في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا))
صدق الله العظيم


مقدمة الطبعة الأولى



تعالوا إلى كلمة سواء


إن الاضطراب الذي نشاهده في عالم اليوم يرجع إلى أسباب كثيرة، ترجع جميعها إلى سبب أساسي واحد، هو مدى الخلف بين تقدم العلم التجريبي، وتخلف الأخلاق البشرية..
إن العلم التجريبي الحديث قد رد مظاهر المادة المختلفة، التي تزخر بها العوالم جميعها، إلى أصل واحد، فإذا لم ترتفع قواعد الأخلاق البشرية إلى هذا المستوى فترد جميعها إلى أصل واحد، فإن التـواؤم بين البيئـة الطبيعية، وبيـن الحيـاة البشرية، سيظـل ناقصا، وسيبـقى الاضطراب الحاضر مهددا الحياة الإنسانية على هـذا الكوكب بالعجـز، والقصـور، في أول الأمر، ثم بالفناء والدثور، في آخر الأمر..

العلم المادي التجريبي


أما عن العلم التجريبي فاستمع إلى العالم العربي الكبير الدكتور أحمد زكي يحدثك في كتابه: مع الله في السماء تحت عنوان ((لو انفرط هذا الكون)) فيقول:-
((ثم نعود إلى الكون، إن هذه عناصر الأرض، وهذه مركباتها، وهى كل شيء فيها، وقد بناها بانيها من لبنات ثلاث: إلكترونات فبروتونات فنيترونات..
وتحدثنا عن الكواكب السيارة، فقلنا إن عناصرها من عناصر الأرض..
وتحدثنا عن النجوم، فقلنا إن عناصرها من عناصر الأرض، تستوي في ذلك نجوم في مجرتنا هذه، دنيانا، سكة التبانة، ونجوم في مجرات نركب إليها الضوء فلا نبلغها إلا بعد مئات الملايين من السنين..
الكون أجمع إذن، يتألف من عناصر هي بعض هذه التسعين..
الكون أجمع إذن، يتألف من تلك اللبنات الثلاث..
فلو أننا أمرنا الأرض أن ينفرط عقدها: أمـرنا أجسـام الإنسان أن تنـفرط، وأجسام الحيوان، وأجسام النبات، وأجسام الصخر بهذه الأرض، والصخور بهذه الكواكب، وأمرنا كل غاز الشمس أن ينفرط، وأن تنفرط غازات النجوم جميعها، ما قرب منها وما بعد، واختصاراً أن ينفرط كل شيء في الوجود، لنتج عن انفراطه كومات هائلة ثلاث من: إلكترونات- وبروتونات- ونيوترونات، فهل في معاني الوحدة أبلغ من هذا المعنى؟ ونقول ثلاث لبنات، وهل هي حقا ثلاث؟ وفي الوقت الذي ترد فيه المادة إلى ثلاث لبنات، يـرد العلماء ((القوى)) إلى أصـل واحد: الضـوء، الحـرارة، الأشعـة السينيـة، الأشعـة اللاسلكية، الأشعة الجيمية، وكـل إشعـاع في الدنيا، كلها صور متعددة لقوة واحدة، تلك القوة المغناطيسية الكهربائية، إنها جميعا تسير بسرعة واحدة، وما اختلافها إلا اختلاف موجة..
المادة ثلاث لبنات، والقوى موجات متآصلات..
ويأتي أينشتين، وفي نظريته النسبية الخاصة، يكافئ بين المادة والقوى..
ويقول: ان المادة، والقوى، شيء سواء، وتخرج التجارب تصدق دعواه، وخرجت تجربة أخيرة صدقت دعواه بأعلى صوت سمعته الدنيا: ذلك انفلاق الذرة في القنبلة اليورنيومية..
المادة والقوى، إذن، شيء سواء..
فماذا بقي من أشياء هذا الكون؟
بقيت الجاذبية، ذلك الرباط الذي يربط الكون أجمـع، وبقي المكان SPACE، وبقي الزمان، ويحاول أينشتين أن يوحد بينها، أن يربط بينها،
وهو في نظريته، نظرية النسبية العامة، يربط بين الزمان والمكان، فيجعـل منهما شيئاً متواصلاً، غير متفاصل وفي نظريته الجديدة، نظرية الحقل الواحد UNITED FIELD THEORY يهدف أينشتين إلى أن يثبت أن القوى المغناطيسية الكهربائية، تلك التي تتمثل في الضوء والحرارة وصور الإشعاع عامة، هي وقوى الجاذبية شيء سواء..
وأقول السـواء وما أعني بـه السوية.. ولكني أعنـي أنهما في الأصـول في أعمـاق الحقيقة الطبيعية، متواصلان، قال أينشتين: ((إن روح العالم النظري لا تحتمل أن يكون في الوجود الواحد شكلان للقوى لا يلتقيان، شكل للجاذبية القياسية، وشكل للمغناطيسية الكهربائية))..
وهكـذا، يتحلل المركب، ويتبسط المعقد، وتتشاكل الحقائق التي تتستر وراء الظواهر المختلفة، وتتشابه، وتجتمع كلها لتصب في مجرى واحد، تلك الوحدة العظمى التي تجـري في الكون أجمع، ولكن، هل قضى الإنسان من ذلك وطرا؟
إن الإنسان ما زال يتساءل: وما وراء كل هذا؟
إن الإنسان إن كان وجد جوابا لبعض ((كيف)) تساءل عنه، فهو ما زال يتساءل ((لماذا)) وهو يسأل في شيء من الهلع الفكري، والتقديس الديني، قال أينشتين: ((إن أعظم جائشة من جائشات النفـس وأجملـها تلك التي تستشعرها النفـس عنـد الوقـوف في روعـة أمام هـذا الخفاء الكـوني، والإظلام.. إن الذي لا تجيش نفسه لهذا ولا تتحرك عاطفته، حي كميت، إنه خفاء لا نستطيع أن نشـق حجبه، وإظلام لا نستطيع أن نطلع فجره، ومع هذا نحن ندرك أن وراءه شيئا هو الحكمة، أحكم ما تكون، ونحس أن وراءه شيئا هو الجمال، أجمل ما يكون، وهي حكمة، وهو جمال، لا تستطيع أن تدركهما عقولنا القاصرة، إلا في صور لهما بدائية أولية.. وهذا الإدراك للحكمة، وهـذا الإحساس بالجمال، في روعـة، هـو جوهر التعبد عند الخلائق)).. ويقول أينشتين، وهو أعلـم علماء الأرض في الكـون وظواهـره، وأحقهم بالكفـر، إن كان علم يدعو إلى كفـر، وأولاهم باتباع ما اعتاد بعض علماء الغرب ومقلـدوهم من أهل الشرق، من إغفالهم ذكـر الله، يقـول أينشتين: ((إن الشعور الديني الذي يستشعره الباحـث في الكـون، هو أقـوى حافـز على البحـث العلمي، وأنبل حافـز)) وهو يقول: ((إن ديني هو إعجابي، في تواضع، بتلك الروح السامية التي لا حد لها، تلك التي تتراءى في التفاصيل الصغيرة القليلة التي تستطيع إدراكها عقولنا الضعيفة العاجزة، وهو إيماني العاطفي العميق بوجود قدرة عاقلة، مهيمنة، تتراءى حيثما نظرنا في هذا الكون المعجز للأفهام، إن هذا الإيمان يؤلف عندي معنى الله))!!) انتهى حديث الدكتور العالم أحمد زكي..

