((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




أسس دستور السودان

الفصل السادس

الفصل السادس
الهيئة التشريعية


عندنا ان الهيئة التشريعية هي العمود الفقري للهيكل الحكومي، وهي أهم من السلطتين الأخريين بكثير، ذلك بأننا نعتبر القانون فوق كل السلطات، وفوق الشعب نفسه، وما السلطتان الأخريان الا سلطتين تنفيذيتين، مهمتهما تطبيق القانون الذي تسنه الهيئة التشريعية، على أننا يجب ان نكون مفهومين فانا لا نعتبر كل تشريع تسنه الهيئة التشريعية قانونا، وانما القانون عندنا شيء قائم بذاته، ومستقل بوجوده عن وجود العقل البشري، وما القوانين الوضعية الا محاولة لمضاهاة هذا القانون المستقل، والهيئة التشريعية التي نعنيها نحن هي الهيئة التي يجيء تشريعها الوضعي مضاهيا ومستقيما مع القانون الاساسي، وسنتخذ دستورنا بحيث يوجه تشريع هيئتنا هذه الوجهة، وسنقيم من السلطات القضائية التي تنظر في دستورية القوانين ما يضمن لنا استقامة تشريع هيئتنا مع القانون الاساسي، ولقد قلنا عند حديثنا عن السيادة: أن الشعب هو صاحب السيادة، ولكنه لا يستمد حقه هذا من مجرد وجوده، وانما يستمده من انطباعه على القانون، وفهمه اياه وامتثاله له، فالشعب لا يستحق السيادة الا اذا كان قائما بتنفيذ ما يرضي الله، وهو لا يكون كذلك الا بالتربية، ولا يتربي الشعب الا بالاساليب الديمقراطية التي تضعه امام مشاكله وتتيح له فرصة تحمل مسئوليات حكم نفسه، ثم تعينه بكل وسائل الاعانة: الجماعية، والفردية، فيتربي أبناؤه على القانون، فينشأ عنهم رأي عام، أو ارادة عامة، تكون لفرط انطباعها على القانون، هي في ذاتها القانون: فان مثل هذا الرأي العام هو صاحب السيادة الكاملة ولأهمية هذه المسألة نحب ان نتوسع قليلا فيما نعني بالدستور الذي نقيد به تشريعنا، وما نعني بالقانون المستقل بوجوده عن وجود العقل البشري، حتى نبرز بذلك أهمية الهيئة التشريعية عندنا بالنسبة للهيئتين الأخريين: الادارة والقضاء.

مجتمعنا الكبير ومجتمعنا الصغير


هناك ثلاث مسائل هامة قدمناها في ديباجة دستورنا هذا: واحدة منها غاية واثنتان وسيلتان، فأما الغاية فهي انجاب الفرد الحر حرية مطلقة، وأما الوسيلتان فاحداهما المجتمع السوداني، وثانيتهما المجتمع العالمي، ولقد قلنا ان المشاكل الراهنة لأي بلد هي في حقيقتها صورة مصغرة لمشاكل الجنس البشري جميعه، وهي في اسها، مشكلة السلام على هذا الكوكب، وعندنا انه من قصر النظر أن نحاول حل مشاكل مجتمعنا السوداني داخل حدودنا الجغرافية، من غير أن نعبأ بالمسألة الانسانية العالمية، ذلك بأن هذا الكوكب الصغير الذي نعيش فيه قد أصبح وحدة ربط تقدم المواصلات الحديثة السريعة بين أطرافه ربطا يكاد يلغي الزمان والمكان الغاء تاما، فالحادث البسيط الذي يجري في أي جزء من اجزائه تتجاوب له في مدي ساعات معدودات جميع الأجزاء الأخري، يضاف إلى هذا أن هذا الكوكب الصغير الموحد جغرافيا، ان صح هذا التعبير، تعمره انسانية واحدة، متساوية في أصل الفطرة، وان تفاوتت في الحظوظ المكتسبة من التحصيل والتمدين. فلا يصح عقلا أن تنجب قمتها الانسان الحر، اذا كانت قاعدتها لا تزال تتمرغ في أوحال الذل والاستعباد، او قل، على أيسر تقدير، انه لا يمكن أن يفوز جزء منه بمغنم السلام والرخاء اذا كانت بعض اجزائه تتضرم بالحروب، وتتضور بالمجاعات، ولذلك فقد نظرنا إلى المجتمع العالمي كأنه وسيلة في المكان الثاني، حين نظرنا إلى مجتمعنا السوداني كأنه وسيلة في المكان الأول ولقد اخترنا لتنظيم مجتمعنا الصغير النظام الاتحادي المركزي لأمرين أولهما وأهمهما أن هذا النظام يناسبنا من جميع الوجوه، وثانيهما أن تنظيمه لمجتمعنا الصغير يتجه في نفس الاتجاه الذي بمواصلة السير فيه نصل إلى تنظيم مجتمعنا الكبير – المجتمع العالمي – فانه مما لا ريب فيه أنه، وقد توحد هذا الكوكب جغرافيا بفضل تقدم العلم المادي، لن يحل فيه السلام الا اذا ما توحد اداريا، وذلك بأن تقوم فيه حكومة عالمية على نظام الاتحاد المركزي، تقيم علائق الأمم فيه على أساس القانون كما تقيم كل حكومة في الوقت الحاضر علائق الأفراد في داخليتها على القانون، وسيكون لهذه الحكومة العالمية المركزية دستور عالمي مركزي، تقوم بمقتضاه هيئة تشريعية عالمية مركزية، تسن من القوانين ما ينظم علائق الدول ببعضها البعض، ويضعف من سلطان الحدود الجغرافية، والحواجز الجمركية، والسلطات المركزية لدي كل دولة، كما تشرف على دستورية قوانين الهيئات التشريعية المحلية، حتى لا تجيء معارضة للدستور العالمي المركزي، الذي ستقوم بمقتضاه أيضا هيئة تنفيذية عالمية مركزية وهيئة قضائية، بكل ما يلزم من جيش وقوات أمن ومال، وسنحاول الا تغيب عن ابصارنا، أثناء تنظيمنا مجتمعنا الصغير صورة تنظيم مجتمعنا الكبير. وسنعمل للأثنين معا من الوهلة الأولي، وقد يكون أكبر همنا موجها، باديء ذي بدء، إلى تجويد الأنموذج الصغير، بيد انا لن نتواني عن نصرة المظلومين والمستعبدين في أرجاء هذا الكوكب أثناء ذلك، جهد طاقتنا، ولا نعتبر أنفسنا بذلك منصرفين عن أصل قضيتنا.
وبديهي أنه لن يكون هناك دستور عالمي مركزي موحد، الا اذا استمد من الأصول الثوابت، التي تشترك فيها جميع الأمم، وجميع الأجيال، وتلك هي الأصول المركوزة في الجبلة البشرية، من حيث أنها بشرية، ذلك بأن تلك الأصول هي نقطة الالتقاء التي يتوافي عندها سائر البشر، بصرف النظر عن حظوظهم من التعليم والتمدين، فهم عندما يختلفون فيها انما يختلفون اختلاف مقدار لا اختلاف نوع: وقوام تلك الأصول العقل والقلب، أو ان شئت، فقل، الفكر والشعور، وسنحاول أن نبرز هذا الدستور أثناء معالجتنا لقضية الفرد.