وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

menu search

رسالة الصلاة

بسـم الله الرحمن الرحيـم
((قل إنني هداني ربى إلى سراط مستقيم، ديناً قيماً، ملة إبراهيم، حنيفاً وما كان من المشركين * قل إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي، لله رب العالمين * لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين.))
صدق الله العظيم


مقدمة الطبعة الرابعـة


هذه هي مقدمة الطبعة الرابعة من كتاب ((رسالة الصلاة)).. نصدرها في هذا الشهر المبارك، وكانت الطبعة الأولى منه قد صدرت للناس في مثل هذا الشهر المبارك من عام 1385، وكان يوافق شهر يناير عام 1966، ثم إن طبعته الثانية ظهرت بعد مرور عام على طبعته الأولى، وذلك قد كان في شهر الله المبارك رمضان من عام 1386 وكان يوافق يناير 1967.. ثم ظهرت الحاجة إلى طبعته الثالثة فصدرت في شهر محرم من عام 1388، وكان هذا يوافق شهر أبريل من عام 1968..
ولم تظفر أي من هذه الطبعات بمقدمة خاصة بها، وإنما كان ذلك بسبب إلحاح الأعمال الأخرى علينا.. والآن، ونحن نعد العدة لإخراج الطبعة الرابعة، فإنا بفضل الله، وبتوفيقه، نجد الوقت، ونجد العافية، لتصديره بمقدمة طويلة تتناول بعض قضاياه باستقراء جديد..
وليس في عمل الإنسان ما هو أهم، ولا أكمل، ولا ما هو أعود بالخير، والنفع، عليه، ولا على الإنسانية، من الصلاة..
والله تبارك وتعالى يقول: ((من كان يريد العزة فلله العزة جميعا، إليه يصعد الكلم الطيب ، والعمل الصالح يرفعه..)) فالكلم الطيب هو التوحيد.. هو ((لا إله إلا الله)).. والعمل الصالح، على رأسه الصلاة، والأعمال الصالحة الأخرى تتبع.. وهي إنما يكون صلاحها بصلاح الصلاة ..
والصلاة فريضة ليس في الدين ما هو أوكد منها.. فإذا كانت الشهادتان في الدين أول الكلام، فإن الصلاة فيه أول العمل .. وهي علم، وعمل بمقتضى العلم، وهذا في حد ذاته، يجعلها شديدة الأثر في توحيد البنية البشرية.. وحكمة مشروعيتها ترجع إلى هذا النفع الجليل.. والصلاة، من ثم، ليست عمل الشيوخ، أو عمل السذج، والبسطاء، غير المثقفين، كما يخيل للشباب، في وقتنا الحاضر، وإنما هي عمل الأذكياء، والمثقفين، في المكان الأول.. وسنبذل محاولة هنا، في هذه المقدمة، للتعريف بهذا الأمر.. وسيتجه الحديث إلى الدين، وإلى الإنسان، وإلى العقل، وإلى وحدة البنية البشرية، التي بها يكون الكمال الذي ننشده جميعا، ونخطئ الطريق إليه.. وبالله التوفيق..

الـدين..


الدين ما هو؟
للدين معان كثيرة.. فهو يعني الإكراه، ويعني الطاعة، ويعني القهر والغلبة..هذا في مستوى.. وفي مستوى آخر هو يعني السيرة، والنهج والمعاملة..
ففي المعنى الأول، ورد قوله تعالى: ((أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات والأرض طوعا، وكرها، وإليه يرجعون؟))..
وفي المعنى الثاني ورد قوله تعالى: ((ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا؟ واتخذ الله إبراهيم خليلا!)) والدين في هذين المستويين دينان، بينهما اختلاف مقدار.. ويمكن تسميتهما بالدين العام، والدين الخاص.. ويمثل الدين العام حلقة، خارجية، محيطة، ويمثل الدين الخاص حلقة، داخلية، محاطا بها..
فأما الدين العام فهو شأن الخلائق جميعها، وإليه الإشارة بقول الله تعالى: ((تسبح له السموات السبع، والأرض، ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. إنه كان حليما غفورا.)) وهو بذلك يعني الإرادة الإلهية التي قهرت العناصر، وسيرت الخلائق إلى مصيرها المقدور.. وعن هذا الدين لا يشذ شاذ، ولا يخرج عليه خارج.. ولا تقع فيه معصية من عاص.. فليس في حقه إلا الطاعة.. وفي شرعه، من عصى فقد أطاع، في عين ما قد عصى.. وليس بطاعة الطائع فيه عند الله عبرة..
وأما الدين الخاص فهو دين الجن والانس ـ وهو بذلك دين العقول المكلفة بترويض الشهوة.. وهو إنما سمي دين العقول لأن في شرعه تقع المعصية.. والمعصية هي مخالفة الحكم الشرعي في العمل، أو القول، أو كليهما.. وحكمة الحكم الشرعي قائمة في العقل الكلى القديم، ومراد هذا الدين تسيير العقل المحدث في طريق مرضاة العقل القديم، ولذلك فإن العبرة في العمل فيه بالنية.. والنية هي استحضار القصد من وراء العمل في العقل، قبيل الشروع في العمل..
وحين يمثل الدين العام إرادة الله يمثل الدين الخاص رضوانه.. وإنما يستصفى الدين الخاص، من الدين العام، كما يستصفى ماء الأنهار، من ماء البحار، بفضل الله، ثم بفضل حرارة الشمس التي بها تبخير الماء، وتصريف الرياح، وتسخير السحاب بين السماء والأرض.. فالله، تبارك وتعالى، قد أرسل رسله لاستصفاء رضوانه من إرادته، كما سخر شمسه لاستصفاء مائه العذب، من مائه الملح.. ومصافي الرضوان من الإرادة هي العقول البشرية.. ومن أجل أن تقوى هذه العقول على الاضطلاع بهذه المهمة أمدها الله بالعقول الملائكية ـ بالوحي ـ بجبريل ـ وإنما الوحي مرحلة، ريثما تستغنى العقول عنه، بفضل الله، ثم بفضل تفجير الطاقة التي أودعها الله في البنية البشرية..
وهذا أيضا ما من أجله قلنا إن الدين الخاص هو دين العقول.. وليست هناك كرامة ترجى، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، إلا والعقول طريقها..