الفيزيقيا وسيلة إلى الميتافيزيقيا


فأنتم ترون، من هذا الحديث، كيـف رد العلـم التجـريبي الظواهر المختلفة إلى أصل واحد، وكيف حمل هذا العلم أكبر علمائنا المعاصرين - أينشتين - ليقول هذه الكلمة الخالدة، التي أوردناها في آخر ما اقتبسناه من كتاب الدكتور أحمد زكي.. فكأن العلم التجريبي لا يريد أن يكتفي بأن يظهر لنا وحدة العالم المحسوس، وإنما يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرينا كيف أن العالم المحسوس، إذا أحسن استقصاؤه، يسوقنا إلى عتبة عالم وراءه، غير محسوس، ويتركنا هناك وقوفا، في خشوع، وإجلال، نلتمس وسائل، غير وسائل العلم التجريبي المادي، بها نهتدي في مجاهيل الوادي المقدس، الذي يقع وراء عالم المادة.. اقرأوا، مرة ثانية، الكلمة الخالدة التي حمل العلم التجريبي المادي الحديـث أكبر علمائنـا المعاصرين على قـولها!! واقـرأوا، بشكـل خاص، قـوله فيها ((وهو إيماني العاطفي، العميق، بوجود قدرة عاقلة، مهيمنة، تتراءى حيثما نظرنا، في هذا الكون المعجز للأفهام))!!
إن العالم المادي إنما هو بمثابة الظـلال للعالم الروحي، أو قل بتعبيـر أدق، أن المادة روح، في حالة من الاهتزاز تتأثر بها حواسنا، وأن الروح مادة، في حالة من الاهتزاز لا تتأثر بها حواسنا، فالاختلاف، على ذلك، بين عالم المادة، وعالم الروح هو اختلاف مقدار وليس اختلاف نوع، وهذا يفتح الباب على الوحدة.. وحدة جميع العوالم..
وحين ينتهي بنا العلم التجريبي المادي إلى رد جميـع ظواهـر الكـون المادي إلى وحـدة هي ((الطاقة))، يبرز لنا من جديد، وبصورة خلابة، العلم التجريبي الروحي، ليتولى قيادنا في شعاب الوادي المقدس، الذي يقع وراء المادة، ونستطيع، بمواصلة البحث والاستقصاء، في العلم التجريبي الروحي، أن نرى هل يمكن أن ترد ظواهر الأخلاق البشرية إلى أصل واحد، كما ردت ظواهر الكون المادي إلى أصل واحد، ويتم بذلك الاتساق، والتلاؤم، بين سلوك البشر، وبين البيئة المادية التي يعيشون فيها، فينتهي بذلك القلق الحاضر، ويعم الأرض السلام؟؟

الدين والعلم توأمان


والعلم التجريبي الروحي ليس جديدا، وإنما هو قـديم قدم العلم المادي، وبحق، إنهما توأمان، ولدا في وقت واحد، ودرجا معا، وظلا يتعاونان في مدارج النمو، فإن الإنسان الأول عندما وقف على رجليه، لأول مرة، أمام قوى الكون المادي الهائلة امتلأ قلبه بالخوف، والتقديس، فأما القوى التي أخافته هونا ما، واستطاع مناجزتها فقد هدته إلى العلم التجريبي المادي، وأما القوى التي استرهبته، واستغرقته خشيتها، فقد تزلف إليها، وتملقها، وهدته بذلك إلى العلم التجريبي الروحي.. ونحن نسمي هذين التوأمين اليوم، العلم، والدين، وقد قفز العلم قفزة واسعة جدا في العصر الحديث، وتخلف الدين، وبذلك حدث الاختلال في التوازن، وظهر الاضطراب، والقلق الذي أشرنا إليه، في صدر هذه الكلمة، وليس إلى إعادة التوازن من سبيل، إلا إذا قفز الدين هذه القفزة الجريئة نفسها، فرد قواعد الأخلاق البشرية إلى أصلها الأصيل، على نفس النحو، وبنفس القدر، الذي به ردت مظاهر الكون المادي إلى أصلها الأصيل..

الفهم الذري للدين يجعله يناسب عصر الذرة


نعم فالعلم التجريبي الروحي - الدين - ليس جديدا ولكنه سيعود جديدا، لأن عصر الذرة يتطلب فهما ذريا للدين - أعني فهماً دقيقاً، يصل إلى نواة الدين، ويفجر تلك النواة تفجيراً يسمع له دوي أعتى من دوي تفجيـر النواة المادية، ولقـد سايـر الديـن طفـولة البشرية في سحيـق الآماد، وأحسن مسايرتها، وكان بها رفيقا، شفيقا، يمد لها في الأوهام، والأباطيل، التي كانت تكتنف تفكيرها، ريثما ينقلها، على مكث، وفي أناة، من وهم غليظ، إلى وهم أدق، ومن باطل غليظ إلى باطل أدق، وهكـذا، دواليك، حتى قطعت الإنسانية عهد الطفولة، ووقفت اليوم، في طور المراهقة، تستشرف إلى عهد الرجولة، والاكتمال. وأصبح على الدين دور جديد، هو أن يقفز بالإنسانية عبر هذا الطور القلق الحائـر المضطرب - طور المراهقة – ليـدخل بها عهـد الرجـولة، والاكتمال.. ولما كان الفرق بين الطفل والرجل كبيرا شاسعا، فالرجل يتحمل مسئولية عمله، بينما الطفـل يطلب الحماية من تلك المسئولية، فقد أصبح على الدين، منذ اليوم، ألا ينبني على الغموض، وألا يفرض الإذعان، على نحو ما كان يفعل في عهود طفولة العقل البشري.. وإنما يجب عليه أن يقدم منهاجا متكاملا للحياة، يخاطب العقل، ويحترمه، ويحاول إقناعه بجدوى ممارسة ذلك المنهاج في الحياة اليومية، في كل مضطربها..

