لو كان الشعب واعي لوقف وقفة رجل واحد. نحن بنعتقد إنه راح يوعى، وراح يقيف وقفة رجل واحد، وراح يغيير، وكل ناس بحاولوا يكيدوا لهذا الشعب، سيكون كيدهم في نحرهم إن شاء الله.. دا ما عودنا ليهو الله في حماية حقوق الشعب دا ورعاية مصلحته.

محاضرة الإستقلال وقضايا الشعب - ٣١ ديسمبر ١٩٦٨




ماذا حققت المرأة
في عام المرأة؟

قوامة الرجال على النساء مرحلية

الفصل الأول

قوامة الرجال على النساء مرحلية



أصول القرآن وفروعه


لقد قامت أصول القرآن على المسئولية بينما قامت فروعه على الوصاية. وأصوله هي السور والآيات المكية، وفروعه هي السور والآيات المدنية.. فإذا وجدت فرقا بين قوله تعالى ((وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)) وقوله تعالى ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)) فهو الفرق بين أصول القرآن وفروعه.. فالأول أصل والثاني فرع، لأن الأصل في الإسلام المسئولية الفردية. ((ونرثه ما يقول ويأتينا فردا))، فإذا عرض مستوى المسئولية على الناس فلم يطيقوه لأنهم دونه، فلزمتهم الحجة ((لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل))، نسخ في حقهم وشرع لهم تشريع الوصاية.. وكذلك كان الإنتقال من مستوى القرآن المكي الى مستوى القرآن المدني.
فالشريعة الاسلامية الموروثة من القرن السابع الميلادي إنما هي شريعة وصاية، وفيها الرجال أوصياء على الرجال، والرجال أوصياء على النساء.. فالقاصر لا يترك سدى، وإنما يقام عليه وصي رشيد يتولى أمره حتى يبلغه رشده، وقد أرجىء تطبيق أصول القرآن حتى تبلغ البشرية مبلغ المسئولية الذي نراها عليه الآن.. فلم تكن أصول القرآن قائمة، تشريعا وأخلاقا، الاّ في حق النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، فإنه الرشيد الذي أدبّه ربه فأحسن تأديبه.

حقوق المرأة بين الأصول والفروع


لقد وجد الإسلام المرأة وهي وريثة رواسب قديمة موغلة في القدم، من القصور.. فالمجتمع، يومئذ، كان مجتمع غابة، حيث الفضيلة للقوة الجسدية، وكان الرجل، في ذلك المجتمع، هو حامي عرض المرأة، وكاسب قوتها.. ومن ثمّ القيّم عليها. أكثر من ذلك، فإن الإسلام قد وجد المرأة تدفن حية خوف المضايقة في الرزق، وجلب العار ((وإذا الموءودة سئلت بأى ذنب قتلت)).. فهي قد كانت مسلوبة الحق في الحياة، فأعطاها الإسلام، أولا، حق الحياة، وأعطاها أكثر من ذلك.. أعطاها بعض حقوق المساواة مع الرجل، وما كان ممكنا، ولا ضروريا، أن يعطيها كل حقوق المساواة لأنه إنما يعطيها من الحقوق بقدر ما تطيق القيام به من واجبات ((لا يكلف الله نفسا الاّ وسعها)) فجعل الرجل قيّما عليها، وجعلها على النصف من الرجل في الشهادة، وفي الميراث، وعلى الربع منه في الزواج.. وجعل حق الطلاق بيد الرجل.. ولقد كانت تلك الحقوق ما يعتبر قفزة بوضع المرأة بالنسبة لما كانت عليه من هوان وإهدار لإنسانيتها.. أما حقوقها الكاملة في المساواة فقد ادخرها لها، في القرآن، وجعلها وديعة عند الرجل يؤديها إليها، يوم تبلغ رشدها، ويبلغ المجتمع رشده، كما يؤدي كل وصي الأمانة الى القاصر حين يبلغ رشده ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات الى أهلها))
وعمدة قوامة الرجال على النساء قوله تعالى ((الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)) وواضح ان القوامة قد كانت معلولة بفضيلة الرجال على النساء في مجتمع الغابة.. وعمدة رفع قوامة الرجال على النساء قوله تعالى ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة))

