((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




أسس دستور السودان

الفصل الثالث: الشعب السوداني

الفصل الثالث
الشعب السوداني


الشعب السوداني هو مجموع الرجال والنساء والأطفال الذين يقطنون السودان، والسيادة ملك لهم، ولقد قلنا إن نظامنا الديمقراطي سيكون وسيلة لتحقيق هذه السيادة للشعب، ولذلك فإنا ندعو من الوهلة الأولى إلى الديمقراطية الشعبية، ونعرفها انها حكم الشعب بواسطة الشعب، لمصلحة الشعب ونقدر أن تحقيقها أمر عسير لأنه يقتضي شرطين: الأول أن تصدر القرارات الخاصة بادارة شؤون الدولة باجماع أفرادها، والثاني أن يشترك جميع أفراد الشعب في مباشرة السيادة داخل الدولة، حتى يكون الحكام هم المحكومين. ومع أن هذين الشرطين يستحيل تحقيقهما في الحيز العملي، إلا أننا نستطيع بالديمقراطية النيابية، فالديمقراطية شبه المباشرة، فالديمقراطية المباشرة أن نقترب منها دائما. والحق، أننا نحن السودانييين سنبدأ من أول السلم وليس بذلك من بأس إذا ما أطردت خطوات تطورنا إلى أعلى السلم اطرادا واعيا ومرسوما، ونعني بأول السلم الديمقراطية النيابية. هذا، ويحسن بنا أن نعرف، أن الديمقراطية النيابية، باعتبارها الحكومة التي فيها أغلبية النواب داخل البرلمان تمثل أغلبية أفراد الشعب، وأعضاء البرلمان في مجموعتهم يمثلون الشعب في مجموعته، غير محققة أيضا في الحيز العملي، وذلك لسببين: أحدهما أن جميع أفراد الشعب لا يشتركون في الانتخاب، كالاطفال والشبان الذين لم يبلغوا الثامنة عشرة من أعمارهم، وغيرهم، وثانيهما أن البرلمان قد يحوي أغلبية برلمانية جاء بها ناخبون هم في الحقيقة أقلية بالنسبة لمجموع الناخبين. يضاف إلى هذا أو ذاك ان اجتماعات أعضاء البرلمان تعتبر صحيحة، في أغلب الأحوال، إذا حضرت الجلسة الأغلبية المطلقة لمجموع أعضاء المجلس، وتعتبر القرارات في أحوال كثيرة صحيحة، قانونا، إذا ما أقرها نصف الأعضاء الحاضرين بزيادة عضو واحد، ولكن عزاءنا أننا حين نبدأ بهذه الديمقراطية النيابية، حتى في مستواها الأدنى حيث تكون انتخابات بعض النواب غير مباشرة، ((إذا كان لا بد من ذلك)) هو أن هذه البداية انما هي خطوة أولى في سبيل تحقيق الديمقراطية المباشرة، التي لن يتعلق همنا في المستوى الجماعي بشيء سواها. ذلك بأن فيها، وحدها، الضمان التام لاحترام الحرية الفردية، وحسبك أن الفرد فيها حين يخضع للحكومة، انما يخضع، في الحقيقة، للقوانين والقرارات التي سبق أن سنها وأقرها هو بنفسه. وسيتحقق الاجماع الذي لا تكون الديمقراطية مباشرة إلا به، كلما نشر التعليم الصحيح والثقافة السياسية الأصيلة، حتى يقوي تفكير المواطنين ويستقيم، ويصبح في كبريات القضايا قريبا من قريب. هذا، وأقل ما نبدأ به الآن، هو إلا يكون نظامنا الاجتماعي متعارضا إلا مع ارادة الأقلية وستقل هذه الأقلية كلما اطرد تقدمنا حتى نفضي إلى الاجماع، على أن الأقلية حيث وجدت، وبأي حجم وجدت، لها كامل الحق والحرية في المعارضة بالاساليب الديمقراطية.
ويجب أن نعلم أنه مهما كان شعبنا السوداني متأخرا في بعض جهات البلاد، فإنه ليس لدينا سبيل لتربيته إلا باعطائه فرصة التجربة كاملة، حتى يتعلم بالممارسة المباشرة لادارة شؤونه، فيجب أن نعترف له بكامل حقه في الرقابة على أعمال الحكام والنواب، حتى ليحق له أن يستدعي نوابه ليحاسبهم على نيابتهم عنه، أو ينهي عضويتهم في المجلس النيابي، ويرسل غيرهم ليقوموا بشرف النيابة عنه وله أن يحل البرلمان قبل نهاية الفصل التشريعي، وليس لأي جهة عداه هذا الحق، وهو يمارس حقه هذا، في أول الأمر، بواسطة مجالس الولايات التشريعية، فاذا ما صوتت ثلاثة مجالس مطالبة بحل البرلمان أصدر الرئيس أمره بحل البرلمان، على ان ينتخب البرلمان الجديد في ظرف ثلاثة شهور على الأكثر، وعندما يتقدم الشعب يمارس حقه في حل البرلمان بالاستفتاء العام، وينص الدستور على الاجرآءات التي تتبع في ذلك.
ويحق للشعب أن يراقب أعمال الموظفين، وأن يعدل الدستور، بالاستفتاء العام او بواسطة نوابه في البرلمان، ويحق له أن يقترح القوانين ويتضمن الدستور اجراءات ذلك، كما يحق له أن يناقش القوانين التي يصدرها البرلمان من حيث دستوريتها، او من حيث تأتيها للحكمة المرجوة وراء التشريع، وتكون رقابة الشعب: أما على اعمال الحكام الخاضعة لتقديرهم الخاص، والتي لاتخضع لقواعد قانون محددة، لأن الحكام يتمتعون بحرية واسعة في اختيار وسائل تنفيذ أعمالهم، أو اوقات مباشرة تنفيذها، أو تكون رقابته على أعمال الحكام التي يخضعون في تنفيذها لقيود قوانين معينة، وضعت قبل القيام بتلك الأعمال.