الإرادة البشرية مادة الدين


والعلم التجريبي الروحي - الدين - مادته الطاقة، أيضا، ولكنها في هذه الحالة ((الإرادة)) البشريـة.. هل هي ((مخيـَّرة)) أم ((مسيَّرة)) كالطاقة المادية؟؟ ونحـن ألفنا، عند التحدث عن الدين، أن نتحدث عن أديان التوحيد، والوثنيات التعدديات، والحقيقة أن البشـر، في جميع عصورهم، لم يعبـدوا غيـر هـذه الإرادة البشـرية، وهذا يفسر لنا السر في أن جميع الأوثان كانت تـنـحت على شكـل الهيـكل البشـري.. وحـتى اليـوم، وفـي أرقـى الأديـان التـوحيـدية، وأعـني به الإسلام، فإن أرقى معتنقيه يعبدون من دون الله إلها آخر، هو (إرادتهم البشرية) ولكنهم لا يفطنون إلى ذلك، ويظنون أنهم يحسنون صنعا.. ويسخرون من باقي عباد الله من أصحاب الملل الأخرى.. فلو أنهم تفطنوا إلى حقيقة أمـرهم إذن لاشتغلوا، عن الزراية على الآخرين، بتحصيل ما فاتهم، هم..
إن العالم الطبيعي الكبير، أينشتين، يقف عاجزا، حائرا، على عتبة معضلة الجبـر، والاختيار، ويقول، فيما يحدثنا الدكتور أحمد زكي: ((إن ديني هو إعجابي، في تواضع، بتلك الروح السامية التي لا حد لها، تلك التي تتراءى في التفاصيل الصغيرة، القليلة، التي تستطيع إدراكها عقولنا الضعيفة، العاجزة، وهو إيماني العاطفي، العميق، بوجود قدرة عاقلة، مهيمنة، تتراءى حيثما نظرنا، في هذا الكون المعجز للأفهام.. إن هـذا الإيمان يؤلف عندي معنى الله)) ونحـن، بعلمنا التجريبي الروحـي، نبدأ من حيث انتهى هذا العالم الجليل بعلمه التجريبي المادي، ومع إنه واضح أن أينشتين قد قرر الجبر، وذلك بقوله: ((وهو إيماني العاطفي، العميق، بوجود قدرة عاقلة، مهيمنة، تتراءى حيثما نظرنا، في هذا الكون المعجز للأفهام))، إلا أنـه واضـح أيضا أنـه يتـسـاءل تسـاؤلا صامتا: ما هي هـذه القدرة العاقلة المهيمنة؟؟ وما مدى هيمنتها؟؟ ونعتـقـد أن الإجابة على هذين السؤالين هي الإجابة على مسألة الجبر والاختيار، وبها ترد مظاهر الأخلاق البشرية إلى أصل واحد، كما ردت من قبل مظاهر الكون المادي إلى أصل واحد..
قلنا إن العلم التجريبي المادي، والعلم التجريبي الروحي توأمان، ولدا في يوم واحد ودرجا في مراقي الحياة معا، على تواد حينا وعلى تدابر حينا، ولكن على تعاون في جميع الأحيان.. ومادة العلم التجريبي المادي الكون المادي، وإن كانت الإرادة البشرية تتدخل فيه، ووسيلته المعادلات الرياضية، ومعدات التجارب في المعامل، ومادة العلم التجريبي الروحي الكون المادي، والإرادة البشرية معا، ووسيلته القرآن، ومعدات العبادة، في الخلوات، والجلوات، وأنتم ترون، من هنا، أن الدين الذي أعنيه في صدر حديثي هو الإسلام.. وأحب أن أعترف أني بدأت عن تصديق، لأني ولدت من أبوين مسلمين، ولكن التصديق لم يبلغ بي درجة التعصب والعمى، فيلتوي بنتائج تجربتي وإنما استطعت، بتوفيق الله، أن أسير مفتوح العينين، إلى النتائج التي رسخت تصديقي البدائي، وانتقلت بي إلى اليقين..

وسائل العلم التجريبي الروحي


ولا بد من كلمة قصيرة عن وسائل التجربة الدينية، وأولها وأولاها، القرآن، ونحن نسمع الناس يقولون إن القرآن كلام الله، فما معنى هذا؟؟ إن الله ليس كأحدنا، وليس كلامه ككلامنا، بأصوات تنسل من الحناجر، فتقرع الآذان.. إن كلام الله خلق.. فالشمس تطلع، فترسل الضوء، والحرارة، فتبخر الحرارة الماء، وتثير الرياح، وتحرك الهواء، وتحمل الرياح بخار الماء، في سحب كثيفة، إلى بلد بعيد، فينزل المطر، فيروي الأرض، ويحييها بعد موتها، فينبت الزرع، وتدب الحياة، بمختلف صورها، وشكولها.. هذه صورة موجزة، قاصرة، مفككة الحلقات، لكلام الله.. فالقرآن صورة هذا الكلام، أو قل هذا العلم، مفرغ في قوالب التعبير العربية.. ويظن كثير من كبار العلماء أن القرآن هو اللغة العربية، وذلك خطأ شنيع.. وهو خطأ جعلهم يلتمسون معاني القرآن في اللغة العربية، فانحجبوا بالكلمات، وهم يظنون أنهم على شيء.. واللغة أساسا، نشأت بدوافـع الحاجة اليومية، في الحياة الجسدية، فهي، مهما تطورت، فإنها تعجز، كل العجز، عن تحمل معنى كلام الله وهي، على خير حالاتها، لا تقوم منه إلا مقام الرمز، والإشارة.. والقرآن لا يدع لنا مجالا للشك طويلا، فهـو يقـول ((ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدى للمتقين)) والإشارة هنا ((بـذلك)) إلى ((الم))..
ثم تجئ الوسيلة الثانية، وهي تحقيـق ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)) وتحقيقـها يبـدأ بالثقـة بمحمد، وبتصديقه التام، وبتقليـده المتـقـن، في أسلوب عبادتـه، وفيما تيـسر من أسلـوب عادته، ويشمل تقليده كل ما صح عنه، بعد بعثه، وقبله، أثناء تحنثه في غار حراء، ولست أريد أن أطيل هنا، فإن الإيجاز في ذلك يكفي، على الأقل في هـذه العجالة، وقـد أعود في وقـت آخـر، ومجال آخر، للإفاضة في القول..
قلت إن مادة العلم التجريبي الروحي الكون المادي، والإرادة البشرية.. والحق أن عناية العلم الروحي بالكون المادي، في جميع صوره، هي في مرتبة الوسيلة، في حين أن عنايته بالإرادة البشرية في مرتبة الغاية، ولذلك يقول القرآن ((سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهـم أنـه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟)) وفي العلم الديني إن الإرادة البشرية هي صورة مصغرة للكون المادي، المنظور منه، وغيـر المنظـور.. فنحن كلما كونا لأفكارنا صورة صحيحة عن الكون المادي، كلما انبعثت، بمقابل هذه الصورة الكونية، صورة تضارعها، في الصحة والدقة، عن حقيقة إرادتنا، أو قل شخصيتنا الفردية، ولذلك فإن القرآن يقـول ((قـل انظـروا ماذا في السمـوات والأرض)) بنفس الصيغة التي يقـول لنا بها ((وأقم الصلاة))..