((لهن مثل الذي عليهن بالمعروف)): -


هذه تعني أن لهن من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات، على أساس "المعروف".. أى العرف.. فلما كان العرف، في ذلك المجتمع، الاّ تشارك النساء في الحياة العامة، كما سلف القول، كانت واجباتها دون واجبات الرجل، ولذلك كانت حقوقها دون حقوقه.
أما وقد صار العرف الآن أن تصل المرأة الى أقصى مراحل التعليم، وأن تتولى أرفع الوظائف، والعرف المقصود هو الذي لا يتعارض مع غرض من أغراض الدين التي جماعها تحقيق كرامة الإنسان من ذكر وأنثى، فقد زادت، بذلك، واجبات المرأة فصارت مساوية لواجبات الرجل، وصار من مقتضى العدل الذي يريده الدين أن تعطى حقوق المساواة مع الرجل. فلا يصح عقلا ولا دينا، أن تكون شهادة المرأة القاضية، في هذا العصر، وهي التي تتولى فحص شهادة الشهود من الرجال، بحكم وظيفتها، على النصف من شهادة مطلق رجل!!
إن النص القرآني نفسه يفتح الطريق أمام تطوير شهادة المرأة لتكون مساوية لشهادة الرجل.. فهو يقول ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وأمرأتان ممن ترضون من الشهداء.. أن تضّل إحداهما فتذّكر إحداهما الأخرى)) فإن حظ المرأة في الشهادة قد كان مشدودا الى وضعها يومئذ، وقلّة تمرّسها في الحياة العامة مما أدى الى عدم نضجها الفكري، ومن ثمّ، الى سوء ذاكرتها، أما وقد دخلت المرأة، اليوم، معترك الحياة العامة فزادت واجباتها، أى زادت خبرتها وفرص قوتها الفكرية، فقد آن أن تزاد حقوقها، فتنال حق مساواتها مع الرجل في الشهادة، على قاعدة ((ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)).
لقد كان من أسباب وصاية الرجال على النساء قصور النساء عن حماية أنفسهن في مجتمع الغابة، أما وقد تولى، اليوم، القانون حماية الرجال والنساء فقد زالت أسباب قوامة الرجال على النساء بسبب هذه الحماية.. ولقد كان من أسباب وصاية الرجال على النساء، أيضا، إنفاق الرجل على المرأة حيث كان كسب الرزق يتطّلب المقدّرة الجسدية، أما اليوم فقد دخلت المقدرة الفكرية في وسائل كسب الرزق، وتهيأ المجتمع للاشتراكية في الإسلام التي تقوّم وظيفة عمل المرأة كأم وكربة بيت بما يرفعها فوق وظائف الإنتاج المادي ببعيد، فقد زالت أسباب قوامة الرجال على النساء بسبب الإنفاق.

((وللرجال عليهن درجة)): -


يظن بعض المفسرين أن ((وللرجال عليهن درجة)) بسبيل من آية القوامة، وهذا تخليط أعطاه الفهم القاصر لديمومة قوامة الرجال على النساء.. ((فدرجة)) الرجال على النساء لا تعني عدم المساواة بين الرجال والنساء أمام القانون في الحقوق والواجبات، وإنما تعني أن لآدم على حواء درجة، هي درجة قربه من الله، فهو أقرب الى الله منها.. وهذه الدرجة إنما تقع في مضمار الأخلاق لا في مضمار القانون، والأخلاق ليست هي القانون تماما، وإنما هي الطرف الرفيع منه.. فأبوبكر، مثلا أكبر درجة من عمر، في حساب القرب من الله، ولكنهما متساويان، أمام الشريعة في الحقوق والواجبات.. والواقع المعاش لا يعطى أن مطلق رجل أفضل من مطلق إمرأة والاّ كيف كانت عائشة أفضل بكثير من كثير من المسلمين؟! (راجع كتابنا "تطوير شريعة الأحوال الشخصية" لإستقصاء موضوع حقوق المرأة بين الأصول والفروع..)

المساواة بين الرجال والنساء مساواة قيمة


والمساواة بين الرجال والنساء لا تعني مساواة المسطرة وإنما تعني أن قيمة المرأة في نفسها كإنسان، وفي المجتمع كمواطنة، مساوية لقيمة الرجل في نفسه كإنسان، وفي المجتمع كمواطن.
والمساواة بين النساء والرجال نابعة من أصول الدين حيث المسئولية أمام الله مسئولية فردية لا يغنى فيها الرجل عن المرأة شيئا، ولا الرجل عن الرجل.. ((كل نفس بما كسبت رهينة)).. فالمرأة مساوية للرجل، تمام المساواة، أمام الله، ولكن لتخلّف المجتمع، وتخلّف المرأة في القرون السوالف، لم يكن ممكنا، ولا مطلوبا، أن تكون المساواة بين الرجال والنساء، أمام القانون كما هي أمام الله، فلما استعد المجتمع لتحقيق هذه المساواة أمام القانون كان لا بد من تطوير التشريع ليقترب من أصول الدين.. وهي المسئولية الفردية.. ولتكون المسئولية في الأرض كما هي في السماء، فإنه ((وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)).. ومراد الله أن تلتحق أسباب الأرض بأسباب السماء..
فلتنال المرأة حقوق المساواة التامة لا بد من تطوير التشريع بالانتقال من نص القوامة، وهو نص فرعي، الى نص المسئولية الفردية، وهو نص أصلي..