وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

menu search

رسالة الصلاة

الحرية الفردية المطلقة..


في الإسلام الأصل الحرية.. فكل إنسان من حيث أنه إنسان.. هو حر إلى أن يسيء استعمال الحرية فتصادر حريته، حينئذ، وفق قوانين دستورية، وقد تحدثنا عن القوانين الدستورية في الإسلام قبل قليل..
فالحرية حق يقابله واجب.. هذا الواجب هو حسن التصرف في الحرية.. والحرية لا حدود لها، إلا حيث يعجز الحر عن التزام واجبها، فتصبح محدودة بطاقته على الالتزام.. وفي الحق أن الحرية الفردية في الإسلام مطلقة، على أن تؤخذ بحقها.. وحقها كما قلنا حسن التصرف فيها، ولا يستطيع أن يأخذها بحقها إلا من جود العبادة، وأوفي في ذلك بوصية المعصوم حين قال ((تخلقوا بأخلاق الله، إن ربي على سراط مستقيم)) فمن تخلق بأخلاق الله فقد سار من المحدود إلى المطلق، فأحرز من استقامة السيرة، وسلامة السريرة، ما يجعل نتائج عمله كلها خيرا وبرا بالأحياء والأشياء، حتى لا يكون للقوانين عليه من سبيل.
لقد ظهر من الآيات التي سقناها آنفا أن الفرد في الإسلام هو مدار التكليف، وقلنا أن التكليف هو العبودية، ونقول هنا أن الرسل لم ترسل، وأن الكتب لم تنزل، إلا لتعين الفرد على القيام بأعباء تكليفه.. ((طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)) أو ((الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه * هدى للمتقين)) ونقول أيضا أن الفرد من رجل أو امرأة هو الغاية وكل ما عداه وسيلة إليه، بما في ذلك الأكوان والقرآن ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟)).
فإذا كان القرآن وسيلة الفرد وهو بلا ريب كذلك، فقد أصبح التشريع وسيلته كذلك، ومن باب أولى.. وأعظم تشريع طوع لإنجاب الفرد الحر حرية فردية مطلقة تشريع الصلاة..

الصلاة وسيلة..


والوسيلة دائما من جنس الغاية.. فهي طرف منها، والاختلاف بين الوسائل وغاياتها اختلاف مقدار، وليس اختلاف نوع، ولا يمكن لدى النظر السليم التوسل إلى الغايات الصحائح بالوسائل المراض.
والصلاة التي هي وسيلة، الصلاة الشرعية المألوفة، في الحركات المعروفة والأوقات، وهي وسيلة إلى المقام الذي يكون فيه الفرد في صلة تامة، وجمعية شاملة بربه، والقرآن في هذا الباب لا يحوجنا إلى طويل تفكير، فهو حاسم وقاطع.. فاسمعه وهو يقول ((وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون)) واسمعه يقول.. ((وأقم الصلاة لذكري)) وذكر الله في هذه الآية، وفي سابقتها الحضور مع الله بلا غفلة، ووسيلته الصلاة.. واسمعه يقول.. ((فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون * يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين)) والصبر هنا يعني الصوم، وإنما تكون الاستعانة بالصوم والصلاة على دواعي الجبلة إلى الغفلة عن الله، وهو راجع إلى أن الصلاة وسيلة إلى ذكر الله بلا غفلة عنه.
ويقول الله تعالى لنبيه ((فاصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح، وأطراف النهار، لعلك ترضى * ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى)) وسبح هنا تعني صل وفي هذه الآية أوقات الصلاة الخمسة وهي: قبل طلوع الشمس الصبح، وقبل غروبها، الظهر والعصر.. وكذلك عبارة وأطراف النهار.. ومن آناء الليل، المغرب، والعشاء، هذا إلى جانب أن الآية تعني أيضا بالتسبيح الذكر والتنزيه..
وعبارة ((لعلك ترضى)) تجعل الصلاة وسيلة إلى الرضا بصورة لا لبس فيها ولا غموض، والرضا بالله ربا نتيجة تمام المعرفة به، وتمام المعرفة بالله ثمرة ذكره بلا غفلة ولا انقطاع.. والرضا بالله ربا يعني ترك التمني. ومما يؤثر عن الحسن بن علي أنه قال ((من وثق بحسن اختيار الله له، لم يتمن غير الحالة التي هو فيها)) ولذلك قال تعالى ههنا ((ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى)) يعني لا تتمن، وارض بما قسمه الله لك، ثقة بحسن تدبيره، واستعن على حالة الرضا هذه بالصلاة.

الرضا بالله عبودية..