ما هي الإرادة البشرية؟


ويمكن القول إذن، بأن موضوع العلم التجريبي الروحي هو الإرادة البشرية.. فما هي هذه الإرادة البشرية؟؟ سنرجئ الإجابة على هذا السؤال إلى وقت قريب، ونعالج في إيجاز الإجابة على تساؤل العالم الكبير أينشتين، - ما هي هذه القدرة العاقلة المهيمنة، وما مدى هيمنتها؟ فأما السؤال الأول فإن القرآن يخبرنا بأنها ذات الله ((أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتـفيـؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله، وهـم داخرون؟؟))
وأما السؤال الثاني فإن القرآن يجيبنا عليه ((إني توكلت على الله، ربي وربكم، ما من دابة إلا هـو آخـذ بناصيتـها، إن ربي على سـراط مستقيم)) وهكـذا فإن هيمنتـه تعالى على الوجـود هيمنة تامـة، لا يخـرج عنـها صغيـر، ولا كبيـر، من الخلائـق، في دقيـق، ولا جليل، من حركاته، وسكونه..

إرادة الحياة دون إرادة الحرية


ولكن الله تعالى سير الجمادات، والغازات، والسوائل، تسييرا قاهرا ومباشرا، ثم خلق الحياة في مراتب النبات، والحيوان، فسيرها ((بإرادة الحياة))، وهي إرادة تعمل بدوافـع البقاء للاحتفاظ بالحياة.. وقانونها اجتلاب اللـذة، ودفـع الألم، وأصبح تسيير الله تعالى للمخلوقات في هذا المستوى من وراء حجاب ((إرادة الحياة)) التي تتمتع بما يسمى الحركة التلقائية، لأن دوافع حركتها، وقوى حركتها مودعة فيـها.. ثـم لما ارتـقى الله تعـالى بالحيـاة إلى مرتبـة الإنسان زاد عنصـر جديـد على ((إرادة الحياة))، هذا العنصر هو ((إرادة الحرية))، وهـو عنصر يختلف عن إرادة الحياة اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع.. ثم سيّر الله تعالى البشر بإرادة الحياة، وإرادة الحرية معا، وأصبح بذلك تسييره إيانا غير مباشر، وتدخله في أمرنا، هـو من اللطف والدقة، بحيث تورطنا في الوهم الأكبـر، وذلك باعتقادنا أننا نملك إرادة حرة، مستقلة بالترك أو العمل.. وإليكم آية هي آية في الدلالة على لطف تدخل إرادة الله في توجيه إرادتنا: ((إذ يريكهم الله في منامك قليلا، ولو أراكهم كثيرا لفشلتم، ولتنازعتم في الأمر، ولكن الله سلم، إنه عليم بذات الصدور * وإذ يريكموهم، إذ التقيتم، في أعينكم قليلا، ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور)) فانظروا إلى هذا اللطف اللطيف من جانب الإرادة الإلهية القديمة، إذ تتدخل في تسيير الإرادة البشرية المحدثة!!

الإرادة البشرية هي إرادة الحرية


فالنبي يرى أعداءه في منامه قليلين، فيصمم على مقاتلتهم، ولو رآهم غير ذلك ما قاتلهم، ثم، عند اللقاء، يرى فريق المؤمنين فريق المشركين قليلا، فيصمموا على قتالهم، ويرى فريق المشركين فريق المؤمنين قليلا، فيصمموا، بـدورهم، على قتالهم.. والله هو الذي يري النبي أعداءه، في منامه، قليلا، والله هو الذي يري كل فريق من الفريقين أعداءه قليلا، ليقضي الله أمرا كان مفعولا.. كل ذلك من غير أن تنزعج الإرادة البشرية، ومن غير أن تشعر بتدخل خارجي في أمر من أمورها، فالإرادة البشرية هي ((إرادة الحرية)) هذه، وبها تميز الإنسان عن الحيوان، وهي الإرادة التي بممارستها عصى آدم ربه، إذ نهاه عن أكل الشجرة، فقال الله تعالى فيه ((فأكلا منها، فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وعصى آدم ربه فغوى)) وقال تعالى عنه محذرا رسوله من استعمال هـذه الإرادة الخادعة، استعمالا مخدوعا، كما اتفق لأبيه من قبل، ((فتعالى الله الملك الحق، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه، وقل رب زدني علما * ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي، ولم نجد له عزما..)) بدأ الآية بقوله ((فتعالى الله الملك الحق))، تذكيرا بأن الله متفرد بالإرادة الكاملة، وأن الإرادة البشرية يجب أن تذعن لإرادته، وتنقاد، عن استسلام، وعن رضا، فلا تعجل أمرا قبل أن يجئ وقته، لأن ((الله لا يعجل بعجلة أحدكم)) كما قال المعصوم.. والإرادة البشرية، أو ((إرادة الحرية))، قبس من الله العظيم، وإليها الإشارة بقوله تعالى ((إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته، ونفخت فيه من روحي، فقعوا له ساجدين)) فكلمة ((سويته)) إشارة إلى ((إرادة الحياة)) وعبارة ((ونفخت فيه من روحي)) إشارة إلى ((إرادة الحرية))..

