ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




بيت الطاعة: المشكلة والحل

القضاة الشرعيون خصوم المرأة

القضاة الشرعيون خصوم المرأة


والآن، فإن الله قد قيض هذا الفيلم الذى جسد المأساة، التى هى في الحقيقة ليست مأساة "فاتن" السودانية وحدها، ولاهى مأساة "فاتن" المصرية وحدها، وإنما هى مأساة آلاف من بناتنا، اللائى أظلمت الحياة في أعينهن، حتى سئمن الحياة، وسئمن الأطفال، وحاولن التخلص من كل أولئك، وبأى سبيل، والأمثلة الدالة على ذلك كثيرة، ولكننا نكتفى منها بما جاء بجريدة الأيام الصادرة صباح اليوم 20/6/75 بالعدد 7495 في باب "يومية التحرى" وتحت عنوان "حكمت عليها المحكمة ببيت الطاعة، فأسقطت جنين السبعة أشهر، وتوفيت لرحمة مولاها"
ومما أوردته الجريدة في داخل الخبر ((إتضح أن المرحومة متزوجة من مزارع بالجريف، ونشب خلاف بينها وبين زوجها، ففزعت لمنزل والدتها، ورفضت الرجوع إليه، فوصل الأمر الى محكمة الأحوال الشخصية بأبي حمد، التى أصدرت حكمها "ببيت الطاعة" للمرحومة، ولكنها رفضت تنفيذه، وهى حبلى في شهرها السابع، ففكرت والدتها في التخلص من الجنين ونجحوا في ذلك، بقطع المهبل بآلة حادة، وسقط الجنين، ولكن ساءت حالة الزوجة، فأحضروها للمستشفى حيث أسلمت الروح لبارئها))
ومحكمة أبى حمد بقضائها، لا تظلم طبقة القضاة الشرعيين اللذين تنتمى إليهم، بل تمثلهم فتحسن تمثيلهم، فقد عرفناهم دائما وعلى طول المدى وراء مأساة كل فتاة مثلت أمامهم.
وأخيرا حاول مكتب الأحوال الشخصية، بإتحاد نساء السودان، أن يستدرك واجبه في المطالبة بإلغاء حكم "بيت الطاعة" إلغاء تاما، وهو واجب ما كان ينبغى لزعيمات الحركة النسائية عندنا أن يذهلن عنه في يوم من الأيام، ومما جاء في مذكرة مكتب الأحوال الشخصية المشار إليها آنفا قولهم "مرة أخرى نريد حلا، حتى نتوج مكاسب المرأة بمكسب حقيقي وأساسي تكون كل المكاسب دونه غير ذات قيمة".
ونحب أن نقف قليلا عند هذه العبارة الواعية " مرة أخرى نريد حلا، حتى نتوج مكاسب المرأة بمكسب حقيقي وأساسي تكون كل المكاسب دونه غير ذات قيمة".. وإنا لنرجو أن يكون هذا الرأى، الذى حمله وأعلنه مكتب الأحوال الشخصية بإتحاد نساء السودان هو الرأى الذى إستقر عليه أمر الإتحاد، بعد أن كان منصرفا وقتا طويلا عن هذا الواجب الأساسي، وما إليه من قضايا المرأة في مجال العمل، حتى بدت قضية المرأة وكأنها صراع من أجل الأجر المتساوي للعمل المتساوي، وما يتفرع عنه من حقوق للعاملات في المعاش، وفى إجازات الحمل والولادة، وغيرها من القضايا الثانوية التى لا نقلل من أهميتها ولكنا بسبيل وضعها في مكانها الصحيح من الأهمية بالقياس الى ما تعانيه المرأة من الذل والمهانة والمصير المجهول، حين تتعرض لويلات الطلاق وغبن تعدد الزوجات..
ومهما يكن من الأمر، فإن الحركة النسائية لم تسلم من خطئها القديم، فهى ما زالت ترجو في القضاة الشرعيين خيرا، فإن رفع هذه المطالبة للمسئولين في دوائر الأحوال الشخصية، هزيمة لقضية المرأة، بل هو عبث لا طائل تحته، ذلك أن المسئوليين في دوائر الأحوال الشخصية، هم أداة تفاقم المشكلة، وهم بطبيعة ثقافتهم وتفكيرهم لا يملكون حلا.. أكثر من هذا هم خصوم المرأة الحقيقيون، الذين مردوا على إرهاب زعيمات الحركة النسائية بإسم الدين وبإسم الخروج على الشريعة الإسلامية، وغني عن البيان أن قضاة دوائر الأحوال الشخصية لا بفهمون شيئا عن "المجتمع الإسلامي المبنى على المساواة والعدل والسلام" اللذى يتحدث عنه بيان إتحاد نساء السودان.. وفى الحق أنه لا سبيل لقيام هذا المجتمع الا بتطوير التشريع الإسلامي..