قلنا أن الصلاة وسيلة، وقررت لنا الآيات السوالف هذه الحقيقة. وظهر أنها وسيلة إلى ذكر الله، وقلنا أن ذكر الله هو الحضور معه بلا غفلة عنه، وثمرة الذكر بلا انقطاع ولا غفلة تمام المعرفة بالله وثمرة تمام المعرفة الرضا بالله، وعاقبة الغفلة عن الله السخط عليه، وأدق مظاهر السخط على الله التمني، وهو ما نهت عنه الآية الكريمة المعصوم، والرضا بالله مجاهدة في مقام العبودية، فإن العبد لا يزال يجاهد دواعي طبعه إلى السخط على الله، وعدم الرضا به في دقائق صور السلوك جميعها، حتى يرضى الله تعالى عنه فينتقل من مرتبة النفس الراضية إلى مرتبة النفس المرضية وهي النفس التي لا يلقيها الله إلا ما تحب.. وفي الحق، أن النفس لا ترضى عن الله تمام الرضا وهي تلقى من الله ما تكره، ولذلك فقد عبر تعالى عن حالة المرضيين عنده بقوله ((لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد)) ولما كان الانسان لا يشاء ما يكره، ولا يرضى أن تتخلف مشيئته، فقد أنجز الله لهم مشيئتهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله ((لهم ما يشاءون فيها)) ثم لما كانوا مرضيين من الله لطول ما رضوا بالله مد لهم الله علما به متجددا.. به تتجدد مشيئتهم فترتفع إلى مستوى منجزات جديدة من المطالب الرفيعة، التي تستجاب فور بروزها إلى منطقة الفكر، أو إلى منطقة القول، وإلى ذلك الإشارة بقوله ((ولدينا مزيد)).
فإذا أحسن العبد التوسل بوسيلة الصلاة أعانته على الدخول في مقام الرضا بالله، فإذا أحسن السلوك في مراقيه بالمزيد من إتقان الصلاة دخل في درجات العبودية. ولمقام العبودية بداية، وهو مقام النفس الراضية، وليست له نهاية لأنه كالربوبية لا يتناهى. والعبودية هي التكليف الأصلي، والعبادة هي التكليف الفرعي، وبعبارة أدق.. العبادة هي الوسيلة، والعبودية هي غاية العبادة.. وهذا ما تفيده الآية: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) ومعناها ما خلقت الجن والانس إلا ليصيروا لي عبيدا بوسيلة العبادة. وبعبارة أخرى، ما خلقت الجن والانس إلا ليعبدوني كما أمرتهم على ألسنة رسلي، ليصيروا بتلك العبادة لي عبيدا كما أمرتهم على لسان ذاتي، وذلك حين قلت في مقام عزتي ((إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا)).