معاني القرآن صور تؤدى بالكلمة


وأحب أن أنبه القارئ إلى ما سبق تقريره عن القرآن من أنه كلام الله بمعنى أنه صورة لفظية لإيجاد الله الوجود، وخلقه الخلق في الزمان والمكان، والآيتان السابقتان مثل بليغ في هذا، فإن الإشارة إلى ((الطين)) تعني الخلق في طور الجمادات، والسوائل، والغازات، تلك التي قلت إن الله سيرها تسييرا مباشرا، والإشارة بكلمة ((سويته)) تعني الخلق، في طوري النبات، والحيوان، بجميع صوره، وهـو ما قلنا إن الله سيره، بإرادة الحياة، تسييرا شبـه مباشر، والإشارة بقولـه ((ونفخت فيه من روحي)) تعني الخلق في مرتبة الإنسان، وهو ما قلنا أن الله سيره، بإرادة الحرية، تسييرا غير مباشر.. وهذه الآيات الثلاث أوضح في الدلالة على حقيقة القرآن، استمعوا إليها ((الذي أحسن كـل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه، ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم السمع، والأبصار، والأفئدة، قليلا ما تشكرون))..
وهذا الخلق، والإيجاد، استغرق آمادا سحيقة، في الزمان والمكان، وهو صورة من التطور الذي يتبع بعضه بعضا، في حلقات متصلات، والتسيير الذي أشرنا إلي أنـه شبه مباشر في مرتبة النبات، والحيوان، وغير مباشر في مرتبة الإنسان، إنما هو بالصراع بين الأحياء فيما بينها، وبين الأحياء والبيئة الطبيعية التي وجدوا فيها.. وإرادة الحرية ماذا تريد؟؟ تريد الحرية.. والحرية المطلقة من كل قيد، ولكن الحرية لها ثمن، وهو أن يتحمل الحر نتائج عمله، وإلا أصبحت الحرية فوضى.. وأدنى مراتب الحرية المطلقة هي أن يفكر الرجل كما يريد، وأن يقول كما يفكر، وأن يعمل كما يقول، بشرط ألا تتدخل حريته في حريات الآخرين..
ولما كانت الحياة مسيَّرة بإرادة الحياة، قبل ظهور البشر على مسرحها، كان قانونها اللذة، بكل سبيل، ثم لما ظهر البشر، ودخلت إرادة الحرية لتعمل عملها في التسيير، ظهر المجتمع البشري وظهرت القيم، التي تجعل الفرد يضحي باللذة الحاضرة، في سبيل لـذة مرتقبة، أو يضحي باللذة الحسية، في سبيل لذة معنوية، وبمعنى آخر، دخل تشريع الحلال والحرام، أو، إن أردت الدقة، فقل العرف الذي يحرم أمورا، ويحلل أمورا أخرى، في سبيل غاية بعينها..

نشأة المجتمع والقانون ونشأة الإسلام


والقصة، في إيجاز، هي أن الفرد البشري لما وجد نفسه أمام قوة طبيعية عنيفة، هائلة، لا قبل له بها، وضح له أنه لا بد له من الالتجاء إلى جملة حيل بها يستطيع أن يحافظ على حياته، فبنى البيوت فوق الأشجار، وعلى قمم الجبال، وفي الأماكن المحصنة الأخـرى.. واتخذ الآلة، من الخشب، والحجر، وادَّخر طعامه ثم اهتدى إلى أكبر اختراع في الوجود، وهو المجتمع.. ولكي يكون المجتمع ممكنا قام العرف، الذي هو القانون الأول، ولربما يكون أول عرف نشأ هو العرف الذي ينظم العلاقات الجنسية، فيحرم الأخت على الأخ، ويحرم البنت على الأب، ويحرم الأم على الإبن، الخ الخ.. وأعان هذا العرف على تهدئة الغيرة الجنسية، التي كانت تفرق الأسـرة البشرية كلما بلغ الأبناء فيها مبلغ الرجال.. فقد أصبح، بعد هذا العرف، من الممكن أن يتعايش في منزل واحد، وفي منازل متجاورة، الأب، والإبن البالغ، والصهـر، والإبن المتزوج، وكل منهم آمن على زوجته من الآخرين.. ولربما يكون العرف الذي ينظم احترام الملكية الفردية قد نشأ مع هذا العرف، من الوهلة الأولى.. فإنه، في المجتمعات البدائية، لا فرق، كبير، بين ملكية الزوجة، وملكية الآلة، أو الكهف.. وإذا كان لا بد للمجتمعات الصغيرة أن تعيش في وئام، تصيد معا، وتحارب معا، وتقابل صروف الأيام متحدة، فإنه لا بد من هذين العرفين اللذين ينظمان السلوك في الجماعة ويصونان كيانها.. وليـس معنى هذا أن المجتمعات نشأت بصورة واحدة في كل مكان، ولكنه، مما لا شك فيـه، أن المجتمع البشري، حيث نشأ، فقد نشأ حول طائفة من العادات، والعرف، الذي ينظم علاقة الأفراد ببعضهم البعض، وبهذا العرف دخلت إرادة الحرية في صراع مع إرادة الحياة، ذلك بأن الفرد البشري قد رضي، طوعا أو كرها، أن يتنازل للمجتمع عن قسط من حريته ليستمتع بباقيها، بفضل حياته في مجتمع يحميه، ويعينـه.. وتنازله، عن هذا القسط من حريته، ينظمه العرف، وما تفرضه أوضاع مجتمعه، وأصبح عليه أن يسيطر على نفسه، وأن يمنعها مما يمنعها منه القانون، الذي سنه مجتمعه.. وكلما انتصر الفـرد، في هذا الصراع، على غرائزه البدائية، كلما قويت إرادته، وانتقلت لذاته، من اللذة الحسية العاجلة المحرمة، إلى اللذة الحسية التي ينظمها العرف، ويقرها، بعد استيفاء قواعده، أو قد تنتقل لذته من حسية عاجلة، إلى معنوية عاجلة، أو مؤجـلة كرضا المجتمع عنه، وثنائه عليه، أو كرضا الآلهة عنه، ومجازاتها إياه، في هذه الحياة، أو في الحياة المقبلة.. ولما كان الفـرد البشري الأول غليظ الطبع، قاسي القلب، حيـواني النزعة، فقد احتاج إلى عنف عنيف لترويضه، وكذلك كان العرف الاجتماعي شديدا، عنيفا، إلى الحدود التي تضحي بحياة الأفراد على مذابح معابد الجماعة، استجلابا لرضا الآلهة، أو دفعا لغضبها.. وهذا العنف العنيف اضطر الفرد البشري ليسيطر على نزعاته، وليكبت في صدره كثيرا من رغائبه التي لا يقره عليها العرف، ولا ترضاها الآلهة، وفي نفس الوقت الذي خدم فيه العرف الأول الفرد بأن قوى إرادته، وسيطرته على نفسه، خدم المجتمع بأن صان حقوقه، وجعل تماسكه، وتضامنه، ممكناً: ولقـد سار المجتمع من تلك البداية سيرا وئيدا وسار معه الأفـراد، وكلما ترقى المجتمع، كلما قلت التكاليف الباهظة التي يفرضها على حريات أفراده، بواسطة عرفه، وقوانينه، وأديانه، وسنرى ذلك، بعد قليل، عند الحديث عن مرحلتي اليهودية والإسلام.. ومنذ نشأة العرف الأول نشأ الإسلام، وذلك لأن الفرد البشري بدأ في هذا الطور يدرك أن إرادته ليست حرة، وإن كان هذا الإدراك يكاد يكون لا شعوريا.. ولست أريد أن أتابع مراحل الإسلام من هذه البدايات، ولكني سأقفز قفزة واحدة إلى مراحله الثلاث الأخيرة: اليهودية والمسيحية والإسلام، فأتحدث عنها في شيء يسيـر من الإطناب، ذلك لأن هذه العجالة لا تحتمل التطويل، ولكني، قبل أن أنصرف إلى هـذه المراحل، أناقشها، أحب أن أقرر هنا أن الإسلام، كدين، فكرة واحدة كبيرة، تشمل البداية والنهاية، وقد بدأ يوم بدأ الصراع بين إرادة الحياة، وإرادة الحرية، وهو ما أسميه بنشأة العرف، وهذه الفكرة لا تزال تواصل سيرها، وستبلغ نهايتها على هذا الكوكب يوم يحقق الأفراد البشريون السلام، كل مع نفسـه، وذلك بتسليم إرادتهم المحدثة، إلى الإرادة القديمة.. وسنعـود إلى هذه العبارة في نهاية هذه العجالة.. ولتقرير أن الإسلام، كدين في عمر البشرية، فكرة واحدة، كبيرة، تشمل البداية والنهاية، يمكن أن ننظر في الإسلام في عمر الفرد البشـري، فإنه من المقـرر أن حياة الفرد البشـري تحكي، بصـورة عاجـلة، حيـاة النـوع كله.. فالإسلام، في عمر الفرد البشري، يبدأ بالقول باللسان، والعمل بالجوارح ثم يترقى حتى يصبح إذعانا واعيا، وانقيادا راضيا، بإرادة الله وحسن تدبيره.. وأول مراتب ترقيه، بعد الإسلام، الإيمان، ثم الإحسان بمراتبه الثلاث ثم الإسلام من جديد.. وهـذه الآيات الكريمات تفيدنا في هـذا الباب ((قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)).. فالإسلام هنا هـو البداية التي هي مـرحلة دون مرحلة الإيمان.. ثم اسمـع هـذه الآيـة الكريمة: ((يأيها الذين آمنـوا اتقوا الله، حـق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)) والإسلام هنا هو نهاية المطاف، ولقد ندب إليه المؤمنون فلم يطيقوه.. فلما بدا عجزهم خفف الله عنهم فنزل ((فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعـوا وأطيعـوا)) فاستبـدل لهم تقوى الله حق تقاته بما يطيقون، واستبدل لهم الإسلام، الذي هو تسليم الإرادة المحدثة إلى الإرادة القديمة: ((ومن يسلم وجهه إلى الله، وهو محسن، فقد استمسك بالعروة الوثقى)) استبدل لهم هذا الإسلام بالسمع للنبي، والطاعة، وهي مرتبة سامية، ولا ريب، ولكنها دون الإسلام الذي عناه الله بقوله ((ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين))..

