ليس هنالك رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن على حريات الآخرين، فثمن الحرية الفردية المطلقة هو دوام سهر كل فرد على حراستها واستعداده لتحمل نتائج تصرفه فيها

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (أسس دستور السودان)




بيت الطاعة: المشكلة والحل

تطوير التشريع الإسلامي هو الحل

تطوير التشريع الإسلامي هو الحل


وقبل أن نتحدث عن الحل الجذري المتمثل في تطوير التشريع الإسلامي، الذى نعني به إنتقال العمل من نص فرعي في القرآن الى نص أصلي في القرآن، لا بد من الإشارة الى حل مرحلي جآءت به الشريعة الإسلامية الحاضرة ثم هو معمول به قضاء.. وهذا الحل يتمثل في مبدأ التفويض وما يتعلق به عندنا من مبدأ الحكمين..
إن مبدأ التفويض هذا مجهول تماما عند جميع طبقات الشعب، أسوأ من ذلك هو مجهول في دوائر الأحوال الشخصية نفسها، فقد كانت لنا تجارب عديدة مع قضاة شرعيين يجهلون مبدأ التفويض جهلا تاما، ومع مأذونين هم الآخرين ضحايا لجهل قضاتهم..
إن إشاعة الوعى بمبدأ التفويض بين صفوف الشعب، حتى يكون ثقافة عامة لإلتصاقه بأخص شئون الأسر بتفويضهن في عصمتهن حتى يصبح أمر الطلاق من حق المرأة، كما هو من حق الرجل، ولقد أوضحنا في مواضع عديدة، أن هذا الحق مصان من الإستهتار بدخول الحكمين، الذين بحكم إتصالهم الوشيج بطرفي النزاع، يملكان المقدرة على الحيلولة دون وقوع الطلاق، بما يقومان به من تشميس للخلافات، وتهدئة الخواطر، في غير تعريض بأسرار الزوجية بنشرها أمام محاكم لا تتوفر في قضاتها العاطفة والحرص اللذين يتمتع بها الحكمان..
والأمر بدخول الحكمين منصوص عليه في الآية الكريمة من سورة النساء (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا، فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)
كما نصت عليه المادة الخامسة عشرة من المنشور الشرعي السوداني نمرة 17.
أما مبدأ التفويض فهو متفق عليه في الشريعة الإسلامية، وقد أجمع عليه أصحاب المذاهب والفقهاء على إختلافهم، وإن أسماه بعضهم بأسماء مختلفة، ولقد ورد تفصيل ذلك في كتاب "فقه المذاهب الأربعة" المجلد الرابع، ص 371 وفى كتاب "الأحوال الشخصية حسب المعمول به في المحاكم الشرعية المصرية والسودانية والمجالس الحسبية" للأستاذ معوض محمد مصطفى سرحان صفحة 334 الطبعة الأولى.. فليراجعها من شاء..
والأصل في التفويض ما ورد عن النبى الكريم في تفويضه لنسائه، كما حكت ذلك الآيتان الكريمتان من سورة الأحزاب (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)
راجع كتابينا: خطوة نحو الزواج في الإسلام طبعة 1971م وأضواء على شريعة الأحوال الشخصية طبعة 1972م..
هذا هو الحل المرحلي الذى يمكن أن نلتمسه في الشريعة الحاضرة، في مواجهة "بيت الطاعة" والذى سوف لا يكون له وجود بعد تمليك حق الطلاق للمرأة عن طريق التفويض، وعليه فإننا نرى أن أقل واجب لإتحاد نساء السودان في هذه المرحلة الدقيقة من مراحل تطورنا، أن يتمسك بمبدأ التفويض، وأن يدعو للعمل به، وتعميمه وتبصير النساء به، كما عليه أن يسعى سعيا حثيثا لتعديل صورة قسيمة العقد، بحيث يكون بها مكان ثابت للتفويض، مما يعين على إنتشاره والعمل به.
أما الحل الجذري والأساسي، فإنه لا يكون إلا بتطوير التشريع الإسلامي، تطويرا يستهدف رفع وصاية وقوامة الرجال على النساء..
إن الدعوة الإسلامية الجديدة، تقوم على بعث آيات الإصول من القرآن، تلك الآيات التى قررت مبدأ الحرية، ومبدأ المسئولية الفردية، ولقد خوطب الناس يومئذ في مكة بتلك الآيات الرفيعة مثل (فذكر انما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر) أو (وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) أو (كل نفس بما كسبت رهينة)..
ولكن مجتمع يومئذ قصر عن ذلك الشأو الرفيع، وعندما ظهر قصوره ظهورا عمليا، تنزل الشارع الحكيم الى مستوى المخاطبين، على فحوى الآية الكريمة (لا يكلف الله نفسا الاّ وسعها) والحديث الشريف (نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس علي قدر عقولهم) فنسخ آيات الإسماح المكية كما نسخ مبدأ الحرية ومبدأ المسئولية الفردية، وشرع لهم وفق طاقتهم، فاعتبر النبي صلى الله عليه وسلم وصيا على المؤمنين، وأعتبر المؤمنين أوصياء على المشركين، والرجال أوصياء على النساء، على نحو ما عبر القرآن الكريم: (الرجال قوامون علي النساء بما فضل الله بعضهم علي بعض، وبما أنفقوا من أموالهم)
ومن هذه القوامة على النساء، تفرعت كل صور عدم المساواة بين الرجال والنساء المعروفة في الشريعة الإسلامية التى بين أيدينا اليوم.
ونحن الآن ندعو مجتمعنا الحاضر، ذا الإمكانيات والطاقات الكبيرة الى الإنتقال من نصوص القرآن الفرعية، حيث الوصاية، الى نصوصه الأصلية حيث المسئولية، وهذا الصنيع هو الذى نسميه تطوير التشريع الإسلامي.. وفي هذا المستوى الجديد من التشريع، فإن الآية الكريمة (ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) تصبح عمدة التشريع، وهى تعنى أن للنساء من الحقوق بقدر ما عليهن من الواجبات سواء بسواء وأما عبارة (وللرجال عليهن درجة) من الآية الكريمة لا تعنى بالطبع أن لمطلق رجل درجة على مطلق إمرأة، وبهذا الفهم ينفتح طريق مساواة الرجال والنساء في الحقوق والواجبات أمام القانون في تشريعنا الإسلامي الجديد، ولا تقع درجات التفاضل الاّ في منطقة الأخلاق..
إن تطوير التشريع الإسلامي بما يتيح للنساء من فرص المسئولية وبما يفتح أمامهن من آفاق الحرية، يصبح هو الطريق الوحيد، لتحقيق ما ينشدن من كرامة ومساواة.. وعلى هذا فإن إتجاهات إتحاد نساء السودان، للبحث عن حرية المرأة ومساواتها بالرجل، تحت ظل القضاة الشرعيين وبإسم الشريعة السلفية عمل لا طائل تحته، لأن فاقد الشىء لا يعطيه، وأقل ما يوصف به هذا العمل، أنه عمل غير مسئول وحسبه من الشر أنه يؤخر تطور الحركة النسوية ويرجع بها الى الوراء خطوات عديدات.. ولقد أنكرنا على إتحاد نساء السودان هذا المسلك، ونحن اليوم، نجدد نكيرنا وبصورة أشد، أملا أن يتداركن الموقف، بالحكمة المطلوبة، فإن الوقت قد أزف ويجب الاّ يُنفق في المحاولات القواصر والتى برهنت التجارب على فشلها الذريع..