العبودية هي الحرية


الرضا بالله ربا مدخل على العبودية، كما سلف القول، ومن رضي بالله آثره على نفسه فاطرح ما يريده هو رضا بما يريده سيده. فقد قال أصحابنا ((العبد موجود لسيده، مفقود لنفسه)) وقالوا ((حقيقة العبد أن يكون بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف شاء بلا اعتراض منه عليه)) فالعبد لا يقوم بخاطره اعتراض على إرادة الله، فإذا قام لا يلبث أن يراجعه بالمراقبة أو بالمحاسبة، ولا تستجيب النفس لهذا المقام إلا إذا بلغ علمها حق اليقين، فاطمأنت وسكنت، لاستيثاقها أن الله أعلم بمصالحها منها، وأنه تعالى أقدر على توصيل المصلحة إليها، وأنه أرحم بها منها، وأنه أولى بها منها، من جميع الوجوه، ولا يتفق هذا للنفس إلا بتوفيق الله، ثم بإدمان الفكر، وبطول المران والرياضة والمجاهدة، وبإتقان العبادة بتجويد تقليد المعصوم، وبالسلوك العملي في حسن معاملة الناس، والسعي في مصالحهم، حتى تجود ((لا إله إلا الله)) تجويد تفريد، في إخلاص النية وحسن العمل وصفاء الفكر، ((إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه)) و ((الكلم الطيب)) ((لا إله إلا الله)) ((والعمل الصالح)) الصلاة، والصلاة تعني المعاملة - المعاملة مع الرب بعدم الغفلة عنه.. والمعاملة مع الخلق بكف الأذى عنهم واحتمال الأذى منهم، ثم بالإخلاص والنصح لهم وذلك بتوصيل الخير إليهم في المنشط والمكره..
((ألا لله الدين الخالص)) الخالص من حظوظ النفس، فهو لا يقبل غيره، ولما كانت حظوظ النفوس كثيرة في حب المال والجاه والسلطة، فقد زهد الزاهدون في كل أولئك لتقل حاجتهم منها، ولتقتصر تلك الحاجة على الكفاف ليحرزوا بذلك إخلاص قلوبهم لله.. فهم يرون أن الحاجة رق، وأنك كلما زادت حاجات نفسك كلما زاد رقك لتلك الحاجات، وأنت بذلك لا تكون خالصا لله، ولا يكون دينك خالصا لله، وهو لا يقبلك في رقه: في عبوديته.. حتى يتم عتقك من أسيادك التقليديين: العادات والأوهام والأباطيل، التي تجعل الرجال والنساء عبيدا للشهوات والمطامح.
إننا قد تعلمنا أن الحياة تواجهنا بالخير والشر. والشر يتمثل في الألم: الخوف والجوع والمرض والموت.. والخير يتمثل في اللذة: الأمن والشبع والصحة والحياة.. وقد دفعنا الخوف من الألم أن نستكثر من اللذة، ومن وسائل اللذة، حتى نجعل بيننا وبين ما يؤلمنا أمدا بعيدا ووقاية حصينة، ومن ههنا جاء السعي وراء المال والحرص على اكتنازه، وجاء حب الحياة والتعلق بأسباب السلطة .
وقد دلت التجربة البشرية الطويلة أن الشر لا يمكن الاحتراز عنه والاعتصام منه بوسائل الحرص والجمع والاستكثار من الحطام ولا من الجاه والسلطان، ذلك بأن الموت الذي هو قمة الشرور لم تنجح في توقيه حيلة المحتالين بوسائل الجمع ووسائل المنعة.
((أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة)) وفي الإسلام إبليس هو الشر المجسد، وأعوانه من أبنائه ينشرون الخوف في قلوب الناس ويصدونهم عن السبيل، ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم))، ((يعدكم الفقر)) يعني يخوفكم عواقب البذل ((ويأمركم بالفحشاء)) يعني البخل والحرص والكنز، وهذا الشر المجسد، يحدثنا القرآن عن شأنه مع عباد الله فيقول ((قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا سراط علي مستقيم * إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)).. وقال إبليس ((لأزينن لهم في الأرض)) يعني لأحببن لهم البقاء في الأرض ولأبغضن لهم الموت. وبحب الحياة وبغض الموت تكون كل الشرور والمآثم الأخرى ثم استدرك فقال ((إلا عبادك منهم المخلصين)) لعلمه أن هؤلاء لا ينطلي عليهم مكره، فقال الحق في توكيد ذلك ((هذا سراط علي مستقيم)): أي حق أوجبته على نفسي.. وما هو ذلك الحق؟؟ ((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)) هم أحرار من سلطان كيدك وتضليلك وتلبيسك.. والحرية من كيد إبليس إشارة إلى الحرية من أصل الشرور وهو الخوف.
((إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا)) استزلهم ساقهم إلى الزلل، وهو إنما يستزلنا ليسوقنا إلى الذل في ظل الخوف.. والخوف هو الشر كله وإبليس هو تجسيد الخوف.
ولقد جعل الإسلام وكده محاربة الخوف و ((رأس الحكمة مخافة الله)) تعني أن بداية العلم أن تجمع مخاوفك كلها من الله وحده، لأنه قال ((قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون)) والكلمة وهي ((لا إله إلا الله)) التي هي نهج الإسلام، تعني توحيد الخوف في مصدر واحد بعد أن كان يأتي من كل جانب، وفي توحيد الخوف قيمة تربوية عظيمة.
ثم إن العبد يحارب خوفه من مصائب الحياة بالمجاهدة على الرضا بالله كما سبق أن قلنا، يقينا منه بأن الله أعلم بما يصلحه منه، وأن المصائب حين تساق إليه إنما هي صديق في الحقيقة، في ثياب عدو في الظاهر فقط، وذلك لقصور علمنا، ((كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) فإذا أتقنا المجاهدة في موطن الرضا إيقانا منا بأن شدة المصائب التي يسوقها إلينا ربنا إنما هي بمثابة مرارة الدواء الذي يكون فيه برء أدوائنا، فإن عناية الله تدركنا فتنقلنا بما تفتح لنا من فيوض المعرفة بالله إلى منازل لا يتصور فيها بلاء، حيث نكون في سرادق الرضا، فلا نلقى شيئا مما نكره، وسبقت إلى هذا الإشارة قبل قليل في هذه الرسالة.
فالعارف المجود للمعرفة، السالك في مدارج العبودية لا يخاف شيئا على الاطلاق.. وهو لا يخاف الله لأن الله عند العارف المجود يحب، ويطمأن إليه، ويرتع في بحبوحة أنسه.. نعم هناك ظل من الخوف خفيف، وذلك عندما يمد العارف نظره إلى الإطلاق، ولكن هذا الخوف هو نتيجة المعرفة، ونحن نتحدث آنفا عن الخوف الذي هو نتيجة الجهل.. فالخوف الذي هو معرفة، هو أعلى ما تبلغ معرفة العارفين، وعنده النعيم المقيم والخير المطلق، وبه المزيد المستمر، لأن العارف فيه يتحقق بقوله تعالى ((كل يوم هو في شأن)) وشأنه تجديد حياته كل لحظة بانطلاقه في التطور، بالاستزادة من كمال حياة الفكر وحياة الشعور، وهو في ذلك ينشر الخير بين الناس كما تنشر الزهرة المعطار شذى عرفها.
إن العبودية هي الحرية.. لأنها حرية من الخوف. ووسيلة العبودية العبادة، وفي قمة العبادة الصلاة.