الإسلام بين اليهودية والنصرانية


وهذه الفكرة الإسلامية الكبيرة جاءت مرحلة اليهودية في طرف البداية منها، وجاءت المسيحية في طرف النهاية، وجاء الإسلام وسطا بين اليهودية والنصرانية.. فإن المسيح قد قال لتلاميذه: ((لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس، أو الأنبياء.. ما جئت لأنقض، بل لأكمل))، ثم أخذ يعلمهم، فقال: ((سمعتم أنه قيل عين بعين، وسن بسن، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن، فحول له الآخر أيضا..)) فالمسيح، في هذا الحديث، يعرض علينا طرفي البداية، والنهاية فالعين بالعين، والسن بالسن أقرب إلى الطبيعة البشرية المبتدئة، وأما عدم مقاومة الشر فهو غاية في التسامح، وهو أدخل في نهايات سير النفس المرتاضة..
ولما كان الإسلام وسطا بين اليهودية، والنصرانية، كما يخبرنا الله تبارك وتعالى حين يقـول: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)) فإن القرآن قد جاء في سياقه بالجمع بين خصائص اليهودية وخصائص المسيحية، فاسمعه يقول ((وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح، فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين)) ثم قارن هذا بحديث المسيح السابق تجد أن ((جزاء سيئة سيئة مثلها)) تعبير شامل لقول التوراة الذي حكاه المسيح ((عين بعين، وسن بسن)) وتجد أيضا قوله ((فمن عفا وأصلح، فأجره على الله)) أبلغ في التسامح من قول المسيح ((لا تقاوموا الشر)) الوارد في هذا الحديث، وإن كان للمسيح حديث آخر يرتفع إلى مستوى ((فمن عفا وأصلح، فأجره على الله)) وذلك حيث يقول: ((أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلوا لأجـل الذين يسيئون إليكم، ويطردونكم..))

الإسلام رسالتان


وكون الإسلام وسطا بين طرفين، وجامعا لخصائص الطرفين، من البداية والنهاية، جعل الإسلام نفسه ذا طرفين، طرفا أقرب إلى البداية، وطرفا أقرب إلى النهاية.. ويلاحظ هذا بوضوح، عند قراءة الآية السابقة، ومثيلاتها، في القرآن، ولهـذه الظاهرة معنى بعيد الأثر، وذلك أن الإسلام، كما هو في القرآن، ليس رسالة واحدة، وإنما هو رسالتان: رسالة في طرف البداية، أو هي مما يلي طرف اليهودية.. ورسالة في طرف النهاية أو هي مما يلي طرف المسيحية.. وقد بلغ المعصوم الرسالتين معا، بالقرآن، وبالسيرة التي سارها بين الناس، ولكنه فصل الرسالة الأولى في تشريعه، وأجمل الرسالة الثانية، اللهم إلا ما يكون من أمر التشريع المتداخل بين الأولى والثانية، فإن ذلك يعتبر تفصيلا في حق الرسالة الثانية أيضا، ومن ذلك، بشكل خاص، تشريع العبادات جميعه.. وظاهرة الرسالة الأولى أنها تبدأ بقول ((لا إله إلا الله، محمد رسول الله))، وتنتهي بقول ((لا إله إلا الله، محمد رسول الله)) فهي كالصورة الفوتغرافية الثابتة، إلا قليلا، وأما ظاهرة الرسالة الثانية فإنها تبدأ بقول ((لا إله إلا الله، محمد رسول الله)) وتنتهي بقول ((لا إله إلا الله)) المجردة، فهي كالفلم السينمائي يتحرك من بداية إلى نهاية، في تطور مستمر.. ومعنى تجريد الشهادة معرفـة مكانة الله، من مكانة محمد.. وهـو تمام التوحيـد، والله تعالى يقول لنبيه الكريم: ((وأنزلنا إليك الذكـر لتبيـن للناس ما نـزل إليهـم، ولعلهـم يتفكرون..))
والمتأمل في هذه الآية الكريمة يدرك كيف أن الإسلام رسالتان، فإن أول الآية: ((وأنزلنا إليك الذكر)) يعني الرسالتين معا، الأولى والثانية.. ووسط الآية: ((لتبين للناس ما نزل إليهم)) يشير إلى تفصيل الرسالة الأولى التي هي، كما قلنا، أقرب إلى جانب البداية، وآخر الآية: ((ولعلهم يتفكرون)) يشير إلى محاولة الارتفاع من الرسالة الأولى، إلى مستوى الرسالة الثانية، وذلك بإتقان العبادة التي اختطتها الله، تبارك وتعالى، للمسلمين، أو قل إن أردت الدقة، ((للمؤمنين))..

