((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الدين ورجال الدين عبر السنين

ظاهرة رجال الدين منافية للاسلام

ظاهرة رجال الدين منافية للاسلام


وظاهرة رجال الدين، ظاهرة وافدة، وغريبة على الاسلام، فليس في الاسلام رجال دين، يتميزون به في مظهرهم، عن بقية المسلمين، بل أن من أول دلائل تقوي الرجل في الاسلام، تواضعه، ومن تواضعه بساطة مظهره، وعدم تميزه. ولقد كان النبي عليه أفضل الصلاة واتم التسليم يكره أن يتميز على أصحابه. فكان الاعرابي يأتي من البادية لمجلس النبي بين أصحابه فلا يميزه للبس خاص، ولا لمكان في المجلس، فيقول: أيّكم محمد؟ فيشار إليه.

وإنما وفدت هذه الظاهرة، المنافية لتعاليم الإسلام، والمناقضة لروحه وتربيته، من حاخامات اليهودية، ومن كهنة النصرانية.. وكان أول ارهاصاتها في العهد الأول، ظهور طبقة القرّاء التي بدأت تحترف قراءة القرآن وتتفرغ لها، رأتهم السيدة عائشة، أم المؤمنين يسيرون في مسكنة، فقالت “حدثوهم لا يفسدوا علينا ديننا، فقد كان ابن الخطاب أقرأ الناس، وكان إذا مشي أسرع وإذا تكلم أسمع وإذا ضرب أوجع”.

والسبب الأساسي الذي مهد لهذه الظاهرة الغريبة هو انحطاط المسلمين وبعدهم عن معين الدين، الذي بدأ منذ بداية الفتنة الكبري وبانتصار أصحاب معاوية “أصحاب الدنيا” على أصحاب علي “أصحاب الدين”. وأصبح بذلك أمر الدنيا عاليا على أمر الدين، وصارت الخلافة ملكا عضوضا، كما أخبر بذلك النبي. وعلى يدي رجال يزيد بن معاوية قتل الحسين بن علي، وقتل من أبناء علي عدد كبير. ولم يزل أمر الدين منحطا وأمر الدنيا عاليا حتى استيأس أنصار الدين من صلاح أمر الناس، وفرّوا بدينهم للمغاور والكهوف ومن هنا نشأ التصوف الاسلامي، أما ما كان من أمر أصحاب الدنيا فإنهم أخذوا ينظمون حياتهم وفق الشريعة الاسلامية مع كثير من المفارقات حتى إذا اتسعت، وتشعبت، حاجاتهم فيها نشأ الفقه الاسلامي. وأخذ يستنبط ويقيس ويجتهد.

وكان في قمة مدارس الفقه الاسلامي الأئمة الأربعة، الذين جمعوا بين التصوف والفقه، وقد أدي هؤلاء الرجال عملا جليلا في خدمة عصرهم، فاستنبطوا لما استجد من واقع حياتهم احكاما فقهية مختلفة وقد صحب عملهم ذلك التقوي، والورع، والتعظيم لحرمات الله، فلم يتملقوا السلطان، ولم يرهبوا مواجهته، ولقد كان مجال اجتهادهم هو ما ليس فيه نص من القرآن، والحديث، مستهدين بهدي حديث النبي لمعاذ بن جبل الذي أباح الاجتهاد فيما ليس فيه نص، يقول الحديث: “ولما بعث النبي معاذا الي اليمن قال له: كيف تقضي؟ قال بما في كتاب الله، قال: فان لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فان لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: اجتهد برأيّي. قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله”.

ولقد خلف بعد الأئمة الأربعة خلف من رجال تسموا بالدين، وجعلوا الفقه تخصصا، وحرفة، لا خدمة للدين، ولا للناس، ولم يكن عندهم تقوي وورع الأئمة الأربعة، فكانوا مطية للحكام والسلاطين، ولقد أمعنوا في الاغراق في الحواشي والتفاصيل وأسرفوا في الافتراضات الفقهية، والمتاهات البعيدة عن واقع الحياة، وعن أهل الشريعة.

وقد حكي الجامع الأزهر هذه الصورة.. فقد أدي في أوليات تاريخه دوره في حفظ التراث الاسلامي، والتربية الاسلامية، ولكنه بعد ذلك عدته العاديات وجرفه تيار متاهات الفقه، وتبعته في ذلك المعاهد الدينية في العالم الاسلامي، وصار يخرج رجالا تسموا بالدين وتميزوا به في مظهرهم، ولكنهم أبعد الناس عن تربيته وفهم أصوله، وصار الأزهر مطية لكل سلطة، يفتي لها بما تحب خوفا وطمعا. وصار علماء الأزهر فيما بينهم حربا على كل رأي جديد، وعلى كل مفكر، يكيلون له اتهامات الكفر، والزندقة. حتى طفحت مجلاتهم ومقالاتهم بذلك.

ولقد كان لوجود طبقة رجال الدين من الأزهريين، وغيرهم، أسوأ الأثر على كثير من مثقفينا، فهم لا يرضون أن يعابوا في أمر من أمور الثقافة العامة، ولكنهم لا يشعرون بنقص ولا عيب، إذا جهلوا أمرا من أمور دينهم، فقد أبعدهم توهم أن هناك في الاسلام “رجال دين”، هم أولي الناس به، عن الشعور بالمسئولية تجاه قضايا الدين، فلم يتعمقوا بحثها، ولم يدققوا في مسائلها. ولقد نفّر بعض المثقفين من الشباب عن الدين، انّ "رجال الدين" كانوا أعوانا ذليلين للاستعمار في بلادنا، يتطوعون لخدمته، ويلهثون وراء ارضائه. أسوأ من ذلك كانوا حربا على الشباب المستقتل في سبيل الاستقلال يثبطونه، ويكيدون له، فأظهروا الاسلام للشباب دينا للخنوع، وحب السلامة، والرضا بالمذلة.
هذا هو بعض من تاريخ "رجال الدين" من الأزهريين وغيرهم من الفقهاء فتابعه من الوثائق الدامغة في متن هذا الكتاب.