ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




تعدد الزوجات ليس أصلا فى الاسلام

مقدمة

بسم الله الرحن الرحيم
(ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)
صدق الله العظيم


مقدمة


شريعة تعدد الزوجات شريعة مرحلية، وقد خدمت غرضها حتى استنفذته، اذ أن ملابساتها الاجتماعية، وأسبابها التى شرعت من أجلها فى الحكمة، قد انقضت تماما، ومن جميع الوجوه، حتى لقد انقلب الوضع، وأصبح تعدد الزوجات إهانة لكرامة المرأة، وشقاء للأطفال، وتعاسة للأسرة، والمجتمع.. فقد شرع تعدد الزوجات فى زمن كانت تدور فيه الحروب من أجل المرعى، والمسكن، وماتبع ذلك من مستلزمات الحياة البدوية التى تمثل طرفا من حياة الغابة.. كان الرجال يموتون بالآلاف فى هذه الحروب، ويزداد عدد النساء اللاتي يتركن بلا عائل، ولا مأوى، كل يوم، وكان التعدد، فى ذلك الوقت، رحمة لهن، وحكمة حكيمة.. ولقد أنقذهن التعدد، حين حصر الزوجات فى أربع، من وضع كان يسومهن الهوان، اذ أن الرجل كان يتزوج من غير عدد.. لكل هذه الأسباب كان التعدد حكيما، وكان بمثابة احترام للمرأة.. أما الآن، قد انتقلت هذه الحكمة الى متطلبات العصر الحاضر التى تنادى بشريعة جديدة، مستمدة من أصول الدين، وهى تقوم على الزوجة الواحدة للرجل الواحد.. ومع ذلك فما زال التعدد يمارس، وقد أصبحت نتائجه عكسية، خالية من الحكمة، ومن روح العدل.. وأصبح يستعمل لرغبات الرجال، وأهوائهم الخاصة، وشقى به النساء، والأطفال، والرجال أنفسهم..
وأما المرأة فهى أكبر من أضير به، وهى قد أصبحت سلعة وشيئا يتداوله الرجال فى سوق الزواج..
والرجال لا يوقفهم من التعدد غير ذات اليد، ومع ذلك، فان منهم من الفقراء من يعددون.. ومنهم من يحتالون ليحصلوا على الزوجة الثانية، ومنهم من قد ينكرون لأهلها أنهم قد تزوجوا من قبل.. وبعد الزواج تنكشف حقيقة الزوجة الأولى، فإما انتهى الزواج الثاني بالطلاق، وراح ضحيته الزوجة الثانية واما استمر الزواج، وشقيت الزوجتان، والاطفال.. هؤلاء يعددون أحيانا لأنهم يعتقدون أن حل المشاكل المالية والأسرية، مع الزوجة الأولى ينتهي بالزواج من أخرى.. ويتزوجون، وتدخل الجحيم امرأة أخرى، ويضيق الخناق على الأولى، وعلى الأسرة كلها..
أما أصحاب الاموال فقد أصبح الزواج هوايتهم، فلا تنقضي أيام زواج حتى يدخلون فى زواج آخر.. وهم يطلّقون، ويتزوجون، حتى أن البعض منهم قد تجاوز الحد الشرعى فى عدد الزوجات.. وقد انفضح أمرهم هذا بعد وفاة أحدهم عندما استعدت ((للحبس)) ست زوجات، ووقعت الحيرة وسط الناس، وأصيبت الزوجات، وأهلهن، وأصيب أهل المتوفي أيضا، بالحرج، وبملاحقة العار.. ان تعدد الزوجات قد أصبح مذلا للمرأة عامة.. وعند اصحاب الأموال يمثل أكبر مهانة للمرأة، اذ انها تباع وتشترى بالمال.. فى وقت يبحث فيه الناس عن اكرام الانسانية، وعزتها..
وتعدد الزوجات الآن مضر بالمجتمع، وبنهضته، اذ أن مثل هذا الزواج ينتج أشتاتا، متنافرة من الأبناء غير المستقرين نفسيا، وعاطفيا.. اذ يتنازعون حنان أب واحد، ويعيشون صراعات أمهات متنافرات، فاقدات حياة الأسرة المستقرة... والأطفال فى هذا الجو المضطرب، الشاذ، لا يجدون العناية الكافية، ولا فرص التربية.. ولذلك يندر نجاحهم فى الدراسة، وتكثر أعدادهم فى سجون الأحداث، ويمثلون قطاعا كبيرا من المتشردين.. ومثل هذا النشء لا يساعد فى بناء الأسر السليمة ولا ينهض بأعباء بناء الأمة الكريمة..
لهذا كله، ولغيره، الذى لا يسعه المجال فى هذه العجالة، أصبح تطوير شريعة الاحوال الشخصية ضرورة حياتيه ملحة..