أمة الرسالة الأولى المؤمنون


وحين يسمي القرآن المسلمين في مرحلة الرسالة الموسوية ((يهودا)) ويسمي المسلمين في مرحلـة الرسالـة العيسـويـة ((نصارى))، يسمـي المسلميـن في مرحلـة رسالة محمد الأولى ((المؤمنين))، أو ((الذين آمنـوا)) اسمعه: ((قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة، والإنجيل، وما أنزل إليكم من ربكم، وليزيدن كثيرا منهـم ما أنـزل إليك من ربـك طغيانا وكفرا، فلا تأس على القوم الكافرين * إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئون، والنصارى، من آمن بالله، واليوم الآخر، وعمل صالحا، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنـون))..
واسمعه أيضا: ((إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين، من آمن بالله، واليوم الآخر، وعمل صالحاً، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون))..
والتفاوت بين مراحل الإسلام المختلفة: في الموسوية، والعيسوية، وفي رسالتي محمد، إنما هو تفاوت مقدار، هو ترق من بداية غليظة، بليدة جافية، إلى نهاية رفيعة، ذكية، رقيقة، ويعكس لنا هذا الترقي التشـريع المنـزل بين البداية والنهاية، فإنه، مما لا شك فيه، أن التشريع، سواء كان تشريـع عادة، أو تشريع عبادة، إنما هو منهاج تربوي، يرتفع بالمجتمعات، وبالأفراد، من الغلظة، والجفوة، إلى اللطف، والإنسانية، وكلما كان الناس غلاظ الأكباد، بليدي الحس، كلما شدد عليهم في التشريع وكبلوا بالقيود والأثقال ولو أن الناس رعوا ما عليهم، حق رعايته، لما أعنتوا في أمر من أمورهم.. والله تعالى يقول: ((ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم، وآمنتم؟ وكان الله شاكرا عليما)) لكن حاجة الناس إلى الترويض هي التي حرمت المحرمات، وعزمت العزائم، وجاءت المحرمات، والعزائم، وفق الحاجة إليها.. فحين كان الإسلام في طور اليهودية، وحين كان الناس غلاظا، جفاة، قال الله تعالى عنهم: ((فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وبصدهم عن سبيل الله كثيرا، وأخذهم الربا، وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما))..
وقال عنهم: ((وإذ قال موسى لقومه يا قومي إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل، فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم..))

الناس مخفف عليهم كلما عقلوا


وحين بلغ الإسلام طور رسالة محمد الأولى قال تعالى: ((قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا، أو لحم خنزير فإنه رجس، أو فسقا أهل لغير الله بـه.. فمن اضطر، غير باغ ولا عاد، فإن ربك غفور رحيم))..
وقال تعالى: ((يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما..))
فقد رد المحرمات على الأمة المحمدية، إلى أربعة، كلها خبيث، ثم تجاوز، حتى عن هذه الأربعة للمضطر، إذا لم يكن باغيا، ولا عاديا، في حين أنه شدد على اليهود، حتى في الطيبات.. وقال للأمة المحمدية: ((ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما..)) في حين أنه قال تعالى لليهود: ((فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم..)) والمقصود، بالطبع، القتل الحسي..

الحرمة الحسية مجاز لتنقية السلوك


ثم يطَّرد هذا التفاوت، بين التشديد والتضييق في القاعدة، والترخيص والتوسيع في القمة، حين يبلغ الإسلام بالناس طور رسالة محمد الثانية، وهي قمة الإسلام، ونهاية المطاف، تقريبا، فينتقل التحريم، من الأعيان المحسوسة، إلى صـور السلوك المعنـوية.. فاسمع القرآن الكريم يقول ((يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا، واشربوا، ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين * قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون * قل إنما حرم ربي الفواحش، ما ظهر منها، وما بطن، والإثم، والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون..)) ويقول: ((وذروا ظاهر الإثم، وباطنه، إن الذين يكسبون الإثم سيُجزون بما كانوا يقترفون..)) فإذا المحرم حقا، وفي آخر الأمر، هو عيب السلوك، ونقص الأخلاق، وإنما حرم المحسوس كوسيلة إلى تحريم عيوب السلوك المعنوية، وذلك على القاعدة الحكيمة في التربية، والتعليم التي تطالعنا بها الآية الكريمة: ((سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحـق، أولم يكف بربـك أنـه على كل شيء شهيد؟))..
ولقد سبق القـول بأن رسالة محمد الثانية تجئ أقرب إلى جانب النهاية، منها إلى جانب البداية، أو هي مما يلي النصرانية.. والآيات الكثيرة التي تعنى بعيوب السلوك، والتي أوردت لكم منها نموذجا هنا، أدخل في رسالة محمد الثانية، منها في رسالته الأولى، وهي تذكرنا بآيات من أقوال المسيح.. فقد قال في الإصحاح الخامس، من إنجيل متى ما يلي،: ((قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن، وأما أنا فأقول لكـم أن كل من ينظـر إلى امرأة ليشتهيـها فقـد زنى بها في قلبـه..)) وقال أيضا لتلاميـذه: ((اسمعوا، وافهمـوا، ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم، هذا ينجس الإنسان..)) يشير إلى أن النجاسة الحسية، من التبول، والتغـوط، لا تنجس الإنسان، وإنما تنجسه أخطاء اللسان.. ((وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)) كما يقول القرآن، في الآية الماضية. أو ((إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هينا، وهو عند الله عظيم..)) كما يقول القرآن أيضا في موضع آخر.. وعندما ينسحب التحريم من الصور الحسية الغليظة، إلى الصور المعنوية الدقيقة، في عيوب السلوك والسيرة، يواصل هذا الانسحاب حتى يصل خفايا السريرة، وما يحوك فيها من خواطر الإثم، كما تحدثنا الآية الكريمة، التي سبقت الإشارة إليها: ((وذروا ظاهر الإثم وباطنه)).. ومع إن ترك ظاهر الإثم جاء بمكان الوسيلة، والغاية منه ترك باطن الإثم، إلا أن رسالة محمد الأولى قد تجاوزت عن باطن الإثم لأنه لم يكن الوقت يومئذ ناضجا لتحريمه، وفي حديث نبوي شريف أن النبي قال: ((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفوسهم، حتى يقولوا، أو يعملوا..)) أو كما قال..

