((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الدين ورجال الدين عبر السنين

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
(يا أهل الكتاب، قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب، ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور، وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه، سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات الي النور بإذنه، ويهديهم الي سراط مستقيم)
صدق الله العظيم

المقدمة:


الباعث على اخراج هذا الكتاب عن الدين، "ورجال الدين"، هو أن الدين الاسلامي، قد أصبحت الحاجة اليه ماسة، في بلادنا، والعالم أجمع، ذلك بأن حاجة العالم ما تجسدت في شيء، في يوم من الأيام، كما تجسدت اليوم، في ابتغائه السلام، وليس للسلام من سبيل بغير الاسلام الواعي.

ونحن المسلمين، اليوم، نقف على مفترق الطرق، ونواجه تحديا فكريا سافرا، يتمثل في مدي مقدرتنا على استيعاب طاقة، وحاجة مجتمعنا المعاصر. هذا المجتمع المعقد القلق الذي أطبقت عليه الحيرة، فعبر عنها في الرفض لمجتمع الاستهلاك، وفي ثورات الشباب والطلاب. فهل عند الاسلام فهم، وحل، لمشكلات هذا المجتمع الجديد؟ وهل يملك المقدرة على المواجهة الفكرية للفلسفات المعاصرة، من ماركسية، ووجودية وغيرها، التي تدعي أنها تملك الحل؟

والاجابة، أنّ الاسلام بفهمه الواعي، وفي أصوله العلمية التي تقدمها الدعوة الاسلامية الجديدة، ينهض وحده في هذا المجال، في المواجهة الفكرية، وفي تقديم الحلول لمشاكل العصر، أما المستوي القاصر من الاسلام الذي يقدمه اليوم، من يسمون برجال الدين من وعاظ وأئمة وفقهاء، فانه يقف عاجزا تماما عن مواجهة واقع هذا التحدي. فقد حجروا الدين، وجمدوه، وأساءوا تمثيله، في عصر اتسم بالسيولة، والحيوية، وأحتشد بالحركة، والتجديد. حتى قام في خلد الشباب الأذكياء، أن ما عليه رجال الدين من تخلف عن مستوي العصر هو الدين، فنفروا منه، ونصلوا عنه، ولم يعلموا أن ليس هناك “رجل دين” هو حجة على الدين، بل أنّ الدين حجة على كل محتج، وبذلك فقد أصبح من أول واجبات الدعوة الصحيحة للدين، وأهم خطواتها أن تفصل بينهم وبين الدين حتى تتكشف قداستهم الزائفة ويوضع سلوكهم المتخلف، عند عتبتهم، ويبرأ منه الدين براءة تفتح الطريق للمعين المصفي للاسلام. ونحن اذ نقوم بهذا الواجب، نؤكد لمن عسي يحتاج لتوكيد، أننا لا نتشفي، ولا ننطلق من ضغن على أحد، وانما باعثنا الحق وأن ينطلق الاسلام من القيود التي صبها فيه هؤلاء، بما جعلوا من أنفسهم أوصياء وحفظة على دين الله. وحين نورد أسماء بعض الشخصيات في حديثنا، انما ذلك، لتعرضهم للعمل العام في الدعوة للاسلام، وليس لموقف شخصي منهم.