((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الذكرى السابعة لمهزلة
محكمة الردة

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
(وذكّر.. فإن الذكرى تنفع المؤمنين)
صدق الله العظيم


المقدمة:


فى مثل هذا اليوم، وقبل سبع سنوات، انعقدت ما سميت بمحكمة الخرطوم الشرعية العليا التي زعمت أنها أعلنت ردّة الأستاذ محمود محمد طه عن الإسلام!!
ونحن، إذ ننشر على الناس في هذا السفر العابر تفاصيل تلك المحكمة، إنما نبتغي تجديد الذكرى لشعبنا حتى لا ينسى ذلك العمل المشين الذي باءت بوزره الدعوة السلفية بجميع صنوفها، وبكل أشتاتها..
إن محكمة الردة كانت تجسيدا حقيقيا للمصير القاتم الذي كان ينتظر كل مفكّر حر، بله كل مواطن، لو آلت الأمور في بلادنا لتلك الأيدي الآثمة التي كانت، وما تزال، ترفع شعار الدعوة الإسلامية بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير..
نحن نريد تبرئة الدين من عار تلك المحكمة غير المسئولة، فإن ديننا في أصوله الثوابت يقوم على الحرية، والإسماح، وعلى الحقوق الأساسية التي تزدهر تحت ظلالها الوريفة الكرامة، والعزة للناس جميعا.. دون تمييز لإعتبارات العقيدة، أو اللون، أو العنصر..
نحن نريد تبرئة القضاء، وتبرئة القانون، من عار تلك المحكمة، فإنها لم تكن محكمة بالمعنى المفهوم في لغة القانون، ولم يكن (قاضيها) جالسا على منصة القضاء!! وإنما هي في حقيقة أمرها، مكيدة سياسية لجأ اليها خصومنا في الرأي، واستغلوا، في ذلك، القضاء الشرعي أبشع استغلال.. عسى أن يكسب ذلك التآمر صفة الشرعية، وصفة القانونية.. ولكن هيهات! وهيهات!!
لهذا الإعتبار الهام فإننا نهيب بالقانونيين في البلاد أن يهبّوا من هذا السبات العميق، ويعلنوا إدانتهم لهذا العمل الإجرامي الذي أعتدى على حرمة الدستور، وأهان كرامة القانون، بصورة يندى لها الجبين!! وعليهم أن يطالبوا بسحب أوراق هذه المحكمة من سجلات القضاء.. أكثر من هذا، عليهم أن يطالبوا بتصفية القضاء الشرعي! وبمحاكمة القضاة الذين أستغلوا قدسية القضاء، وسخّروا منصبهم الرفيع لمباشرة ذلك العمل غير اللائق بحرية الإنسان، وبحرمته وبكرامته.. فإن لم يرتفع القانونيون في البلاد لنداء واجب المهنة فإن محكمة الردة ستظل عار الأبد في جبين القضاء السوداني..
فى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ بلادنا فإننا نجدد الذكرى لشعبنا حتى لا ينخدع في الدعوة السلفية التي ما زالت تتربص ببلادنا الدوائر، وما زالت تحلم بالعودة للسلطة.. فقد آنى لشعبنا أن يستيقن، وبما لا يدع مجالا للشك، أن الدعوة السلفية لا تملك فكرا يرقى الى مستوى أعلى من مستوى محكمة الردة!! ومن حسن التدبير الإلهى ان الدعوة السلفية، بكل مؤسساتها، وبكل طوائفها، قد اشتركت في تلك المحكمة العجيبة.. فهل بعد هذا يطمع عاقل في صلاح يأتي من قبل هؤلاء؟
والآن، وفى هذه الأيام بالذات تشهد بلادنا محاولات جديدة، - وتحت ستار جديد من التآمر- تريد أن تعطى محكمة الردة صفة الشرعية التي فقدتها في جولتها الأولى بفضل الله، ثم بفضل المواجهة الصارمة التي قادها الجمهوريون في تلك الأيام.. هذه المؤامرات تدّبر اليوم في بورتسودان، وفى الخرطوم.. ولكنها بإذن الله، ليس لها الاّ الفشل المحتوم..
ومع هذا فإن يوم الإثنين 18/11/1968 قد دخل التاريخ.. إذ أنه يؤرّخ (بداية التحول الجذري والحاسم في مجرى الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع – في مجرى الدين في هذه البلاد) حتى يصح أن نقول إن بلادنا (قد أخذت تثبت أقدامها على الطريق الصاعد الى مشارق النور، ومنازل الشرف، ورحاب الحرية)..