لكل معنى شكل هرمي


وليـس هناك شك في أن لكل معنى حسا، أو بتعبير آخر، فإن للمعاني شكلا هرميا، له قاعـدة، وقمة، وكلما دق المعنى، دق الحس، أو قل كلما دق الشكل الهرمي دقت قاعدته، تبعا لذلك.. وعلى نفس هذا الاعتبار لكل سريرة، سيرة، وكلما تنقت السريرة، كلما استقامت السيرة، لأن الخطيئة إنما تبدأ في السريرة، أولا، أو قل في الفكر، ثم تخرج إلى السيرة ثانيا، أو قل إلى صور السلوك المحسوسة، بين الناس..

أسلوب القرآن في التربية فريد


وأسلوب القرآن في شفاء الناس من الخطيئة أسلوب عكسي يبدأ من الخارج، ويسير إلى الداخل، ((سنريهم آياتنا، في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم أنه الحق)) وهو أسلوب غاية الغايات في الدقة، والحكمة، ويفضي بالذين يتقنونه إلى الأسلوب الصحيح، وهو الأسلوب الطردي، الذي يبدأ من الداخل، ويسير إلى الخارج.. وإلى هذا الإشارة اللطيفة، في الآية السابقة، حين قال، جـل من قائل، ((أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟)) وكلما تنقت السريرة، كلما استقامت السيرة، فضاقت دائرة المحرمات، لذلك، واتسعت دائرة المباحات، على قاعدة الآية الكريمة: ((ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ وكان الله شاكرا عليما)) فإذا استمر السير بالسائر إلى نهايته المرجوة، وهي نقاء السريرة، واستقامة السيرة، تماما، عادت جميع المحسوسات إلى أصلها من الحل وانطبقت الآية الكريمة: ((ليس على الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، جناح فيما طعموا، إذا ما اتقوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين)) وهذه مرتبة من الكمال تؤدي إليها رسالة محمد الثانية، حين قصرت عنها رسالته الأولى..

أمة الرسالة الثانية المسلمون


ولقد طال الحديث عـن رسالتي محمد، وقلنا إنه بلغهما جميعا في معنى ما بلغ القرآن، وسار السيـرة، ولكنـه أجمل الثانيـة إجمالا، وفصل الأولى، تفصيـلا، وأوردنا الآية الكريمة في ذلك: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم، ولعلهم يتفكرون)) وقلنا إن الرسالتين مشتملتان، ومبلغتان في: ((وأنزلنا إليك الذكر))، ولكـن الرسالة الأولى ورد الأمـر بتفصيلها في ((لتبين للناس ما نزل إليهم)) فمما ((أُنزِل)) وهو أدخل في الرسالة الثانية، قوله تعالى ((يسألونك ماذا ينفقون؟ قـل العفو!!)) وعليها، وعلى غيرها، انبنى الندب إلى الصدقة في الرسالة الأولى، ومما ((نُزَّل))، وهو أدخل في الرسالة الأولى ((خذ من أموالهم صدقة، تطهرهم، وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم)) وعليها انبنى تشريع الزكاة فيها، ومما ((أُنزِل)) وهو أدخل في الرسالة الثانية، قوله تعالى ((يأيها الذين آمنوا اتقوا الله، حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)) وتلك مرتبة المسلمين، فلما لم يطيقوها ((نزُِّل)) عليهم: ((فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا، وأطيعوا، وأنفقوا، خيرا لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)) وهي أدخل في الرسالة الأولى، وتلك مرتبة المؤمنين كما سبق بذلك القول، وهناك آيات كثيرة يمكن إيرادها، فمما ((أُنـزِل)) مثلا، قوله تعالى: ((لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي)) ومما ((نزل)) قوله تعالى: ((فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم))..
وأحب أن أنبه القارئ، دائما، إلى الفرق بين كلمتي ((أُنزِل)) و((نُزِّل)) اللتين استعملتهما كثيرا أخذا من الآية الكريمة ((وأنزَلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم، ولعلهم يتفكرون))..

إرهاص الرسالة الثانية


وأنت حين تقرأ قول الله تعالى ((واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، من قبـل أن يأتيكم العذاب، بغتة، وأنتم لا تشعرون)) تعلم أنه أمر دقيق، وجليل، ولكن، اعلم، أيضا، أن حكمة الله أرجأته تخفيفا على الذين آمنوا، حتى يجئ اليوم الذي تفصل فيه الرسالة الثانية ويصبح المسرح معدا ليحقق الذين آمنوا الإسلام، بأن يتقوا الله ((حق تقاته)) وبأن يتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من الله.. وستقول وماذا تعني بإعداد المسرح؟؟ وأقول إقامة المجتمع الصالح، ونظام الحكم الصالح، الذي يجعل مجاهدة الفرد في سبيل إتباع أحسن ما أنزل مجاهدة ميسرة الأسباب..
ولقد وردت الإشارة، مرات عديدات، إلى القول بأن رسالة محمد الثانية ستجيء أقرب إلى جانب النهاية، منها إلى جانب البداية، أو هي مما يلي النصرانية، والحـق أن الشبه النظري بين وصايا المسيح، ووصايا القرآن، في الرسالة الثانية، كبير، ولكن الفرق العملي أكبر، فإن المسيح حين أوصى بتلك الوصايا الرفيعة، لم يقم نظاما اجتماعيا، ولا نظاما حكوميا، يجعل تحقيق تلك الوصايا أمرا ميسورا للأفراد.. وأما الإسلام فإنه، حتى برسالته الأولى، قد أقام نظاما اجتماعيا، ونظاما حكوميا فيهما من التكافل، والإسماح، ما يجعل الفرد يستشرف، استشرافا عمليا، لتحقيق بعض وصايا القرآن الرفيعة، ونحن الآن نستقبل عهدا جديدا فيه نريد لأفراد مجتمعنا أن يحققوا كل وصايا القرآن ولذلك نسعى لإقامة نظام اجتماعي ونظام حكومي، أرقى مما كان لدينا في عهد الرسالة الأولى، وهذا هو ما عنيناه بإعداد المسرح الذي وردت الإشارة إليه آنفا..