ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




ماذا حققت المرأة
في عام المرأة؟

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
((واذ قالت الملائكة: يا مريم!! إن الله أصطفاك، وطهّرك، واصطفاك على نساء العالمين * يا مريم!! اقنتي لربك، واسجدي، واركعي مع الراكعين))
صدق الله العظيم


المقدمة


نخرج هذا الكتاب بمناسبة نهاية عام 1975م وهو العام الذي خصصته هيئة الأمم المتحدة ليكون عاما عالميا للمرأة تحت شعار المساواة والتنمية والسلام، وكان أهم ما دعت اليه المنظمة الدولية بهذه المناسبة هو القضاء على التمييز القائم على الجنس. ونحن نحمد لهذه المنظمة الدولية اهتمامها بأمر المرأة، ولفت الأنظار الى أبعاد قضيتها، والمطالبة لها بحقوق المساواة. وبالطبع فإن قضية المرأة الضاربة في أعماق التاريخ لا يتم حلها حلاّ جذريا في عام واحد.. وانما كان عام المرأة العالمي، فرصة لتسليط الأضواء على القضية، ويجب ان يكون نقطة انطلاق لحركة لا تهدأ لتحرير المرأة، ولتحرير الرجل، على السواء.
إن القيمة الإنسانية للمرأة في المجتمعات البشرية كافة لا تزال مجهولة، فهذه المجتمعات لا تزال مطبوعة على القيمة المادية، إذ أن استقلال المرأة الإقتصادى يعنى فيها أن تكدح المرأة في نفس سبل كسب العيش التي يكدّح فيها الرجل، أما إنتاجها البشرى كأم فهو لمّا يحظ حتى اليوم بالتقويم الصحيح الذي يرفعه فوق مستوى الإنتاج المادي لتلقى عليه من الأجر ما يفرّغها لتؤديه بكفاءة وعزّة. ولا سبيل الى ذلك الاّ بقيام المجتمع الاشتراكي الذي يريده الإسلام والذي فيه الإنسان غاية في ذاته والذي تصحح فيه موازين القيّم، والمجتمعات البشرية لمّا تتخلص أيضا من النظرة الى المرأة كمصدر إمتاع، وكصورة جمالية مجّردة.. فقيمتها الإنسانية - قيمتها الفكرية والخلقية - لا تزال مهزوزة عندها، أشد الإهتزاز، ولذلك تزخر بيوت الأزياء وأوساط الأدب والفن بشتى الإنعكاسات لهذه الصور الشوهاء عن المرأة.. ولا فرصة لإبراز قيمة المرأة الانسانة الاّ في الإسلام، ببعث كلمة ((لا إله الاّ الله)) من جديد، وعلى مستوى جديد، في كل نفس بشرية..

فماذا تحقق للمرأة في عام المرأة في بلادنا؟


المرأة في بلادنا، وهي متأثرة بما حققته المرأة على المستوى العالمي، قد نالت في السنوات الأخيرة كثيرا من الحقوق.. نالت الحقوق السياسية في الانتخاب والترشيح، ونالت حق الوصول الى أعلى مراحل التعليم، ونيل أرفع الدرجات العلمية وتسّنم سائر المناصب التشريعية والتنفيذية والقضائية.. ونالت حقوق العمل والأجر والمعاش ((الأجر المتساوي للعمل المتساوي)).. ولكنها لا زالت فيما يسمى بقانون الأحوال الشخصية على النصف من الرجل! بل على الربع منه! فالمرأة، وهي الوزيرة، لا تستطيع أن تتولى أمرها في أخص شئونها، وهو عقد زواجها، وإنما يتولى أمرها في ذلك ولي رجل!! إن المرأة لا تزال تحت وصاية الرجل، فهي دونه في حقوق الأسرة، ودور المرأة في الأسرة هو الدور الأساسي، فهي، إذن، برغم ما نالت من حقوق المساواة في مجالات شتى، لا تزال، في أهم المجالات دونه، وبصورة مزرية، كما سنرى في هذا الكتاب.. ومرّ عام المرأة العالمي على بلادنا فكان عام شعارات واحتفالات، وقعدت زعيمات الحركة النسوية في بلادنا عن واجبهن الأساسي في النضال من أجل تحقيق المساواة في أهم قانون يمس حياة النساء والرجال والأطفال: قانون الأسرة. وظلت محاكم الأحوال الشخصية تعج بضحايا قضايا الطاعة والتعليق والتطليق والنفقة والحضانة من النساء اللاتي أراد لهن قضاة تلك المحاكم المتخلفة عن روح العصر وروح الدين أن ييأسن من أية فرصة للكرامة في حياتهن! ورفع هؤلاء القضاة سيف الإرهاب في وجوه النساء بادعائهم أنهم إنما يطبقون شرع الله وما علموا، وما علمت النساء، أنهم إنما يعدلون عن سماحة الشريعة الى رأى الفقهاء الذي بعد عن روح الدين، وأن الله تعالي قد أعدّ لهن في كتابه العزيز من حقوق المساواة ما يرتفع الى مستوى قامتهن الجديدة التي بلغنها بفضل الله، ثم بفضل تطوّر الحياة في مراقي القرب من الله.
إن قضية المرأة ذات بعد بعيد في النفس البشرية، ولا يقتصر العمل في سبيلها على التشريع فحسب.. وإنما هو، وفي المرتبة الأولى، ينصرف الى التربية.. فنحن دعاة الى المنهج الإسلامي في التربية الذي يحرر المرأة من موروثات المخاوف والأوهام، ويعيد بناء شخصيتها ويبرز فيها القيمة الإنسانية.. فإن القيمة الحقيقية للمرأة لا تزال مجهولة تماما.. ولا كرامة ولا عزّة للمرأة الاّ في الإسلام.. على أن يفهم الإسلام في مستوى حل مشكلات الحياة المعاصرة وأولاها قضية المرأة.. والله خير ولي وخير نصير..