وهناك أمر حساس ودقيق في اعمال الحكام، وهو القضاء، ومع أنا نحب أن نعطي الشعب حق مراقبة القضاء غير أنا يجب أن نحتاط في باديء الأمر حتى لا يكون استعمال هذا الحق بطريقة تتدخل مع استقلال هذا الجهاز الهام، ولذلك فإنا نرى أن مناقشة الشعب للمسائل المعروضة على القضاء يجب إلا تكون إلا بعد أن يقول القضاء كلمته فيها. ثم ان اعتراض الشعب على كلمة القضاء يجب إلا يتعدى رفع وجهة نظر المعترضين لرئيس القضاء، الذي سيعلن رأيه في اعتراضهم، ويكون رأيه في ذلك الرأى الفيصل، ومراقبة الشعب لأعمال القضاء لا تتعدي في البداية بحث ما إذا كان الحكم الصادر موافقا لقواعد قانونية محددة، وموضوعة، أم لا، وعندما يترقي الشعب، ويستنير الرأى العام، يمكنه أن يراقب القضاء من حيث حكمة الاجراء، وهل يؤدي إلى غاية هي في آن معا لمصلحة الفرد، ومصلحة الجماعة، أم لا؟ وليكون للرقابة القضائية ما يرجى منها من تثقيف الرأى العام، يعهد للقضاء بالبحث في دستورية القوانين، ويكون هذا مقررا للقاضي العادي، كما يكون بواسطة محكمة خاصة تسمي محكمة العدل الدستورية، على أن هذه الرقابة لها ما يبررها من ناحية أخرى هامة، هي احترام حقوق الأفراد، وحمايتها من تعسف المشرع، ثم أن رقابة الرأى العام على أعمال الحكام لا يكون لها أثرها الفعال في حماية الأفراد وتوفير الحرية الفردية إلا إذا ما نظم القضاء الاداري بحيث يمكن أن يختصم الأفراد اليه، ضد تصرفات الحكام وما يقع من أعمال الادارة الضارة بحقوقهم وحرياتهم، مما يكون مخالفا للقانون.
ولتكون للرأى العام الرقابة لا بد من العلانية في جميع اعمال الحكام في أجهزة الحكم، وبغير هذه العلانية تتعطل الرقابة، ويبطل القول بقيام النظام الديمقراطي في البلاد، ذلك بأن العلانية، فوق أنها ضرورية لتنوير الرأى العام، هي أيضا ضرورية لمجرد تحقيق الحكم الديمقراطي، الذي لا يقوم البتة إلا حيث يراقب الرأى العام المستنير الحكام، ويرغمهم على أن يسيروا وفقا للقانون، وفي الحق أن الحكام بهذه العلانية يرغمون الأفراد أيضا على أن يطلعوا ويهتموا بشؤونهم، فيتثقفوا ثقافة عامة جيدة هي وحدها التي تعدهم لحسن استعمال ورقة الانتخاب، التي هي القوة الاساسية في دعائم الحكم الديمقراطي، ثم أنه لا يكفي تقرىر مبدأ العلانية هذا إلا إذا نظمت وسائلها، كالصحافة، والاجتماعات، والاندية الثقافية، والراديو، والسينما، والمسرح والتلفزيون الخ الخ حتى يتم علم الأفراد بأعمال الحكام وهي لا تزال في طور التكوين، فيشتركوا في تحضيرها بما يبدونه من ملاحظات، وما يعلنونه من تأييد، أو معارضة قد ترشد الحكام إلى ما ينبغي أن يفعلوا، وتبصرهم فيما إذا كانوا يعملون وفق ارادة الرأى العام أم ضدها.
ان هذه الحقوق قد تبدو كثيرة على شعب بدائي كالشعب السوداني، وخاصة في اقاليمه، ولكن ليس هناك على الإطلاق سبيل صحيح لترقية أي شعب إلا بوضعه أمام مشاكله واعطائه الفرصة ليتعلم من أخطائه، على أن تنظم جميع أجهزة الحكومة بشكل يعينه في هذا الاتجاه، فالمشرع، والقاضي، والاداري والبوليس، جميعهم يجب أن يعملوا في العلن، وأن يكونوا واضحين، وأن يستهدفوا تنوير الشعب وترقيته، وأن يبتعدوا عن كبته واذلاله. والتشريع، بشكل خاص، يجب أن يكون واعيا وحكيما، وأن يقوم على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة، والا يضحي بأيتهما في سبيل الأخري، هذا، وهناك حق، كثيرا ما أريد به باطل، وهو أن الشعب البدائي يحتاج إلى تربية قبل أن يستحق ممارسة السيادة، وهذا تسويغ للحكم المطلق، ووجه الحق أن الشعوب تحتاج إلى تربية، بيد أن الحكم المطلق لا يربيها تربية الأحرار، وانما يربيها تربية العبيد، وهو بذلك لا يعدها للديمقراطية، وانما يعدها للاذعان والانقياد، ونحب أن ننبه إلى الخطر الماحق المترتب على هذا الاتجاه، ونحب أيضا أن نؤكد أنه ليس هناك طريق لتربية أي شعب تربية حرة إلا بوضعه أمام مشاكله، ومحاولة إعانته على تفهمها، والتفطن إلى طرائق حلها بنفسه، حتى يطرد تقدمه إلى تحقيق الديمقراطية المباشرة.