتحاد.
وقد يظن أناس أن هذا الدستور لايناسب حالة البلاد المتأخرة الحاضرة وأن تقسيمها الى ولايات تتمتع بالحكم الذاتى سيضعفها، ولكن يجب الا يغيب عن الذهن: اننا في بادئ امرنا ندعو الى مركزية قوية تعطي الولايات من الحكم الذاتي القدر اليسير الذي تطيقه، من غير أن تضعف المركزية أو يتعرض الأمن الداخلي في البلاد إلى ما يهدده، ثم تسير بالولايات إلى حيث تصبح أهلا لتولي الحكم الذاتي الكامل، واضعة في ذهنها دائما، أن أسرع وسيلة لتعليم الشعب، هي أتاحة الفرصة له ليتعلم من أخطائه في معالجة مشاكله، وفي ممارسته الحرية، لأن الحرية لا تعلم إلا بممارستها، ومباشرتها، ثم أنه يجب ألا يغيب عنا أن بلادنا عرفت اللامركزية دائما غير أن اللامركزية فيها كانت قائمة على أسس قبلية لا على أسس ديمقراطية، كالتي ندعو إليها نحن الآن. ويجب ألا يصحب طور الإنشاء إلا أقل قدر من الإنحلال، مما قد يكون طبيعيا في مثل هذه الحالات، ولكن لا يمكن التساهل بأي حال من الأحوال، ولأي إعتبار من الإعتبارات، في مسألة الأمن العام في سائر أنحاء البلاد، ولذلك فستكون قوات البوليس مركزية إلى زمن قد يطول في حق بعض الولايات حتى تتأهل لمباشرة إدارتها من غير أن يتعرض الأمن فيها إلى أي هزة من جراء تلك الممارسة.
أما بعد فإن هذه هي الأسس التي ستقوم عليها الصياغة القانونية الفنية للدستور الذي نريد، وقد يبدو لدي النظرة العجلى أنه دستور طموح فضفاض، والحق غير ذلك، فإنه دستور عملي، يبدأ بالبداية التي هي وضعنا الراهن، ويختط النهاية التي هي غاية السودانيين وغاية الإنسانية في وقت معا، ثم يرسم خط السير بين البداية والنهاية رسما واعيا، لأنه لا يريد أن يترك التطور يسير على هينته، من غير تدبير وتقدير يوجهانه ويحفزانه، فإن الحياة أقصر من أن تنفق في محاولة لا تتسم بالحذق والذكاء في التقدير والتدبير، ونحن نتقدم بهذا الدستور لأمتنا، ونرجو أن يوفقنا الله إلى تطبيقه وتحقيقه، وعلي الله قصد السبيل.